شعرنا المعاصر إلى أين؟ (13): الشِّعر في سوريا ليس بخير والحرب غيّرتْ مزاج المفردات

طوال العصر الحديث كانت سوريا تُشكّل جزءا رئيسيا من متخيل الشعر العربي وطموحاته الأبرز في التحديث الفنّي، ويكفي أن نذكر هؤلاء الأساتذة الذين عبروا مياهه وحرثوا في الأعماق، من أمثال: بدوي الجبل، وعمر أبو ريشة، ونزار قباني، ومحمد الماغوط، وممدوح عدوان، وأدونيس، وسليم بركات ورياض الحسين، لندرك أبعاد ذلك النحت الدقيق لابتكار مدى الكلمة ووظيفيتها. راهنًا، وبعد عام 2011 الذي أتت معه الحرب «القذرة» على حين غرّة، تغيّرت أشياء كثيرة في البلد، وانطفأ بريق أشياء أخرى.
لم يكن الشّعر، فنُّهم الكبير ومرصد تغريبتهم الأحدث، بعيدا عن الطرق الكثيفة التي ضجّتْ بالناس، وهم يحملون سلال أوجاعهم إلى جميع العالم. تغيّرتْ روائح مفرداته، سُمْكها ومزاجها. أمسينا مع شعر جديد، ورؤية جديدة وحساسيّةٍ جديدة، بل انقسم أصحابه إلى شعراء الداخل وشعراء الخارج أو المنفى. ورُبّما بدا هؤلاء كأنّهم ضحايا لحربٍ أخرى، فقد تدخّل هوى السياسة والموقف مما يجري. وبدأ الشعر، بعد أعوام الحرب، يواجه تحت القصف مأزقا؛ بدا كأنّه جردة حساب غير دقيق في ضوء قراءات مستعجلة.
في الجانب الآخر، ثمّة قلّةٌ حافظت على مسافةٍ ما، صعبة وضرورية، حتى يكون للسان الشعر ما يقوله بكلّ صدق وجرأة أمام شاشةٍ عظيمة تتغيّرُ بسرعة البرق وكثافة الألم. الشعر الذي كان في معظمه غنائياً، كيف صار تراجيدي النبرة وداكن الأبعاد؟ سننتظر حتى تتبدّد أدخنة الحرب ويعود الناس، ليُعرف «صحيح الشِّعر من رديئه».

عارف حمزة: شعر جديد ومفردات جديدة ومنفى

ما جاء بعد ربيع عام 2011 كان جديداً في كلّ شيء بالنسبة للسوريين، وهو الوقت الذي تلا ثورة السوريين على نظام الأسد، والبطش اللانهائي وتدخل أطراف ميّعت الثورة ودفعتها إلى حرب أهلية بطريقة ما. ما أثرّ على الشعر السوري الجديد، هو ما أثّر على عامة الناس، التي صارت تعيش في المخيمات، أو تعبر البحار لتذهب إلى المنفى الاختياري، بعد أن شاهدت خراب البيوت والمدن، والنزوحات التي أفرغت البلاد من نصف سكانها. انقسم بذلك الشعر الجديد في العقد الأخير إلى قسمين: شعر الداخل وشعر الخارج أو المنفى. وهذا يحتاج إلى بحث منفصل، أو إلى وصله مع جذوره. خلال العقد الأخير دخلت مفردات، مثل الحرب والدمار والصواريخ والمدفعية والأنقاض والملاجئ والنزوح والمقابر والحواجز والقتل على الهوية والإرهاب والمخيم والمنفى والغرق والاندماج، إلخ، كان قد تخلّص منها الشعر بعد آخر نكسة وآخر حرب. وبعد تلك النكسة وتلك الحرب مع «إسرائيل» صارت الطريق سالكة أكثر أمام قصيدة النثر الهادئة والذاتية، التي لا تبحث عن القضايا الكبرى ولا الغنائية ولا الصوت العالي، بل احتفظت من الشعر القديم بالوقوف على الأطلال. أطلال العلاقة مع النفس والآخر. أطلال العلاقة مع الحبيبة. أطلال العلاقة مع الوطن والمكان. أطلال العلاقة مع الماضي وسوء التفاهم مع العالم.

هناك جيل من المراهقين، أو من المراهقين الجدد، ظهر مع السنوات الأخيرة من ظهور فيسبوك، وهم أيضاً يتكاتفون في شدّ عضد بعضهم بعضا، وتعويم أسمائهم، بل ونشر مجموعات شعرية، ولا علاقة لكثير منها بالشعر.

خرجت أجيال شعرية جديدة ولافتة للنظر بعد جيل السبعينيات، الذي أفسدت السياسة، وكذلك الالتزام الكثير من فنيّة شعره، أو من شعريّة النص. ورغم أن جيل الثمانينيات أخرج أسماء لافتة، إلا أن العديد منهم توقف عن كتابة الشعر بعد مجموعتين أو ثلاث مجموعات، وتَحوّل بعضهم إلى روائيّين أو اكتفوا بالكتابة في النقد والصحافة. ثُمّ خرج جيل التسعينيات الذي عاد الكثير منهم إلى قصيدة التفعيلة، وكان ذلك الزمن هو زمن بروز مسابقات جديدة للشعر، فشارك الكثير منهم في تلك المسابقات وحصلوا عليها، حتى أنّه يمكن براحة كبيرة أن نُطلق عليهم «جيل الجوائز».
ثم جاء جيل الألفية، إذا جاز التعبير، وعادت قصيدة النثر هي التي تهيمن على ما يكتب في الساحة الشعرية، وكتب خلال ذلك العديد من شعراء جيل التسعينيات تلك القصيدة، أو تحوّلوا لكتابة الرواية والنقد. ما كان يجمع بين هذه الأجيال أنّها ظلّتْ مخلصة لمدارس الماغوط وأدونيس وسليم بركات وقباني ودرويش أيضاً، ولو أنّها حاولت الإفلات من هذه المدارس بشكل أو بآخر. ما يكتب في الوقت الراهن كثير.. حتى أن الذين توقفوا عن الكتابة منذ سنوات، أعادتهم الثورة/ الحرب وكذلك المنفى إلى الكتابة من جديد. لكن الشعر انقسم، ويا للأسف، بين شعر الداخل وشعر المنفى. وصار كل قسم يُمرّر أسماء، أو يُعوّم أسماء، لا علاقة لها بالشعر بقدر ما لها علاقة مع هذا الموقف أو ذاك. بمعنى أو بآخر، عادت السياسة والالتزام لتخرّب الكثير من الشعر الذي يُكتب الآن.
على الجانب الآخر، هناك جيل من المراهقين، أو من المراهقين الجدد، ظهر مع السنوات الأخيرة من ظهور فيسبوك، وهم أيضاً يتكاتفون في شدّ عضد بعضهم بعضا، وتعويم أسمائهم، بل ونشر مجموعات شعرية، ولا علاقة لكثير منها بالشعر. وهو أمر لافت للنظر، ففي الوقت الذي ينعى الكثيرون الشِّعر، ظهر هؤلاء الذين يريدون قتله إلى الأبد. بينما الشعراء الجيّدون، على قلّتهم كالعادة، يسهرون على جسده المريض في المشفى الأبديّ للإبداع.

لينا شدود: ضحايا الحرب

عن أيّ شعر نتحدث؛ عن الشعر المهجّر أو المهاجر أو العاجز أو المقتول؟ صحيحٌ أنّ الشعر لم ينكسر بعد ولم يخفت بريقه، لكنه الآن منقسم على ذاته إلى حين. رُبّما فقد هويّته الكونية لصالح المحلية أو العكس لا فرق، لكنه على الأرجح، تخفّف من إرثه الثقيل وانتماءاته، مقتصراً فقط على كل ما هو كاشف بعيداً عن خصلة الانحياز أو التواطؤ المنفرين. وهكذا لم يعد لدى الشعر أمل سوى أن يجازف بما تبقّى لديه من مهارات البحث عن جماليات جديدة وغير متداولة، إن كان في الشعر اليومي المعاش أو الرؤيوي لغرض استيعاب ما يجري من حولنا على صعيد الشكل والمضمون معاً.

من الجليِّ الآن أنّه ليس ثمة عظماء جدد ولا شعراء مُكرّسون، فلكلّ منا الآن ضفافه المنفية التي يقف عليها حائراً متسائلاً عن ماهية الذنب الذي اقترفناه لنختبر كُلّ هذا الألم.

الشعر السوري اليوم وشعراؤه هم للأسف ضحايا حرب لم ترحم البشر، ولا الحجر، حتى الذاكرة لم تسلم منها، بل فقدت قدرتها على تخزين أو استيعاب ما يجري. وبسبب كلّ ما تقدم لم يجد الشعر السوري ضالّته خلال أعوام الحرب هذه لا عند القراء ولا النقاد، حيث اقتصر الأمر على قراءات مستعجلة وغير وافية. ربما بسبب حالات الغضب والخوف المسيطرة على المناخ العام، التي بدورها خلقت مناخاً من عدم الرضا عن الإنجازات الأدبية، وقد يكون السبب في رأيي هو عدم وجود متابعة أو اهتمام حقيقي وسط هذا الخراب العميم، الذي اقتات على أرواحنا وتركها بلا غايات تُذكر. أتّفق مع أغلب الاستطلاعات واللقاءات التي أُجريت مع الشعراء السوريين على أن الوقت غير ملائم لإطلاق البيانات الشعرية، فكل ما كُتب في تلك الفترة كان ناقلاً وشاهداً على مرحلة آلمتنا جميعاً. ربما يجدر بنا هنا أن نُجلّ ونقدّر الصدق الذي وسَمَ شعر تلك المرحلة، حتى أننا نكاد نجزم أن الشعر تحديداً هو من تَحمّل وزر هذه الحرب أكثر من باقي الأجناس الأدبية الأخرى. صحيحٌ أنّ الشعر قد تنحّى جانباً لصالح الرواية، التي أخذت على عاتقها سرد ما يجري بأريحية وطلاقة، مطمئنة لتوق القرّاء ونهمهم لاقتناء كل ما صدر في تلك الفترة من أعمال روائية، إلا أنّ الشعر وحده هو من امتصّ كل هذا التيه، فاصطبغت أغلب الأعمال الجديدة في هذه المرحلة بشظاياه الحارقة.
من الجليِّ الآن أنّه ليس ثمة عظماء جدد ولا شعراء مُكرّسون، فلكلّ منا الآن ضفافه المنفية التي يقف عليها حائراً متسائلاً عن ماهية الذنب الذي اقترفناه لنختبر كُلّ هذا الألم. لا شيء الآن ثابت أو خالد؛ تفاهة الحاضر ضلّلت الأهداف المنشودة. غير أن المفرح هو تلك المحاولات المتفرقة والقليلة إلى حدّ ما، ورغم ذلك هي لافتة ومُبشّرة بالخير، رغم تبدّل المآرب الجمالية والفنية للشعر، وانحسار بريقها في ظل هذا الجحيم المسيطر. إلا أنه من المؤكد أنّ الشعر لن يخذل متابعيه، رغم الظروف القاسية، بل نكاد نجزم أن المنجز الشعري السوري ما زال بخير، بدليل وفرة الأعمال الجديدة غير العابئة بنيل مباركة وموافقة الرقابات الرسمية، رغم أنّ هذا الأمر سيتسبب لاحقاً بحرمانها من الحضور على رفوف المكتبات الوطنية والرسمية. كما أنّ انعقاد بعض النشاطات الأدبية وصدور عدد من الأنطولوجيات الشعرية السورية التي تضمُّ أعمالاً مختلفة السويّة والخاضعة – لا ريب – للذائقة الخاصة للقائمين عليها، إلا أن أيّ نشاط مهما كانت ظروفه أو غاياته البريئة أو غير البريئة، هو في صالح الشِّعر حتماً.

أمارجي: كائنُ اليقظة

الشِّعرُ، في ذاته، كائنُ يقظةٍ. وهو، بهذا المعنى، لا يُبالي أن يوقِظَ أو يوقَظَ، ما دامت كلُّ اليقظات تتمُّ فيه وتصدُرُ عنه وتسعى إليه. التَّحوُّلاتُ التَّاريخيَّة الكبرى لا توقظ حساسيَّةً شعريَّةً هي، في الأصل، يَقْظَى. وهي لا تؤثِّر حتَّى في خصوبة تلك اليقظة، لا تنقل إليها كثافةً من خارجٍ، إذْ كيف لِمَا هو كثافةٌ تفيضُ عن نفسها ولا تُستنفَد أن يستضيفَ مادَّةً خارجيَّة؟ الشِّعرُ هو الذي يُطلقُ كثافته في الأشياء فيجبرها على إطلاق براعمها، وليس العكس. من هنا، من هذه الرُّؤية، أريد أن أعارض الآراء القائلة، إنَّ الحرب السُّوريَّة خلقت حساسيَّاتٍ شعريَّةً جديدةً. فالتَّاريخ لا يخلو، ولو للحظةٍ واحدةٍ، من أحداثٍ كُبرى؛ ولو كان الحدثُ يصنع شاعرا لغصَّت الأرضُ بالشُّعراء، لكنَّ الشِّعر يتحرَّك في الجغرافيا، جغرافيا يخطُّها هو، وليس في التَّاريخ، تاريخٍ يخطُّه غيرُه. «هناك مسافةٌ» كما يقول بول فاليري، «بين الانفعال والتَّعبير عنه، بل هناك هوَّة» وهنا يكمن مأزق القصيدة السُّوريَّة المعاصرة، في الخلط بين الشِّعر، بمعناه «الفضفاض والمنحرف» والشِّعر بمعناه «المحدَّد والأصيل».

لايمكن الحديثُ، إذن، عن تيَّارٍ شعريٍّ وُلِدَ في سوريا من رحم الحرب الأخيرة. هناك بضع تجارب فرديَّةٍ كانت ستبزغ في جميع الأحوال، بالحرب أو من دونها، بحكم أصالة حساسيَّتها.

لا شكَّ في أنَّ الحرب تدخَّلت في المعجم الشِّعريِّ السُّوريِّ، مُدخِلةً مفرداتٍ لم يعرفها مِنْ قبلُ، ومُعيدةً تلوين مفردات سابقة. لكن لا يخدعنَّنا ذلك فنحسب أنَّها تدخَّلت إلى حدِّ صُنْعِ رامْبُوَاتٍ، وذَرْءِ هُولدرليناتٍ، جُدُد. الحساسيَّة الشِّعريَّة الأصيلة، كما قلنا، لا تنتظرُ حدثًا تاريخيًّا حتَّى تولَد، ولا جحيمًا برَّانيًا حتَّى تشتعل. إنَّها تولَدُ فحسب، بلا غاياتٍ ولا مقدِّماتٍ، ومعها يولَدُ جحيمُها الفسيولوجيُّ الخاصُّ، جحيمُها العضوانيُّ، المشتعلُ بمجرَّد ولادتها. كلُّ ما يمكن أن تفعله الحرب، حيالَ شعريَّةٍ ما، هو فتحُ آفاقٍ جديدةٍ للتَّجريب وشقُّ أعماقٍ مُغايرةٍ للُّغة، لكنَّ الشِّعريَّةَ، أيَّ شعريَّةٍ، لن تذهب في تلك الآفاق، ولن تخوض في تلك الأعماق، ما لم تكن في الأصل مهيَّأةً لذلك، أي مستوفيةً لكلِّ شروطها الفنِّيَّة والمعرفيَّة والجماليَّة.
لا يمكن الحديثُ، إذن، عن تيَّارٍ شعريٍّ وُلِدَ في سوريا من رحم الحرب الأخيرة. هناك بضع تجارب فرديَّةٍ كانت ستبزغ في جميع الأحوال، بالحرب أو من دونها، بحكم أصالة حساسيَّتها. وبالمقابل، هناك أصواتٌ باتت عديدَ الحصى والثَّرى، بعضها لم يخرج عن أُبُوَّاتٍ سابقةٍ، كأبوَّةِ الماغوط أو أدونيس، وبعضها الآخر لا يمثِّل أيَّ قيمةٍ شعريَّةٍ، لكن ضُخِّمَ بهالةِ الجوائز والتَّرجمة إلى لغاتٍ أخرى، لارتهانه بموقفٍ سياسيٍّ معيَّن. هكذا تشكَّلت صورةٌ زائفةٌ للقصيدة السُّوريَّة المعاصرة، صورةٌ غلب فيها السَّطحُ الأغوارَ، والقشرةُ الجوهرَ، فحلَّت الحربُ كمسألةٍ سياسيَّةٍ محلَّ الحرب كمسألةٍ وجوديَّةٍ، ولم يعد النَّصُّ أكثر من ريبورتاجٍ إعلاميٍّ يتوسَّل التَّفاصيل الصَّغيرة بدلا من توسُّل الاستفهامات الكبرى. لم يعد النَّصُّ يحتمل عناءَ صُنعِ ضوئه الخاصِّ، بل صار يستسهلُ المشي بضع خطواتٍ للوقوف تحت ضوءٍ جاهزٍ سلفا، الضَّوءِ المسلَّطِ مقدَّمًا على المأساة السُّوريَّة.
من جهةٍ أخرى، عمَّق زيفَ هذه الصُّورة غيابُ النَّقد الحقيقيِّ أو ارتهانُه، هو الآخر، بالموقف السِّياسيِّ. النَّقدُ نفسُه حوَّلته المأساة إلى خطابٍ، فأصبح، بوصفه خطابا، نقيضَ التَّحليل الشِّعريِّ. أصبح، منذ هذه اللَّحظة، آلةً إعلاميَّةً تسايرُ مُلتَوَى الأيديولوجيا، بدلًا من بقائه أداةَ سبرٍ فلسفيَّةً لا تسايرُ إلَّا طبقات النَّصِّ. والحالُ هذه، لعبَ الخطابُ النَّقديُّ، في الحالة السُّوريَّة، دورا كبيرا في تعويم وتضخيم الأسماء التي تتَّفق مع موقفه السِّياسيِّ، مهما تكن نصوصها من الرَّداءة، وفي تغييب وتحجيم الأسماء التي تعارض ذلك الموقف، مهما تكن نصوصها من البراعة. وطبعا، ليست دورُ النَّشر بريئة من مآثم هذه اللُّعبة. العزاءُ الوحيدُ للشُّعراء الحقيقيِّين، في هذه المُدَالَسَة الكبرى، أنَّ لتاريخ الأدب منخلًا لا يخطئ الغربلةَ والتَّصفيةَ واختيارَ اللُّباب.
كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية