حققت أسعار النفط والغاز حتى منتصف الشهر الحالي قفزة كبيرة مقارنة بما كانت عليه في الوقت نفسه من العام الماضي، وهو ما يفتح طاقة أمل للدول المصدرة مثل قطر والسعودية والعمالة الوافدة إليها، لكن ذلك سيؤدي في الوقت نفسه إلى آثار سلبية على الدول المستوردة للطاقة مثل الأردن والسودان والمغرب. وقد اقتربت أسعار النفط خلال الأسبوع الماضي من 70 دولارا للبرميل، واستقرت بشكل عام فوق 65 دولارا، مقابل 32.5 دولار للبرميل من خام برنت في منتصف ايار/مايو من العام الماضي. كذلك فإن أسعار الغاز المسال ارتفعت فوق 9 دولارات للمليون وحدة حرارية مقارنة بأقل من 3 دولارات في الوقت نفسه من العام الماضي. أما أسعار الغاز الطبيعي فقد بلغت في نهاية الأسبوع مستوى 3 دولارات للمرة الأولى تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي.
في العام الماضي هبطت أسعار النفط بأكثر من ثلث قيمتها، وتراجع الطلب العالمي مما أجبر دول أوبك وشركائها على تخفيض الإنتاج، فتسبب ذلك في حدوث عجز مالي في دول الخليج، حتى أن عائدات التصدير لدولة مثل السعودية كانت أقل من قيمة احتياجات سداد مرتبات الموظفين العاملين في الدولة. الصورة تبدو هذا العام مختلفة إلى حد كبير، حيث خففت أوبك قيود تخفيضات الإنتاج، بينما يتجه الطلب العالمي على النفط والغاز للارتفاع، بفضل اتساع نطاق حملات التطعيم ضد وباء كوفيد، وزيادة الإنفاق المالي على حزم التحفيز الاقتصادي، واتجاه معدلات النمو للارتفاع اعتبارا من بداية الربع الثاني من العام الحالي. هذه المؤشرات جميعا أدت أيضا إلى ارتفاع أسعار النفط الخام والغاز المسال عن مستوياتها الدنيا التي كانت قد سجلتها في الربع الأول من العام الماضي. فكيف ستنعكس هذه التطورات الإيحابية على ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي؟
ويقدر معهد التمويل الدولي أن ارتفاع أسعار النفط إلى متوسط يبلغ 60 دولارا للبرميل هذا العام من شأنه أن يساعد دول مجلس التعاون على تخفيض العجز المالي الذي تعاني منه، ليهبط إلى ما يعادل واحد في المئة فقط من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بما يعادل 9 في المئة في العام الماضي، وذلك بافتراض أنها ستواصل سياسة الإصلاح المالي، الذي يتضمن تخفيض الإنفاق العام، وزيادة الحصيلة الضريبية، وزيادة اسهام القطاعات غير النفطية في الاقتصاد. وبناء على تلك ألفروض يتوقع المعهد أيضا أن تحقق الحسابات الجارية لدول المجلس هذا العام فائضا يقدر بنحو 64 مليار دولار، مقابل عجز بقيمة 23 مليارا في العام الماضي.
التمويل بسندات دولية
خلال الربع الأول من العام الحالي لجأت دول مجلس التعاون إلى تمويل نسبة من احتياجات الإنفاق الحكومي وشبه الحكومي عن طريق إصدار سندات بلغت قيمتها حوالي 28 مليار دولار، منها 15 مليارا أصدرها صندوق الاستثمارات العامة السعودي. ومن المتوقع أن تستمر دول مجلس التعاون الخليجي، باستثناء قطر، في الاقتراض من أسواق المال العالمية حتى نهاية العام الحالي، على الرغم من تحسن أسعار النفط، وذلك لتلبية احتياجات التوسع في الاستثمار. لكن قيمة التمويل الخارجي هذا العام من المتوقع أن تقل بكثير عما كان عليه في العام الماضي، حين بلغت حوالي 111 مليار دولار، تم استخدامها في تمويل استثمارات في قطاع النفط والغاز في بلدان مثل السعودية أو في تمويل عجز الميزانية وتعزيز الاستثمار المحلي في قطاعات غير نفطية، مثلما كان الحال في البحرين وسلطنة عمان.
وكانت دول مجلس التعاون بشكل عام قد توسعت في اللجوء إلى أسواق المال العالمية منذ هبوط أسعار النفط في العام 2014. وعلى سبيل المثال فإن قطر زادت انكشافها على هذه الأسواق في الأعوام الثلاثة الأخيرة عبر إصدار سندات دولية بقيمة 34 مليار دولار، تضمنت 12 مليار دولار خلال عام 2018، ومثلها في العام 2019 بالإضافة إلى 10 مليارات دولار في العام الماضي. لكن قطر لا تعتزم الاقتراض من الخارج هذا العام. وطبقا لبيانات وزارة المالية فانها استطاعت تحقيق فائض صغير في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، بحوالي 55 مليون دولار، وتتوقع استمرار توازن الميزانية، مع سداد أعباء خدمة الديون القائمة، والتي تقدر هذا العام بحوالي 4.2 مليار دولار، في مواعيدها المستحقة بدون تأجيل.
أما في السعودية، فإن المركز الوطني لإدارة الدين العام أفاد بأن احتياجات الاقتراض لتغطية احتياجات الميزانية في العام الحالي ستصل إلى 141 مليار ريال، بما سيرفع قيمة الدين العام إلى 937 مليار ريال بنسبة 32.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتقدر مؤسسة غولدمان ساكس المالية أن الميزانية السعودية ستحتاج إلى تمويل خارجي بقيمة 10 مليارات دولار هذا العام. وتتبنى وزارة المالية سياسة تقوم على تقسيم أدوات تمويل الدين العام بين تمويل محلي بنسبة 65 في المئة وتمويل خارجي بنسبة 35 في المئة. وقد أصدرت السعودية فعلا سندات أوروبية في شباط/فبراير الماضي بقيمة 1.5 مليار يورو.
ارتفاع أسعار النفط
ومع تماسك أسعار النفط وارتفاعها بثبات وبمعدلات مستقرة خلال الربع الأول من العام الحالي، فقد نشأت حالة من التفاؤل القوي بأن الأسعار ستحافظ على قوتها على أمل أن ترتفع أكثر من الآن وحتى نهاية النصف الثاني من العام، مدفوعة بعوامل التعافي الاقتصادي، وزيادة الطلب الصناعي على الوقود، واستقرار معدلات الإنتاج العالمي من النفط والغاز. ومع ذلك فإن هناك عوامل معاكسة قد تكبح نمو الطلب وارتفاع الأسعار، منها انتشار جائحة كورونا بصورة خطيرة في الهند، مما قد يؤدي لانخفاض الطلب على النفط بنحو 630 ألف برميل يوميا، وزيادة تأثير الاعتبارات البيئية التي تحفز التحول من الوقود الاحفوري إلى الطاقة النظيفة. وعلى جانب العرض فإن عوامل زيادة الإنتاج في كندا، واحتمال إنهاء العقوبات على إيران، وزيادة فرص استقرار التسوية التي تم التوصل إليها في ليبيا، قد تؤدي في حال غياب التنسيق إلى زيادة المعروض، وابطاء الزيادة في الأسعار.
وتقدر أوبك ووكالة الطاقة الدولية ان الطلب على النفط سيزيد في العام الحالي بأكثر من 5 ملايين برميل يوميا مقارنة بالعام الماضي. ومن المتوقع أن يقابل ذلك زيادة في المعروض النفطي بواسطة دول أوبك وحلفائها بحوالي 3.8 مليون برميل يوميا، وهو ما يترك هامشا معقولا لزيادة إنتاج الدول الأخرى، خصوصا الولايات المتحدة وكندا. وتتوقع أوبك زيادة الإنتاج العالمي بنهاية العام الحالي إلى ما يقرب من 96.5 مليون برميل يوميا، وهي كمية ما تزال أقل مما كان عليه الإنتاج عام 2019 الذي كان أكثر من 99 مليونا.
أهمية التنسيق بين المصدرين
وعلى صعيد توقعات الأسعار فإن صندوق النقد الدولي إلى جانب وكالة الطاقة الدولية ومؤسسات مالية مستقلة مثل فيتش وجولدمان ساكس وستاندارد اند بوورز يتفقون على أن أسعار النفط الخام ستبلغ حوالي 66 دولارا للبرميل، وهو ما يتجاوز تقديرات معهد التمويل الدولي. ويقدر المعهد قيمة الأسعار التي تحقق التوازن في المالية الحكومية لدول مجلس التعاون الخليجي بما يتراوح بين 51 دولارا للبرميل أو المكافئ من الغاز في حالة قطر إلى 86 دولارا للبرميل في البحرين، التي تعاني من أسوأ أزمة مالية بين دول المجلس عموما، حيث ارتفعت قيمة الدين العام إلى ما يزيد عن 130 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، تكلف الميزانية فوائد سداد سنوية تستهلك نحو 25 في المئة من الناتج المحلي.
وإذا تحقق التقدير المتوقع لأسعار النفط، فإن هذا يعني تحقيق التوازن في الميزانية الحكومية السعودية، وتحقيق فائض يقترب من 30 في المئة في قطر، لكنه يقل عن السعر التوازني المطلوب لكل من سلطنة عمان والبحرين، وهو ما يفسر لجوء السلطات النقدية في مسقط والمنامة للاقتراض من أسواق المال العالمية هذا العام بحوالي ملياري دولار حتى الآن. أما بالنسبة للمؤسسات غير الحكومية فمن الواضح أن بعضها سيستمر في الاقتراض من الخارج خصوصا شركة أرامكو وشركات صندوق الاستثمارات العامة السعودي والمصارف الخليجية. وسيساعد ارتفاع عائدات النفط والغاز على تحقيق فائض في موازين المدفوعات، وتحسين أرقام احتياطي النقد الأجنبي، ووقف السحب من الصناديق الاستثمارية السيادية. ومع ذلك فإن استقرار العائدات عند مستويات مرتفعة يتطلب استمرار التعافي الاقتصادي في العالم، وزيادة مستوى التنسيق بين دول أوبك وغيرها من كبار منتجي النفط، وذلك لتجنب حدوث حرب أسعار بينها مثل تلك التي وقعت في العام الماضي وفي العام 2014 وتسببت في تعرض الدول المصدرة وعلى رأسها السعودية لخسائر فادحة، ما تزال تحاول تعويضها حتى الآن.