لندن- “القدس العربي”: قال المعلق في صحيفة “أوبزيرفر” نيك كوهين إن نادي مانشستر سيتي البريطاني يقدم لعبة كرة قدم جميلة لكنه يغطي على بشاعة ملاكه.
وقال: “لا يمكنك الكشف عن حقيقة جمال إنكلترا بدون أن تشير إلى الناس القبيحين في البلد الذين يهددونك، فمؤسسة التراث هي حارسة أجمل التراث، وهي تقوم بتوثيق كم من القصور في إنكلترا كانت مرتبطة بتجارة الرقيق ويطالب نواب حزب المحافظين بـ”لجنة وطنيين” على طريقة بوتين لتطهير النخبة البرجوازية من الحياة الثقافية”.
و”يقوم وزير الثقافة الذي يذكرنا بعالم أويل (الروائي)، أوليفر داودين بتغذية الوحوش في قاعدته وهو يقدم لهم محاضرات حول الجزء الواجب علينا تذكره من تاريخنا. وطلب من لجنة المتاحف وكإشارة عن ولائها دعم سياسات الحكومة”، وكل هذا لأن كل الباحثين يتحدون الحزب الحاكم من خلال وصفهم الدقيق للتاريخ البريطاني.
وأضاف أن نادي مانشستر سيتي هو أجمل فريق كرة قدم في إنكلترا وربما في العالم، واستحق عن جدارة كأس الدوري الإنكليزي الممتاز، ولدى النادي أفضل المدربين من هدف أندرسون حتى فيل فودين، وهم لاعبون بمهارات سامية وشجاعة يحسدون عليها وضبط للنفس. ولكن عندما قام المراسلون الصحافيون بالتحقيق حول الكيفية التي بني فيها النادي بنجاح على المال الذي وُجه إليه من مالكه الأمير منصور بن زايد ينهار كل شيء.
ولا يريد المشجعون سماع الرابط بين جمال اللعب في الملعب، ونائب رئيس الوزراء من الإمارات العربية المتحدة التي تمنع المعارضين السياسيين وتسجن الناقدين وتفرض سياسة مدعومة من الدولة لكراهية المرأة. ولا يريدون معرفة أن ثروة الإمارات لا تأتي فقط من النفط والسياحة والخدمات المالية، بل من نظام العمالة في دول الخليج الذي وإن لم يكن نظام عبودية، فهو قريب منه. وتصل نسبة الوافدين الأجانب من عدد السكان 88% ومن يترك عمله بدون إذن، يواجه عقابا بسبب الفرار. وبعبارات منظمة هيومان رايتس ووتش فهم “عرضة للعمالة القسرية”.
وتتحول الرياضة والثقافة إلى شكل يشبه “جميلات العصابات” أو النساء سيئات السمعة اللاتي يرافقن رجال العصابات، ويمكنك الإشادة بجمالهن لكن عليك الابتعاد عن المعاناة وراء المشهد. وبداية الحوار هي كيف يمكن لنادي مانشستر سيتي الحصول على أكبر ميزانية رواتب في موسم واحد في التاريخ الإنكليزي (351 مليون جنيه استرليني في 2019/2020) وما يقدر بـ1.030 مليار يورو (890 مليون جنيه استرليني) استثمروا في عمليات التعويض لنقل اللاعبين. وأشار متخصص في لعبة كرة القدم للكاتب إلى لقاء النهائي في دوري أبطال أوروبا بين سيتي وباريس سان جيرمان الذي يملكه حكام قطر.
وقال إن المؤرخين عندما يدرسون التغطية التلفزيونية والإعلامية سيلاحظون كيف أن قلة من الصحافيين ناقشت الحقيقة الأساسية من أن الدول الديكتاتورية والغنية تستخدم الرياضة لتبييض صورتها. وأضاف: “أعرف لماذا يريد الناس غض نظرهم، فهل سيتوقف المشجعون عن دعم ناديهم مانشستر سيتي عندما يتبين أن المال الخليجي حولهم إلى نادٍ مهم؟ والصحافيون الذي يتحدثون عن التمويل لا يقولون هذا، بل يقومون بعملهم ويقدمون الحقيقة عن إنكلترا وفرنسا والأنظمة التي تستخدم القمع والجشع بنفس المستوى للسيطرة على أفضل الملاعب.
الدول الديكتاتورية والغنية تستخدم الرياضة لتبييض صورتها
كما أن تقرير مؤسسة التراث عن العلاقة بين الأملاك والعبودية والاستعمار لم يكن من الناحية البحثية منعشا. فكما في حالة المراسلين الرياضيين يكتفي الباحثون بتقديم الأدلة. لكن حزب المحافظين رد بنفس الطريقة التي يتصرف فيها المشجعون المتطرفون من نادي مانشستر سيتي عندما تتم مساءلة أسطورتهم. وما عليك إلّا النظر للطريقة النادرة التي ظهرت فيها الإمبراطورية لتعرف مدى كيف لم يؤد الحنين الإمبريالي لردة فعل.
فبدلا من الحنين، نعاني من فقدان الذاكرة الإمبريالية، وهي الرغبة بإخفاء بشاعة الماضي. فالتواريخ الدقيقة تعري حس الضحية الأسكتلندي والاعتقاد الإنكليزي بسحر ولياقة حضارتنا. وبحسب الأسطورة الوطنية، فالبيوت الريفية هي تعبير عن الحب الساحر ورجال الدولة المنعزلين وليست معالم بنيت على الظهور المكسورة للرجال والنساء المستبعدين.
وربما يقول مراقب إن العبيد هم الذين بنوا “البارثيون” وأن العشور التي اقتطعتها الكنيسة في العصور الوسطى من الفلاحين المعدمين هي التي بنت الكاتدرائيات على الطراز القوطي. وكما أن هناك جريمة وراء كل ثروة عظيمة، هناك ظلم وراء كل عمل جميل. وما عليك إلا أن تقبل به بدلا من أن تشعر بالمرارة.
ومن الأفضل أن تقبل بالأمر بدلا من التذمر والمرارة؛ لأنك لا تستطيع التمتع ببيت ريفي أو لعبة كرة قدم بحرفية عالية وتخرب متعة الجماهير. ولكن هل نستطيع تحمل معالم دنيوية وأثينا كلاسيكية ومسيحية قروسطية لأنها من حضارات مفقودة؟
لكن ماضي بريطانيا والكرة يعتبر مهماً؛ لأن العبودية وسلطة الدولة الثرية كانت مهمة وقوة شرسة محيطة بنا. ومن هنا يجب ألا يهز الصحافيون الذين يقدمون الحقائق أكتافهم ولكن عليهم التعبير عن الغضب. والمحافظون الذين يشجبون عمليات تصحيح الماضي، يظهرون الآن بأنهم يساريون مهمون وهم يطالبون بتطهير التواريخ الرسمية.
وأصبح مشجعو نادي مانشستر سيتي قوة غاضبة على منصات التواصل الإجتماعي مثلما يهتفون لناديهم. ويهتفون باسم ملاك ناديهم وباسم منصور. وفي المدن ربما كان هناك آلاف أو عشرات الآلاف من الناس الراغبين بالمشاركة بعبادة السلطة وما تتطلبه من تبييض دولة مستبدة لأنها تمول لعبة كرة رائعة.
وقال مراسل رياضي: “تعرضت لإهانة مسمومة مستمرة لم أرها في حياتي لأنني حققت في السيتي”. وقام المشجعون بوضع عنوان بيت المراسل على الإنترنت، وفي مرة رميت الحجارة على نافذة الصحافي. واتصلت جميعة المراسلين الصحافيين بنادي مانشستر سيتي بشأن تعرض أحد أعضاء ناديهم للتحرش، وكان النادي مؤدبا ومهتما في الرد، ولكنه بدا مثل المحافظين وكل الدول الديكتاتورية، سواء كانت من دول الخليج أو غيرها ممن تقوم بتغذية غضب المشجعين بنظريات المؤامرة حول “المحاولات المنظمة والواضحة” لتدمير سمعة النادي والتهديد باستئجار 50 من أهم المحامين في العالم لمقاضاة الصحافي لو حاول تحدي مانشستر سيتي.
وكما قال جون كيتس: “الجمال هو الحقيقة والحقيقة جمال” و”هو كل ما يجب معرفته على الأرض وكل ما يجب أن تعرفه”. وفي بريطانيا، عندما يتم الحديث عن الأسطورة الوطنية ومساءلة جمال اللعبة فالحقيقة هي الضحية الأولى في الحرب الثقافية.