صحيفة عبرية: إسرائيل.. بين بحث عن صورة نصر وتجنب المواجهة الشاملة

حجم الخط
0

ينعقد الكابينت السياسي – الأمني اليوم على خلفية التخوف المتعاظم من تصعيد متعدد الجبهات. فارتفاع حجم أحداث العنف في الضفة، وجملة الحوادث على حدود لبنان، ونار الصواريخ من سوريا، وإلى جانبها احتدام العنف في الساحة الداخلية، كلها تبعث قلقاً عميقاً في إسرائيل حين تتواصل بالتوازي مع المعركة في غزة.

سجلت هذه المعركة عدة ارتفاعات وهبوطات في نهاية الأسبوع. فقد واصل سلاح الجو قصف البنى التحتية لحماس وصيد مطلقي الصواريخ وخلايا مضادات الدروع، ولكنه انتقل منذ أمس أيضاً إلى هجوم ممنهج على بيوت كبار المسؤولين. وهذه خطوة سبق أن اتخذت في حملات سابقة أيضاً بهدف ممارسة الضغط على قيادة التنظيم كي تكشف وتضرب. حتى الآن نفذت عدة محاولات (فاشلة) لضرب قيادة التنظيم العسكرية والسياسية. وقد تتواصل هذه المطاردة حتى نهاية الحملة.

وجرت خطوة دراماتيكية أخرى، وهي الهجوم على شبكة الأنفاق التحت أرضية الدفاعية لحماس، التي تسمى “المترو”. وشاركت في العملية 150 طائرة قتالية أطلقت أكثر من 450 قذيفة، في هجوم منسق تواصل لأكثر من نصف ساعة. ومع أن الأنفاق تضررت بشدة، ولكن الفكرة العملياتية لم تنجح. فقد كانت النية أن يلتقط في الأنفاق مئات عديدة من نشطاء حماس وقتلهم، في خطوة كان يفترض بها كما أملت إسرائيل أن توفر صورة نصر تحسم المعركة.

يدور الحديث عن عملية جرى التخطيط لها عدة سنوات واجتازت قائدي سلاح الجو (امير ايشل وعميكام نوركين)، وثلاثة قادة في قيادة المنطقة الجنوبية (ايال زمير، هيرتسي هليفي واليعازار طوليدانو). وقبل ثلاث سنوات، نُفذ “نموذج” للعملية كان يفترض أن يتضمن تضليلاً للوعي. وكان التخطيط أن تصدق حماس بأن الجيش الإسرائيلي يوشك على اجتياح بري إلى القطاع مما يهرب رجالها إلى الأنفاق، حيث سيلقون هتفهم.

عرضت هذه العملية على الكابينت عدة مرات في الماضي، بل وجرى التفكير بتفعيلها في تشرين الثاني 2018 بعد عملية فاشلة للوحدة الخاصة في خانيونس، التي قتل فيها المقدم “م”، وأدت إلى تصعيد قصير في الجنوب. والإذن الذي لم يصدر لها في حينه أدى إلى استقالة افيغدور ليبرمان من منصبه كوزير للدفاع، وصدر الآن فخرجت العملية إلى حيز التنفيذ تحت اسم “جنوب أزرق”. غير أن حماس لم تشتر الخدعة الإسرائيلية؛ صحيح أن الدبابات “هجمت” باتجاه سياج القطاع وأطلق الناطق العسكري تلميحات إلى وسائل الإعلام الدولية يفهم منها بدء الاجتياح البري لغزة، ولكن قلة من رجال حماس نزلوا إلى الأنفاق، وليس واضحاً كم منهم قتل فيها إذا ما قتلوا أساساً.

حاول الجيش الإسرائيلي عرض العملية كنجاح، دون أن يكشف الجزء المركزي في الخطة – الذي فشل. وكما أسلفنا، فإن ضرب الأنفاق لم يكن الأمر الأساس، وإن كان فيه أيضاً إنجاز لا بأس به؛ فقد حرمت حماس من قدرة استُثمر فيها مال وجهد طائلان، وبدونها سيصعب عليها الاختباء والتحرك بأمان في غزة.

أما الخدعة، فلم تعط الثمار المخطط لها بل وتسببت بانتقاد شديد على إسرائيل من جانب وسائل إعلام مركزية في العالم، والتي احتجت على أن الناطق العسكري كذب عليهم واستخدمهم عن قصد. وتعاظم هذا النقد بعد الهجوم الذي قصف فيه برج الجلاء، حيث تقع مكاتب وكالة الأنباء “أسوشيتدت برس” وهيئات بث أخرى. ومع أن المبنى يضم بنى تحتية لحماس أملت في التمتع بالحصانة على خلفية قربها من وسائل إعلام، ولكن مشكوك أن تكون إسرائيل قدرت على نحو سليم النقد المرتقب قبل القرار لضربه.

لقد أدى احتدام القتال في نهاية الأسبوع، كما كان متوقعاً، إلى تسارع الجهود الدولية لتحقيق وقف للنار. ومصر هي المحرك الأساس خلف الاتصالات، وقد نقلت إلى إسرائيل التزاماً من عموم المنظمات في القطاع بوقف كل الأعمال بشكل فوري. أما إسرائيل فرفضت كل العروض بما فيها عروض وقف نار إنساني لعدة ساعات. “القتال يتواصل في هذه اللحظة دون تغيير”، أوضح أمس مصدر كبير، قدر بأن الضغوط ستزداد على خلفية بحث مرتقب في مجلس الأمن والأمم المتحدة ونقد متزايد في وسائل الإعلام الدولية أيضاً.

ولكن إلى جانب القول العلني القاطع بأن الحملة مستمرة، تتعاظم المعضلة في غرف المداولات لدى الجانب الإسرائيلي. في غزة وإن كان الجيش الإسرائيلي يراكم الذخائر، ولكنه يزيد احتمال الخطأ وإصابة عدد كبير من الأبرياء. ويبقى في الجبهة الداخلية أيضاً دفاع قوي، وان كان ليس مطلقاً؛ فحماس تجد صعوبة في توجيه رشقات نحو مركز البلاد بحجم واسع، لكنها نجحت أمس أيضاً في جباية ثمن دموي.

إن القلق الأساس هو من تأثير الجبهة الجنوبية على الجبهات الأخرى. ففي الضفة سجل في نهاية الأسبوع عدد من منزلتين من القتلى في عدد كبير من المواجهات العنيفة ومحاولات العمليات. ومع أن الجيش الإسرائيلي نقل رسائل تهدئة للسلطة الفلسطينية بل ونشر عدة بلاغات للجمهور، فهذا ليس كافياً، لأن خليطاً من موعد انتهاء رمضان، ويوم النكبة، والقتال في غزة، أثار الخواطر في الضفة لدرجة الخوف من انفجار واسع يلزم بتوجيه أساس الاهتمام العسكري إليه.

وفي الحدود الشمالية أيضاً سجلت عدة أحداث، فإلى جانب إطلاق الصواريخ من لبنان (ليل الخميس) ومن سوريا (ليل الجمعة) كان على الجدار الحدودي مع لبنان عدة أحداث عنف، وقتل في إحداها لبناني مقرب من حزب الله بعد أن تسلل إلى الأراضي الإسرائيلية في منطقة جدول عيون، وفي حادثة أخرى أطلق الجيش الإسرائيلي النار على بضعة أشخاص تسللوا إلى الأراضي الإسرائيلية قرب المطلة وبدأوا يركضون نحو منازل القرية الزراعية.

ثمة تقدير بأن “حزب الله” لا يقف خلف هذه الأعمال (في الحادثة الثانية زرعت عبوات معدة محلياً قرب الجدار)، وحتى الآن لم يقم بأي محاولة لاستغلالها لأهدافه. إن التحدي الأساس لقيادة المنطقة الشمالية هو تبريد الحدود ومنعها من أن تصبح ساحة نشطة أخرى، وذلك للسماح للجيش الإسرائيلي بالتركز على الجبهات الأخرى. رسائل بهذه الروح نقلت أمس إلى الجانب اللبناني من خلال القوات الدولية وغيرها من الجهات، ولكن رفع إلى جانبها مستوى التأهب في الجبهة وضخت إليها قوات ووسائل إضافية.

إن جملة هذه الأحداث – وإلى جانبها التصعيد المقلق في الساحة الداخلية، الذي ألزم جهاز الأمن العام “الشاباك” بالانضمام إلى جهود الإحباط والقبض على الجهات المشاركة في العنف، ستتطلب من إسرائيل الحسم في أقرب وقت ممكن. فهل ستواصل المعركة في غزة، في ظل المخاطرة بالتصعيد في جبهات أخرى أيضاً، أم توقف النار في الجنوب على أمل أن يؤثر الهدوء على الضفة والحدود الشمالية أيضاً.

تسعى حماس الآن إلى الصمود أساساً، وسيعرض التنظيم على أي حال المعركة الحالية كانتصار، ولهذا يحرص على إخفاء حجم الإصابات الهائل لرجاله وبناه التحتية. من ناحيته، فإن عدم انهياره بل وجر جبهات أخرى للتصعيد هو بمثابة إنجاز مهم سيصعب على إسرائيل توازنه. وعليه، يخيل أنه سيتعين على إسرائيل الآن أن تنشغل بقدر أقل في البحث عن صور النصر وبقدر أكبر على منع اشتعال شامل. وستحاول جباية أثمان أخرى من حماس بل وربما تصفية بعض من مسؤوليها، على أمل تعميق الردع حيال غزة في اليوم التالي.

بقلم: يوآف ليمور

إسرائيل اليوم 16/5/2021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية