إسطنبول- “القدس العربي”: قبل خمسة أيام، وفي بداية التصعيد العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، أطلقت طائرة حربية إسرائيلية صاروخاً على سيارة مدنية في شارع المغربي وسط مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد 6 فلسطينيين كان من بينهم سائق السيارة الأجرة المستهدفة مصطفى مازن كردية (32 عاماً) ومنصور يوسف الدريملي (66 عاماً) الذي كان يجلس أمام باب منزله.
الصدفة التي جمعت استشهاد سائق سيارة الأجرة المارة بالطريق مع أحد سكان الحي بنفس الصاروخ هي نفسها تلك الصدفة الصعبة التي قدرت أن يكون شقيق الشهيد كردية وابن الشهيد الدريملي يعيشان في مدينة إسطنبول التركية ويتلقيا الخبر المفجع في بلاد الغربة وهو ما ضاعف من وقع الخبر عليهما.
هذا المشهد المؤلم، يلخص حال عشرات آلاف الفلسطينيين الغزيين الذين يعيشون في تركيا ويتابعون بألم وحرقة وشعور بالعجز تطورات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والذي خلف حتى مساء الاثنين أكثر من 200 شهيد ومئات الجرحى، وهو ما يخشى مغتربو القطاع في تركيا بأي لحظة أن يكون أحدهم قريب أو صديق أو عزيز.
عدي منصور الدريملي (28 عاماً) من غزة ويقطن إسطنبول، يروي لـ”القدس العربي” ما حصل معه بالقول: “كنت أتابع على مدار اللحظة التطورات في غزة عبر الفضائيات، وكنت اشترك في العديد من المجموعات الإخبارية على منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات التواصل التابعة للعائلة”، مضيفاً: “حصل قصف في منطقة سكني وبدأت متابعته باهتمام وسمعت عن استشهاد وإصابة بعض سكان الحي قبل أن يبلغني أحد أصدقائي أن والدي هو أحد هؤلاء الشهداء”، ويلفت عدي إلى أنه موجود في تركيا فقط منذ شهر ونصف وسعى عقب تلقيه الخبر بالعودة إلى القطاع للمشاركة في جنازة والده والوقوف إلى جانب عائلته التي حثته على عدم القيام بذلك بسبب صعوبة الطريق وخطورة الأوضاع في قطاع غزة.
في نفس اللحظة، كان أحمد كردية (27 عاماً) قد ذهب لتوه للنوم قليلاً بعدما أرهقه يوم طويل جداً من متابعة أخبار القصف والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قبل أن يصله اتصال هاتفي ليجد هاتفه قد وصلته العديد من رسائل التعزية ويفجع بخبر استشهاد شقيقه مصطفى كردية، وما زال يعيش ألم الفراق ولوعة الوداع من غربته بمدينة إسطنبول دون أن يجد كثيراً من المواسين، ولنفس الأسباب التي منعت الدريملي لم يتمكن كردية من المشاركة في تشييع شقيقه.
وتقضي آلاف من العائلات الفلسطينية والشبان الغزيين المغتربين في تركيا جل وقتهم أمام شاشات التلفاز لمتابعة التطورات المتسارعة في قطاع غزة على مدار الساعة وسط مشاعر مختلطة من الشعور بالقلق والخوف والعجز عن القدرة على تقديم الدعم والمساندة لعائلاتهم وأحبابهم في القطاع الذي يتعرض لحرب إسرائيلية طاحنة.
ولا توجد إحصائية رسمية دقيقة تبين عدد الفلسطينيين المقيمين في تركيا، لكن بيانات لدائرة الهجرة لعام 2020 تشير إلى وجود قرابة 21 ألف فلسطيني يقيمون بموجب بطاقة الإقامة المؤقتة في البلاد، لكن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير إذا أضيف إليه المقيمين بموجب الإقامة طويلة الأمد وإقامة العمل، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الفلسطينيين الذين يقيمون منذ سنوات طويلة وحصلوا مع عائلاتهم على الجنسية التركية، يضاف إليهم أيضاً آلاف من فلسطينيي سوريا الذي يقطنون بموجب بطاقة الحماية المؤقتة الممنوحة للاجئين الذين قدموا من سوريا بشكل عام.
ويقول عدد كبير من الغزيين الذي يعيشون في تركيا في أحاديث منفصلة لـ”القدس العربي” إنهم يعيشون أصعب أوقات حياتهم ويعانون من حالة صعبة جداً من القلق والخوف والارتباك، حيض يضطرون لمتابعة الاخبار عبر الفضائيات التي تنقل البث المباشر من غزة على مدار الساعة ولا يعرفون طريقة للنوم ويحاولون معرفة المكان الدقيق لسقوط كل صاروخ واسم كل شهيد وجريح للتأكد من أن عائلاتهم وأصدقائهم وأحبابهم ما زالوا بخير.
ووصل الأمر بالكثير من المغتربين الغزيين في تركيا لا سيما الجدد منهم حد التأكيد بأنهم يعيشون ظروف أصعب من تلك التي عايشوها خلال تواجدهم في قطاع غزة أثناء الحروب السابقة التي شنتها إسرائيل على القطاع، معتبرين أن معايشة الحرب بين الأهل ومعايشة نفس مشاعرهم ومصريهم كان أسهل وأهون من شعور العجز الذي ينتابهم وهم يتابعون الأحداث من بعيد ولا يستطيعون تقديم الدعم والمساندة الكافية إلى عائلاتهم.
يقول شرف أبو حشيش، شاب من غزة يقيم في إسطنبول: “بكل تأكيد معايشة الحرب بين الأهل في غزة أهون وأسهل من متابعتها من الغربة، شعور العجز ونقص المعلومات والخشية من تلقي خبر مفجع أمر صعب جداً، عايشت حروب سابقة في غزة، عندما يكون المصير واحد تكون الأمور أسهل بكثير”.
ويشتكي الكثير من هؤلاء المغتربون من أنهم يواجهون صعوبات كبيرة في التواصل الدائم مع عائلاتهم والاطمئنان عليهم بسبب الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي في القطاع وما يرافقه من انقطاع للإنترنت إلى جانب التدمير الكبير الذي تعرضت له شبكات الكهرباء والانترنت والاتصالات في الغارات المتواصلة، إلى جانب ضعف القدرة المالية على إجراء الاتصالات الدولية، وهو ما يزيد من خوفهم وقلقهم الذي يستمر بالتزايد إلى حين تأمين اتصال يؤكد لهم أن عائلاتهم ما زالت بخير.
وفي مقابل عجزهم عن تقديم المساعدة المباشرة لعائلاتهم لبعد المسافة، لجأ كثيرون من المغتربون في تركيا إلى سلاح الإعلام للتغلب على شعور العجز وتقديم مساهمة مهمة في فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي سواء على صعيد المؤسسات الإعلامية الرسمية أو النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبجهود شخصية.
ويشكل الصحافيون الفلسطينيون نسبة مهمة من بين الصحافيين العرب العاملون في مؤسسات إعلامية عربية وتركية وأجنبية عاملة من تركيا، حيث سخر هؤلاء الصحافيون الفلسطينيون كافة جهودهم طوال الأيام الماضية من أجل تقديم تغطية إعلامية كبيرة كل عبر الوسيلة الإعلامية التي يعمل بها، وقال بعضهم إنهم يعملون منذ بداية العدوان الإسرائيلي على مدار الساعة ودون كلل أو ملل من أجل إيصال صورة العدوان الإسرائيلي إلى العالم.
الصحفي الفلسطيني مجد أبو ريا يعمل في التلفزيون الرسمي التركي الناطق بالعربية (TRT عربي) يقول لـ”القدس العربي”: “نشعر بعجز تام، نحاول تقديم شيء من موقعنا، منذ بداية العدوان قبل أكثر من أسبوع وأنا أعمل على مدار الوقت، أسعى بكل ما أوتيت من قوة أن أقدم مواد صحفية بطريقة جديدة تستطيع كشف حقيقية الاحتلال وجرائمه لعلها تساعد في تحريك طرف ما لتقديم الدعم أو تحرك الشعوب للضغط على حكوماتها لتضغط بدورها لوقف العدوان على غزة، هذا ما أستطيع فعله فقط، العجز شعور صعب جداً”.
وعلى صعيد آخر، لجأ الكثير من الناشطون للظهور عبر عدد كبير من الفضائيات العربية الناشطة من تركيا لتقديم شروحات عن طبيعة الوضع الإنساني في قطاع غزة، فيما ساهم آخرون بالظهور عبر وسائل إعلام تركية وأجنبية وقدموا شروحاً مطولة عن القضية الفلسطينية ومخططات إسرائيل في تهويد القدس وطبيعة الوضع الإنساني والمعيشي في قطاع غزة.
وعلى صعيد أوسع، شارك الآلاف في الحملات الإلكترونية الضخمة التي يقودها نشطاء فلسطينيون على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل فضح الجرائم الإسرائيلية وايصال الرواية الفلسطينية إلى العالم وبرز ذلك لأول مرة وبشكل واضح من خلال جيل جديد من الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون في تركيا والذين قدموا شروحاً بطرق مختلفة عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة باللغة التركية ولأول مرة تمكنوا من إيجاد محتوى يحمل الرواية الفلسطينية بشكل كامل ويستطيع الوصول إلى شريحة واسعة جداً من الشعب التركي.
معاذ العامودي باحث وكاتب فلسطيني يقيم في إسطنبول وعائلته تقطن مدينة غزة، يقول لـ”القدس العربي”: “نشعر بالعجز نتيجة عدم القدرة على أن نكون بالقرب من أهالينا، أبي وأمي وإخواني كلهم في خطر كباقي أهالي غزة، ما تمكنا فعله هو محاولة فضح جرائم الاحتلال حيث عملت على التواصل مع الكثير من الأصدقاء حول العالم وخرجنا عبر تقنية البث المباشر على انستغرام عبر مجموعات من مؤثرين من العالم وشاركنا في حقيقة نقل صورة المعاناة في غزة، نقلنا الصورة الإنسانية، هذا جهد بسيط من شخص في الغربة لكنه كان مهماً جداً لمواجهة آلية الدعاية الإسرائيلية”.