في بداية يومها التاسع تقف المعركة بين إسرائيل وحماس عميقاً في مرحلة المراوحة في المكان. رسمياً يصفون لنا الصورة التالية: الجيش الإسرائيلي مستعد لمواصلة الهجوم القادم بقدر ما يحتاج الأمر، ولديه قائمة طويلة من الأهداف التي ينوي تفجيرها في قطاع غزة، وحماس تستنجد لوقف إطلاق النار، وإسرائيل ترفض مناقشة ذلك لأن لديها الكثير مما ستفعله.
عملياً، الظروف مختلفة كلياً، دائماً هناك أهداف أخرى لمهاجمتها، لكن الجيش يشخص أننا قد وصلنا إلى مرحلة الإنتاج الحدّي المتناقص الذي لا يساعد فيه إنجاز آخر تكتيكي ومتراكم بالضرورة على تغيير نتائج المعركة. إسرائيل ستكون سعيدة بإنهاء القتال، لأن العمليات العسكرية حققت معظم ما أرادت تحقيقه، وهي غير معنية بالدخول البري إلى أراضي القطاع. والمجهول الأساسي هو حماس، لأنه من غير الواضح تماماً إذا كان قادتها الذين يخشون محاولات اغتيالهم من قبل إسرائيل، قد بلوروا موقفاً موحداً حول مسألة إطلاق النار.
بدأت حماس أيضاً تطرح مطالب حول تغيير الترتيبات المتبعة في الحرم، التي لا يمكن لإسرائيل الاستجابة لها. وهذا قد يعقد المفاوضات التي تجري بوساطة مصر والولايات المتحدة. وثمة صعوبة أخرى تتعلق بالجهاد الإسلامي: إسرائيل اغتالت أمس قائد اللواء الشمالي في الجهاد، الأمر الذي سيحث الجهاد على اتباع أجندة منفصلة فيما يتعلق بوقف إطلاق النار.
سجل الجيش الإسرائيلي عدة نجاحات ضد حماس. الاختراق البارز أكثر هو انتزاع الثقة بالنفس التي راكمتها حماس، بدءاً من القيادة وحتى النشطاء العاديين في المجال التحت أرضي الذي تم حفره تحت المباني وشوارع القطاع. المعلومات الدقيقة والقدرة التي راكمها سلاح الجو لحفر ثغرات عميقة تحت الأرض تقوض إحساس حماس بأن الأنفاق لم تعد مكاناً آمناً.
يبدو أن نشطاء حماس في عدد من الحالات خافوا مؤخراً من تلبية أمر الدخول إلى الأنفاق. وثمة إنجازات أخرى تم تسجيلها في إصابة متزايدة لخلايا تطلق الصواريخ والقذائف المضادة للدبابات ومواقع إنتاج السلاح والأعضاء الكبار في حماس والجهاد الإسلامي. إن أسبوعاً من القتال في هذه المرة يساوي سبعة أسابيع من عملية “الجرف الصامد” في 2014.
ولكن كل ذلك لا يغير الصورة الأساسية. إسرائيل خرجت (أو انجرت خلف حماس) إلى معركة هدفها هو الردع وليس الحسم. والأمل في أن عدة هجمات مفاجئة أخرى وعدة اغتيالات مؤلمة أخرى ستحسن بشكل جوهري ميزان الردع وتُطيل الفترة التي تريدها غزة لنفسها إلى حين المعركة القادمة، لا تلغي الاخطار التي تكتنف استمرار القتال.
كان للجيش الإسرائيلي الكثير من الحظ، إذ لم يتم تسجيل أي خسائر كبيرة بسبب قصف الجبهة الداخلية، رغم أن حماس تطلق صليات ثقيلة ومركزة أكثر مما كان في السابق. وفي الوقت نفسه، تم إحباط معظم هجمات حماس. الجدار الذي بني على طول القطاع منع تسلل الخلايا عبر الأنفاق (الخلايا التي حاولت فعل ذلك أصيبت في الأنفاق في بداية القتال، ونحو 20 من أعضائها الذين هم نشطاء في قوة “النخبة”، قتلوا) كما تم إحباط الهجمات بواسطة طائرات مسيرة وغواصات مسيرة.
ولكن عاجلاً أم آجلاً سيتشوش أمر ما، إما أن تسجل حماس إنجازاً هجومياً مفاجئاً يهز معنويات إسرائيل، أو يتم اختطاف جندي أو يرتكب الجيش خطأ يؤدي إلى قتل جماعي في أوساط المدنيين الفلسطينيين ويثير الانتقاد الدولي. مع ذلك، إن عدد المدنيين الذين قتلوا في الهجمات يرتفع بشكل حاد. في بداية القصف كانت النسبة بين النشطاء القتلى والمدنيين القتلى أربعة نشطاء مقابل مدني واحد. أما الآن، حسب معطيات وزارة الصحة الفلسطينية التي نشر قوائم القتلى من النساء والأولاد، فإن النسبة تقترب من 1: 1.
هذه نتيجة متوقعة لمحاربة تنظيمات إرهابية تعمل داخل التجمعات السكانية. يتوقع أن تميل نسبة الخسائر أكثر تجاه المدنيين كلما استمر القتال. هذه المعطيات تثير عدم الرضى في عدد من الدول الأوروبية ووسائل الإعلام وفي الإدارة الأمريكية والكونغرس. بالصورة التي كانت متوقعة جداً تتسع معارضة العملية في أوساط أعضاء الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي.
قد يترجم الانتقاد في القريب إلى طلب متزايد من إسرائيل لوقف إطلاق النار. هنا تلعب دور العملية التي حصلت على اهتمام قليل في الساحة البيتية. السبت الماضي، قصف سلاح الجو البرج الخامس للمكاتب في غزة منذ بداية القتال بعد أن أمر المدنيين بإخلائه بشكل سريع. ومثلما في الهجمات السابقة التي يسميها الجيش “أهداف القوة”، تم تبرير هذه العملية بذريعة أن في المبنى مكاتب استخدمتها حماس. ولكن المشكلة لم تكن مع الشرير بل مع جيرانه: في الهجوم تم تدمير مكاتب وكالة “اسوشييتد بريس” وقناة “الجزيرة” ووسائل إعلامية أخرى أيضاً.
هذه العمليات تقلص الائتمان الدولي لإسرائيل الذي تراكمت فيه الدماء، لا سيما في قصف حماس المتكرر لتل أبيب والمنطقة الوسطى. المس المتعمد بوسائل الإعلام يثير الإجماع العام بصعوبة في إسرائيل. وفي الغرب، هذا يضاف إلى ادعاءات وسائل الإعلام الأجنبية (التي ينفيها الجيش الإسرائيلي) بأن الجيش الإسرائيلي خدعها بشكل متعمد عشية قصف الأنفاق الكبيرة في 13 أيار.
إدارة بايدن طلبت توضيحات من إسرائيل عدة مرات، وأعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، بأن المعلومات التي عرضت عليه في المحادثات مع الإسرائيليين لم تقنعه بعد بأنه في المبنى منشآت لحماس تبرر القصف. وفي قنوات غير رسمية، يبدو أن الولايات المتحدة تحث إسرائيل على الإنهاء إزاء عدد المصابين المتزايد. سيصبح هذا الطلب في وقت ما علنياً.
الضفة تستيقظ
ينعكس القتال في القطاع أيضاً على الوضع في الساحات الأخرى. سُجل مؤخراً هدوء نسبي في التوتر في القدس وداخل حدود الخط الأخضر. والضفة في المقابل تقلق كبار الضباط في جهاز الأمن. الجمعة الماضي، أجريت عدة مظاهرات صاخبة لإحياء ذكرى النكبة وأكثر من عشرة فلسطينيين قتلوا، وقتل اثنان منهم أثناء محاولة المس بجنود. كما جرت محاولات تنفيذ عمليات دهس وطعن خلال العيد.
التصعيد في غزة يشعل الضفة ويؤدي إلى ارتفاع عدد محاولات تنفيذ عمليات من قبل مخربين أفراد. هناك تخوف أيضاً من تشكيل خلايا محلية ستحاول تنفيذ عمليات إطلاق نار في الشوارع أو اقتحام مستوطنات لتنفيذ حملات قتل. تقلق إسرائيل من انخفاض مستوى التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومن قوة تضامن سكان الضفة مع نضال حماس.
للجيش الإسرائيلي في الضفة 24 كتيبة، أي ضعف ما يكون لديه في الأيام العادية. جرى نقل كتائب احتياط وكتائب نظامية إلى الضفة بدل فصائل حرس الحدود التي نقلت إلى حدود الخط الأخضر. ربما يرتبط عدد القتلى المرتفع بإدخال قوات أقل تدريب إلى الضفة، بالتحديد في وقت التسخين الأمني.
صعوبة أخرى تتعلق بالتنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية. فرئيس السلطة، محمود عباس، تحت ضغط كبير إزاء التعاطف المتزايد مع حماس في الضفة. إذا حدثت موجة عمليات في الضفة فقد تفضل أجهزة الأمن الخاضعة له الوقوف في الجهة الأخرى ولن تتدخل. السلطة نقلت لإسرائيل رسائل تقول بأنها، بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار في القطاع، معنية ببادرات حسن نية تجاهها في القدس، لا سيما الترتيبات حول الحرم، بهدف تحسين مكانتها هناك، وبالتالي تحسين وضعها في أوساط الجمهور الفلسطيني. هذا الطلب جزء من المنافسة الداخلية مع حماس.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 18/5/2021