صحيفة عبرية: إلى طهران وغزة.. “جند محمد” لن يعود

حجم الخط
1

فضلاً عن ضائقة الحرب بإنجازاتها وآلامها في سماء غزة وفي شوارع اللد وطرق الجليل والنقب، يمكن الآن تقدير معناها المتحقق في سياق أوسع. مع أنها فرضت على إسرائيل وكان من الأفضل ألا تنشب، وما إن نشبت كان من المتوقع لإسرائيل الاستفادة منها. في السنوات الأخيرة، طرحت حماس استفزازات شديدة مع علمها بأن إسرائيل تركز على الصراع في الساحة الشمالية مع إيران ومع فروعها في سوريا ولبنان. تجندت إسرائيل بل وطورت أوهاماً عن تسويات بعيدة المدى، على افتراض أن يحيى السنوار يريد التركيز على تحسين شروط حياة الغزيين.

غير أن جوهر حماس العميق يملي مواجهة محتمة. الثقافة الغزية للإخوان المسلمين يكاد لا يكون مضموناً لبناء مجتمع وأمة؛ فالكفاح لاقتلاع اليهود من الجذور هو طعم الحياة. المجتمع الغزي لا يعرض على أبنائه مستقبلاً أفضل بمفاهيم جودة الحياة – بل الرضا المريض لقتل اليهود وتخريب دولتهم، بسبب صيغة قبلية ومريضة “للشرف”.

ليس لغزة “حل”: لا يعتبرون تحسين شروط الحياة بديلاً عن الكفاح العنيف، والاحتلال والسيطرة الإسرائيلية اللذان يسهلان خصي التهديد العنيف ليسا مرغوباً فيهما. وما يتبقى هو رقابة الأضرار: مس شديد متكرر بالقدرة العسكرية وجباية ثمن عال ورادع على العدوان. وفي أعقابه، مرغوب فيه تبني سياسة منع عنيف ومتواصل لتعاظم القوى. كانت المواجهة الحالية ستأتي على أي حال؛ فقد حاولت إسرائيل تأجيلها، إلى أن اندلعت.

وحسناً أنها جاءت الآن. فقد كان التخوف أن تفتح حماس ساحة أخرى في وقت حرب محتملة مع إيران وفروعها. في مخطط مثل هذه الحرب، تكون معظم مقدرات إسرائيل مجندة لمواجهة التهديد الأساس. في مثل هذه الظروف تتبقى لدى حماس أدوات كثيرة ودوافع عالية لخوض الجولة التالية حسب اختيارها. وعند اندلاع المواجهة الآن، توفرت لإسرائيل فرصة توجيه ضربة ضد حماس، وتصفي جزءاً من قياداتها ومن مراكز معلوماتها، وتمس بقدراتها العسكرية وتلحق بمؤيديها أضراراً جسيمة. وعندما ترغب للانضمام إلى حرب بين إسرائيل وأعدائها في الشمال، ستكون مساهمتها هامشية، ومعاناتها عصية على الاحتمال.

الفراغ الذي خلفه أبو مازن

خرجت حماس إلى المعركة كي تفرض نفسها على الجمهور الفلسطيني في الضفة وداخل إسرائيل، بعد أن ألغى أبو مازن الانتخابات التي كان يفترض أن توفر لها ذلك في صناديق الاقتراع. أما إنجازها المؤقت والمحدود ففي إثارة الضفة وفي أوساط عرب إسرائيل تحت علمها، ولكن هزيمتها في غزة ستبرد حماستهم. سيضطر زعماء الضفة إلى لجمهم خوفاً من حكمهم وتدهور شروط المعيشة إلى المستوى الغزي. أما العرب مواطنو إسرائيل فسرعان ما ستتبين لهم كلفة التماثل النشط مع حماس. فالعربدة العنيفة الإجرامية الواسعة في أوساطهم مؤسفة وضارة. كان أفضل لو لم تتم أو أنها انحصرت بقلة شاذة في الأطراف القصوى للمعسكر، لكن بعدما نشبت فينبغي أيضاً الاعتراف بآثارها الجانبية الإيجابية، مثلما حصل في الانتفاضة الثانية. ففي أعقاب آلام وأضرار حملة الإرهاب إياها، فهم التيار المركزي في المجتمع الإسرائيلي بأن الحركة الوطنية الفلسطينية ليست شريكاً مصداقاً لحل وسط تاريخ وتبنى الشك الزائد في موقفه من ترتيب العلاقات بين الشعبين على افتراض يبرر بأن كل تنازل إسرائيلي سيستغل لتقويض الدولة اليهودية. هذه المرة سيتعلم الجمهور اليهودي دروس العربدة العنيفة، ومظاهر العداء والفكرة التصفوية التي ترافقها في أوساط عشرات الآلاف من عرب إسرائيل، في عشرات المواقع في كل أرجاء إسرائيل. وتتركز خطورة الظاهرة في امتناع الأغلبية الساحقة عن لجم الجهات المعادية والعنيفة وخوفها من التنكر للرئاسة التي تبث لليهود. عشرات من المتحدثين باسمها، من النواب في الكنيست وحتى الصحافيين والمشاركين في أعمال الشغب، ممن تحدثوا إلى الجمهور اليهودي، كذبوا بوقاحة، وأطلقوا معاذير بائسة ولم يأخذوا المسؤولية، في خليط منثر على نحو خاص من العدوانية والبكائية. كثيرون منهم ما كانوا مستعدين للاكتفاء بالتطابق الكاذب والمشوه عن قصد الذي عرضه عليهم الصحافيون في شكل “المتطرفين في الجانبين”. لقد كان لمثل هذا القول مكان لو كان المجتمع العربي والناطقون بلسانه يثورون ضد الآلاف الكثيرة من المشاغبين والكارهين في أوساطهم، مثل التنكر المطلق للأغلبية الساحقة في الجمهور اليهودي، وتقريباً كل الناطقين بلسانه لحفنة الزعران من هوامش المجتمع ممن خرجوا للشغب ضد العرب في “باتيام” وطبريا وفي أماكن أخرى.

كفاح وطني من الداخل

من الخطأ التركيز على المشاغبين العرب الذين عربدوا في اللد والرملة وعكا، وهاجموا جيرانهم اليهود، وأحرقوا وسلبوا ونهبوا أملاكهم وعرضوا حياتهم للخطر. خطيرة بلا تقدير مئات الأحداث في كل أرجاء البلاد، بعضها جماعية، والتي دعا فيها شبان عرب متحمسون: “خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود”. وفي خطواتهم، فرضوا حصاراً على “عراد”، وهددوا اليهود في عشرات المواقع في الجليل والنقب، وحاولوا تنفيذ فتك بحق جندي من الجيش الإسرائيلي في يافا. هذه مظاهر فظة تتمثل بالانضمام إلى العدو في ساعة الحرب. هذا إرهاب بالمعنى الأصلي للمفهوم: فرض الخوف على عشرات آلاف اليهود، الخائفين على حياتهم وسلامتهم وأملاكهم.

تلقى الجمهور اليهودي تذكيراً عن الطبيعة العميقة للكفاح الوطني في بيته في الداخل. فمع أن معظم العرب يريدون أن يعلقوا بل وحتى أن يكبتوا هذا البعد، ويركزوا على الاندماج المدني ولكنهم ينتخبون زعماءهم السياسيين والاجتماعيين وفقاً لإخلاصها في نزع الشرعية عن الدولة اليهودية من أساسها وتماثلهم مع جملة أعدائها وكارهيها، فقد تبين بأن الجمهور العربي لا يحاول لجم عشرات الآلاف في أوساطه ممن يعبرون في كل أرجاء البلاد عن فكرة الصراع ضد اليهود والتي تضمن لجيرانهم استعادة المصير المأساوي للقبيلة اليهودية خيبر في القرن السابع وإحلاله على إسرائيل.

إلى أن يأتي جيش محمد كي يكمل المهمة، يريدون أن يساهموا بدورهم في الكفاح البطولي ضد اليهود ودولتهم. يفهم الجمهور الإسرائيلي أيضاً بأن التعايش يمكنه أن يبقى طالما كان المتطرفون العرب لا يشمون (بالخطأ) الضعف والهزل. جيد أن نعرف.

بقلم: دان شيفتن

 إسرائيل اليوم 18/5/2021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية