الجمعة الماضي تعرفنا للمرة الأولى على “مترو حماس”، وهو شبكة أنفاق متشعبة في شمال القطاع استخدمتها حماس لسهولة الحركة والاستعداد للقتال. وهي أنفاق قصفتها طائرات قتالية بمئات الأطنان من القنابل، مرات كثيرة منذ ذلك الحين.
عشية السبت الماضي، أرسل الجيش الإسرائيلي لجميع قنوات التلفاز قادة قواعد سلاح الجو التي شاركت في الهجوم. وقد تحدثوا عن خطة لامعة وتنفيذ محكم وإنجاز غير مسبوق من تدمير أنفاق المترو. وتحدثوا عن كيفية إرسال 160 طائرة دفعة واحدة من بضع قواعد، كانت تحمل 450 قنبلة ذكية ودقيقة، وزن كل منها طن من المواد المتفجرة، ويمكنها اختراق جوف الأرض والانفجار هناك. كبار الضباط وصفوا كيف دمرت هذه القنابل وأغلقت ثغرات الخروج للأنفاق، لذلك تسببت بموت كل من كانوا داخلها.
الأمر كما يبدو يتعلق بعملية عسكرية مشروعة، لكن علام كل هذا التفاخر؟ لم تكن هناك معركة بطولية مع عدو متساو في القوة ذي سلاح جو وبطاريات صواريخ مضادة للطائرات.. حماس لا تحصل كل سنة على 3.5 مليار دولار من أجل التسلح العسكري المتقدم جداً، ولا يمكنها فعل أي شيء ضد سلاح الجو خاصتنا. فعلى ماذا كل هذا التفاخر؟ من الذي هزمناه؟ وعلى أي جيش انتصرنا؟
هذا الأمر ذكرني بأسطورة الأخوين غريم. ذاك الخياط الشجاع الذي قتل بضربة واحدة سبع ذبابات. ومن كثرة الانفعال كتب على حزامه: “سبع بضربة واحدة”. ولكن الجميع اعتقدوا أن الأمر يتعلق ببطل كبير قتل سبعة أشخاص بضربة واحدة. في سفر الأمثال مكتوب: “لا تفرح بسقوط عدوك”، والقصد هو أنه يجب الحفاظ على الأخلاق عند سقوط العدو، لأنه مخلوق في نهاية المطاف، وموته ضرورة حربية وليس هدفاً بحد ذاته. كل هذا صحيح، خصوصاً إذا تذكرنا أن 174 مدنياً بريئاً، بينهم 47 طفلاً قتلوا في غزة حتى كتابة هذه السطور. وبالطبع، القلب يتفطر على القتلى الإسرائيليين العشرة الذين بينهم طفلان.
ومن غير الواضح حتى الآن أن حماس قد خسرت المعركة. صحيح أن متحدثين كثيرين في وسائل الإعلام، ومنهم جنرالات سابقون، يتحدثون بدون توقف عن الإنجازات الكبيرة: تدمير مخازن الصواريخ والورشات وقتل قادة كبار وقصف أبراج، لكنهم كانوا قد تحدثوا بمثل هذا بعد عملية “الجرف الصامد” في 2014، التي واصلت حماس بعدها إطلاق الصواريخ في كل مرة أرادت ذلك وتسلحت بـ 14 ألف صاروخ جديد، واستخدمت بعضها فقط في هذه المرة.
إضافة إلى ذلك، لم نتعرض منذ قيام الدولة لهذا العدد الكبير من الصواريخ في قلب إسرائيل، وهي خطوة شلت الحركة والاقتصاد في نصف الدولة. وأصبحت حماس أيضاً “حارس الأسوار” للقدس والأقصى. بل نجحت في إثارة المواطنين العرب. وإذا تم إجراء انتخابات الآن في الضفة الغربية، فستحقق حماس فوزاً كبيراً وستمحى السلطة الفلسطينية.
على أي حال، الرابح الأكبر من عملية “حارس الأسوار” هو بنيامين نتنياهو. قبل انتخابات نيسان 2019 قال: “نصحوني بالقيام بخطوة تشعل الشرق الأوسط من أجل الفوز، لكنني رفضت”. صحيح أنه رفض في حينه لأنه كان على ثقة بفوزه، لكن الآن حيث محاكمته في ذروتها، فكل شيء أصبح مسموحاً. لو أراد لكان أوقف أعمال الشغب التي يقوم بها اليهود المسيحانيون في الشيخ جراح ومنع دخول رجال الشرطة إلى الحرم، ومنع إطلاق قنابل الصوت داخل المسجد الأقصى؛ لأن هذا هو الذي دفع حماس إلى البدء بالإطلاق، ودفع عدداً من المواطنين العرب إلى الانتفاض. ومن هناك كانت المسافة قصيرة إلى تراجع نفتالي بينيت الذي أعلن عن التخلي عن يئير لبيد والعودة إلى نتنياهو.
في الختام، يبدو أن الأمر لا يتعلق هنا بعملية عسكرية مع اتفاق سياسي في نهايتها، بل بعملية سياسية لنتنياهو حقق فيها الآن هدفه، وهو تفجير حكومة التغيير والذهاب إلى انتخابات خامسة.
بقلم: نحاميا شترسلر
هآرتس 18/5/2021