صحيفة عبرية: حماس وإسرائيل على لقب “الأقصى”.. الحارس والمعلق أردنيان ولاعب الوسط مصري

حجم الخط
0

ردود العالم العربي على التصعيد هي مكعب هنغاري لتضارب المصالح. الجهود الدبلوماسية التي يبذلها الرئيس بايدن لوقف إطلاق النار تصدها إسرائيل وحماس في الوقت الحالي. فحماس تطالب بإنجاز في القدس، وإسرائيل تعتقد أنها لم تحقق أهدافها بعد، دون إعطاء تفاصيل عن هذه الأهداف. حسب تقارير تستند إلى تصريحات قادة كبار في حماس، فإن حماس تصمم على أن يكون وقف إطلاق متزامناً، في حين تطالب إسرائيل بفجوة زمنية تمكنها من مواصلة القصف.

هذه ليست نقطة الخلاف الوحيدة. ويبدو أن الطرفين يركزان مطالبهما على الصعيد التكتيكي. فإسرائيل تسعى إلى إشارة “في” إلى جانب أكبر قدر من الأهداف. وحماس تطالب بأن تخرج إسرائيل قواتها من الحرم وتمنع طرد سكان الشيخ جراح من بيوتهم. ولكن فعلياً كل طرف يسعى إلى تحويل طلباته التكتيكية إلى إنجاز سياسي. حماس التي اعتبرت كمن جاءت لإنقاذ القدس، نجحت في إبعاد السلطة الفلسطينية والأردن عن مكانتهما كأصحاب البيت. فهما ليسا شريكين في المفاوضات حول وقف إطلاق النار، ولا يمثلان المطالب الوطنية الفلسطينية التي تتعلق بالمس بالأماكن المقدسة، وهما يستمران في كونهما شفافين في نظر إسرائيل وحماس.

المعركة التي تديرها إسرائيل ضد حماس لن تغير هذه النظرة، حتى لو لم تتنازل إسرائيل في موضوع القدس. إذا كانت هناك احتمالية معينة للتوصل إلى اتفاقات مع السلطة الفلسطينية في مسألة القدس واعتبار شطرها الشرقي عاصمة لفلسطين، فهي احتمالية حطمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفعة واحدة عندما اعترف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، واعتقد أنه بذلك قد أزال موضوع القدس عن جدول الأعمال. المرة الثانية التي حدث فيها ذلك، أخذت حماس على عاتقها دور المخلص.

من هنا، فإن تدمير الأهداف المادية في غزة، من مبان عامة وقيادات وأنفاق، وتصفية قادة كبار، يعتبر بالنسبة لإسرائيل إنجازات مثيرة للانطباع، لكن لا يمكنها التعويض عن تعريف حماس للانتصار. نظرياً، إذا دخلت إسرائيل إلى مفاوضات مع الأردن أو مع السلطة الفلسطينية حول ترتيبات جديدة في الحرم، وبهذا تحرم حماس من مظهر الإنجاز السياسي، كان يمكنها الاكتفاء بالتدمير الذي أحدثته حتى الآن في غزة وتأطيره كعملية انتقام واسعة ضد إطلاق الصواريخ على القدس، وبعد ذلك على إرجاء إسرائيل؛ لكن في مرحلة المعركة الآن فإن إجراء مفاوضات كهذه يعد أمراً غير ممكن سياسياً، وسيبدو خضوعاً لضغط حماس. في المقابل، بدون مفاوضات كهذه، ستكون النتيجة أن القدس ستواصل كونها في مركز المواجهة بين إسرائيل وحماس، وهو تطور يفيد اليمين الإسرائيلي وحماس بشكل كبير. إذا كانت حكومة إسرائيل تبحث عن إنجاز سياسي فهو هنا.

المشكلة هي أن استمرار المعركة في غزة وانزلاقها إلى الضفة الغربية، واشتعال أعمال إرهابية وعصيان مدني ومواجهات واسعة، سيعرض للخطر أساساً جوهرياً آخر في سياسة نتنياهو، الذي بنى طوال سنوات فصلاً سياسياً بين غزة والضفة. هذا الفصل، مادياً واقتصادياً وسياسياً، كان حيوياً لصد أي احتمالية لتقدم عملية سلمية بذريعة أن السلطة الفلسطينية لا تمثل جميع الفلسطينيين. هي نظرية نجح نتنياهو في تسويقها بنجاح للإدارات الأمريكية ومصر، وبعد ذلك للسعودية والإمارات والبحرين والمغرب ودول عربية أخرى. توقفت مصر في عهد حسني مبارك عن محاولة إيجاد حل سياسي شامل، بعد أن قامت بليّ ذراع ياسر عرفات وجعلته يوقع على اتفاقات أوسلو. واكتفى الأردن بالمكانة الخاصة التي أعطيت له في الأماكن المقدسة، ولكن في جميع العمليات السياسية الأخيرة كان الأمر بالنسبة له مجرد معرفة. في صفقة القرن لم يتم حتى شمل الأردن في دائرة التشاور.

في السنوات الأخيرة كان هناك قلق أردني من سيطرة السعودية على الأماكن المقدسة وإبعاده عنها. العلاقات المتوترة بينه وبين إسرائيل لم توقف حقيقة التعاون الأمني بين الدولتين، لكن التنسيق السياسي أخذ يتلاشى. وإذا كان قد بقي للأردن بعد قضية البوابات الإلكترونية التي وضعتها إسرائيل على بوابات الحرم قبل أربع سنوات، تأثير في قرارات الحكومة، فقد تم تحييده كلياً هذه المرة.

حماس لم تدق إسفيناً بين الأردن وإسرائيل فقط. ففي المعركة التي تسميها حماس “سيف القدس”، وجدت الدول التي وقعت على اتفاقات سلام مع إسرائيل نفسها في معضلة سياسية معقدة. عندما وقعت الإمارات على اتفاق التطبيع مع إسرائيل أوضح ولي العهد محمد بن زايد بأن هذه الوثيقة ستخدم المصالح الفلسطينية والسلام، وبالأساس ستحبط نوايا إسرائيل لضم جزء من المناطق. وقد رفضت السلطة الفلسطينية وحماس هذه المبررات، وحتى السلطة رفضت أيضاً قبول مساعدات إنسانية من الإمارات وأعادت سفيرها من أبو ظبي لفترة معينة.

وقد كان رد أبو ظبي على أحداث غزة والقدس فاتراً جداً؛ فقد عبرت عن قلق من أن تتعرّض المنطقة للخطر جراء هذه التطورات، لكنها لم تتخذ أي خطوة فعلية مثل إعادة سفيرها من تل أبيب. وفي المقابل، لم تقم بإدانة حماس. وثمة موقف مشابه عبرت عنه كل من السعودية والمغرب. وليس سوى الأردن هو الذي تبنى لهجة شديدة ضد إسرائيل عندما طالب نواب في البرلمان الأردني بطرد السفير الإسرائيلي من عمان وإعادة السفير الأردني من تل أبيب. مصر تواصل لعب دور “الوسيط النزيه” الذي يمكنه التحدث مع إسرائيل وحماس، حيث في جعبتها إنجازات الماضي في تثبيت وقف إطلاق النار عدة مرات بينهما. ولكن مصر والأردن والسعودية والإمارات قلقة من قوة حماس السياسية أكثر من الرعاية التي أخذتها حماس على عاتقها على القدس.

حول هذه المسألة تطور في السنوات الأخيرة خلاف بين هؤلاء الحلفاء. فمصر بذلت جهوداً من أجل التوصل إلى مصالحة بين فتح وحماس، وهي جهود واجهت الكثير من العقبات إلى أن توصل الطرفان إلى اتفاق على إجراء الانتخابات، التي ألغيت الشهر الماضي بأمر من محمود عباس، متذرعاً بأن لا انتخابات دون القدس.

تقدر مصر أن سيطرتها الاقتصادية على غزة وسيطرة إسرائيل على الضفة ستحيد ضرر حماس السيئ، التي ستضطر إلى العمل في إطار فلسطيني أوسع، وفي الوقت نفسه يمنحها أداة تأثير على ما يجري في كل فلسطين وليس فقط في غزة. السعودية التي لها تجربة صعبة مع حماس، والإمارات التي تعتبر حماس فرعاً من حركة الإخوان المسلمين، تختلفان مع مصر؛ فهما تعتقدان أن المصالحة بشكل عام والانتخابات بشكل خاص يشكلان تهديداً يضعهما أمام حكومة فلسطينية حماسية، تشجع حركات إسلامية راديكالية فيهما، وتقوض شرعية السلطة الفلسطينية.

الدائرة العربية في هذه المسألة تحولت إلى مكعب هنغاري، كل دورة فيه تخلق تضارب مصالح داخلية – عربية. عندما تتصالح حماس وفتح فهذا يعني أن قطر وتركيا وإيران، الركائز الاقتصادية والسياسية لحماس وأعداء دول الخليج، يمكنها أن تبعد مصر عن مكانة التأثير. دول الخليج فضلت بسبب ذلك الوضع الراهن. وحتى لو كان فيه أيضاً، بموافقة إسرائيل، دور حيوي لقطر إلا أنه يقزم حماس لتصبح تهديداً تكتيكياً يرتبط قبل كل شيء بمصر وإسرائيل.

إن اعتبارات ومصالح الدول العربية لا تعني إسرائيل التي تقدر بأن أي تطور سياسي أو عسكري في القطاع والضفة يجب أن يكون دائماً تحت السيطرة، حسب الصيغة المعروفة التي تقول بأنها مستعدة لكل سيناريو. وإلى حين أن يأتي سيناريو تكون فيه غير مستعدة له، مثل إطلاق الصواريخ على القدس. المشكلة هي أن نجاح التكتيك، إذا وُجد أمر كهذا، سيبقي خلفه أنقاضاً من الخرائب وسيضطر أحد ما لتمويل إصلاحها قبل أن تتحول بذاتها إلى ذريعة جديدة للمواجهة، مثلما حدث في مظاهرات العودة التي تطورت من أزمة الرواتب في قطاع غزة.

بقلمتسفي برئيل

هآرتس 19/5/2021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية