يوسف مكي جاء الربيع العربي على حين غرة بالنسبة للجامعة العربية، وفي لحظة كانت تغط فيها في سبات عميق. هكذا كان الوضع وذلك من طبيعة الامور، فهي جامعة الدول العربية منذ مارس 1945 وليس جامعة الشعوب العربية، وجموده من جمود الانظمة، فقد كانت في واد والشعوب العربية في واد، وعلى امتداد تاريخها لم تتمكن من حل مشكلة عالقة بين بلدين من البلدان الاعضاء فيها، فهي تعكس مزاج الانظمة العربية، وبعيدا تماما عن مزاج شعوبها وتطلعاتها، فمزاجها انطوائي سوداوي دموي كما الانظمة. بدأ الربيع في المغرب العربي، فحدث زلزال تونس، فلم تبد الجامعة العتيدة أي اهتمام، وصمتت صمت القبور تجاه مايقوم به نظام زين العابدين بن علي ازاء شعبه، إذْ المهم للجامعة هو مصلحة النظام، ولا ترغب في اغضاب أي نظام من الانظمة حتى لو قتل شعبه، واذا حدث ماحدث فعلى النظام ان يتدبر امره بالطريقة التي يرتئيها مع شعبه وكفى الله الجامعة العربية شر القتال. لكن الشعب التونسي هو الذي تدبر امره هذه المرة مع طاغية تونس على طريقته، وذهب الى غير رجعة، وبقية الحكاية معروفة. جاء زلزال مصر في اعقاب تونــــس، فما كان منها الا ان لاذت بالصـــمت المريب على عادتها، وسمع الشعب المصري نصيحة الشعب التــــونسي فقام بتدبر امره مع نظـــام حسني مبارك فاقتلـــعه من جذوره في فترة قياسية، وتعرفون بقية القصة. اعقبها الثورة اليمنية، وظلت الجامعة العربية العتيدة على عادتها لا اسمع لا ارى لا اتكلم على الرغم من المذابح التي ارتكبها نظام علي صالح، ومازال يرتكبها بحق شعبه، وتركت قضية اليمن ماركة مسجلة حصرية باسم مجلس التعاون الخليجي، وكأن اليمن ليس دولة مؤسسة للجامعة العربية، ولا يستحق شعبه لفتة من جامعته العربية، فما كان منها الا ان تركت الامر للامريكان بالتنسيق مع مجلس التعاون الخليجي والتصرف على طريقته في اليمن، ولم يترك للشعب اليمني ان يتدبرامره مع طاغيته كما حدث في تونس ومصر، فقد افسدت تدخلات الجوار عليه ربيعه، وجعلت من حراك الشعب اليمني نصف ثورة على النظام، ونصف ثورة مضادة على الثورة وتعرفون بقية معزوفة اليمن السعيد التي لم تنته بعد. ولكن الربيع العربي لم يتوقف عند حدود اليمن الذي بدأ في 11 فبراير بل وصل الى البحرين بعد يومين من الربيع اليمني أي في 14 فبراير 2011، فتعاملت هذه الجامعة مع الربيع البحراني وكأنه غير موجود بالمرة ولم تسمع به حتى بعد مرور احدى عشر شهرا عليه، ولم تسمع وترى القمع المسلط على الشعب البحراني، وربما اعتبرت البحرين طالما انها مجموعة جزر صغيرة لا تتجاوز مساحتها 800 كيلومتر مربع غير موجودة على الخريطة شعبا وجغرافية، وايضا ليس من شيمة الجامعة العربية ان تغضب السعودية بما ان هذا البلد (البحرين) يقع على تخوم البوابة الشرقية للسعودية وللأمة العربية. الاهم من ذلك ان المعارضة البحرينية حاولت التواصل مع الجامعة العربية وما زالت منذ بداية الحراك السياسي، ولديها خيمة سياسية على بوابة الجامعة العربية لتعريف الجامعة بما يدور في هذا البلد المسكين، والقيام بمبادرة ما، ولكن دون جدوى او لا حياة للجامعة العربية، الا اذا اراد ذوو الشأن واهل الحل والربط فيها، فالبحرين خط احمر وربيعها لا ينبت الزهور كما في بقية دول الربيع، بل الشوك والعوسج. وبقية قضية الحدوته البحرينية مع الجامعة العربية تعرفونها. واعقب ذلك، الربيع الليبي ببضعة ايام في 17 فبراير، وماهي الا ايام ويا للمفارقة – معدودات واذا بالجامعة العربية تهب هبة رجل واحد، وعلى غير عادتها للتحدث عن قضــــية الشعب الليبي ضد طغيان وجبروت الطاغية معمر القذافي وكأن الانظمة العربـــية بالنسبة للجامعة العربية موزعة بين ملائكة وشياطين والقــــذافي من الاخـــــيرين، في حين ان النظام البحريني من فئة الملائكة، كما ان الشعوب العربية حسب الجامعة العربية بعضها يستحق النجدة كالليبي مثلا، وآخر لا يستحق حتى الســؤال، كالشعب البحريني، ولانها نائمة وستظل كذلك فقد اريد لها ان تصحو هذه المرة حسب الحاجة السياسية لبعض الدول العربية وليس كلها، وحسب مصالح بعض اعضائها وليس كلهم، إنها الجامعة المطية وحسب الحاجة.
وفي ضوء ذلك شرعنت تدخل حلف النيتو ومجلس الامن في ليبيا في غضون 19 يوما من انطلاق ربيع الشعب الليبي. ما هذه السرعة التي حلت فجأة، والنخوة العروبية في انقاذ شعب من مذابح زعيمه، في حين ان هذا التدخل قد ساهم في قتل المزيد من الشعب الليبي وتدمير مهول لبنيته التحتية، وبأمر من الجامعة العربية التي لا حول لها ولاقوة في أي شيء الا في شرعنة تدخلات الغرب حينا، او السكوت المطبق على ذبح الشعوب في معظم الاحيان كما في اليمن والبحرين، ولا حقا في سورية. اما في سورية فإن الجامعة العربية باتت تتحرك بخطوات محسوبة جدا، انطلاقا من حسابات الدول التي تحركها، وذلك حسب المصالح، وقد تعاملت مع النظام السوري بكرم زائد بالقياس بتعاملها مع النظام الليبي، في حين ان الثورة السورية قد مضى عليها عشرة شهور وعدد القتلى بالآلاف، والنظام السوري هو نفسه من حيث المحتوى مع النظام الليبي ومن حيث سيرة القمع لشعبه. انها بطريقة تعاملها مع النظام في سورية تدلِله كثيرا وتعطيه خيارات، لم توفرها للقذافي ولم تعطه المهلة نفسها، ولا ندري ماذا ستكون النتيجة. لكن هذه هي الجامعة العربية دون رتوش، وذات المكاييل المتنوعة وحسب الطلب، ولن تكون احسن من انظمتها المنضوية تحت خيمتها. انها فضيحة الجامعة العربية، او ورطتها تجاه الشعوب العربية، او فضيحة الانظمة العربية عبر الجامعة العربية، لا فرق في ذلك، فالكل في الفضيحة سواء.’ باحث في علم الاجتماع – البحرين