انتقادات إسرائيلية حادة لنتنياهو بعد وقف الحرب على غزة وتساؤلات عن نتائجها الحقيقية

حجم الخط
3

الناصرة- “القدس العربي”: حاولت جهات إسرائيلية مختلفة تلخيص وتقييم العدوان على غزة على الأقل مرحليا بالمستويات الاستراتيجية والتكتيكية، فيما تعرب أوساط اليمين عن غضبها على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بعدما تعامل مع حماس وبالتزامن مكنّها من تعظيم قدراتها العسكرية.

ومقابل أوساط أكدت نجاح إسرائيل في تدمير منجزات ومقدرات هامة لحماس والجهاد الإسلامي بنيران كبيرة وأكثر دقة وبقبة حديدية متطورة أبطلت مفعول معظم صواريخ المقاومة، علت أصوات الانتقادات من مختلف أطياف السياسة الإسرائيلية عقب اتخاذ القرار بوقف الحرب على غزة. وحمل رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان على قرار المجلس الوزاري المصغر، مؤكدا فشل المستوى السياسي، واعتبر أن أخطر ما حصل هو سيطرة ” حماس ” على الشارع الفلسطيني.

وتابع ليبرمان في حديث للقناة العبرية 12: “للأسف نحن نشهد سيطرة حماس على قسم من الشارع العربي داخل إسرائيل مثلما نشهد نجاحها للمرة الأولى بتشكيل جبهة داخلية داخل دولتنا وبإطلاق  صواريخ من جنوب لبنان وسط محاولات تسخين الأجواء في الأردن”. ليبرمان الذي سبق وهدد باغتيال إسماعيل هنية وتصفية “حماس” قبيل تسلمه حقيبة الدفاع قبل سنوات، استذكر أمس تقرير “مراقب الدولة” حول عدوان “الجرف الصامد” في 2014، وقال إن إسرائيل لم تستخلص أي درس من تلك الحرب كما يجب. وحذر ليبرمان من تعاظم قوة حماس، وقال إنه لاحظ استخدام غواصات وطائرات مسيرة صغيرة من قبل الحركة للمرة الأولى وكذلك قذائف القسام التي كانت في البداية “أخشاباً متطايرة” باتت صواريخ تطال العمق الإسرائيلي، معتبرا أن المواجهة القادمة هي مسألة وقت.

ليبرمان: “لا مبرر للقيام بجولة عسكرية جديدة في غزة دون تحديد أهداف واضحة، علما أن نتنياهو استغل الجولة الحالية من أجل احتياجاته السياسية”.

وتابع: “من قام برعاية حماس ودعمها بالمال القطري وأتاح لها تعزيز قواتها هو نتنياهو نفسه، وحتى في شهر مايو/ أيار الجاري تم تحويل 30 مليون دولار لحماس تضاف لمئات ملايين الدولارات في الماضي وتم توظيفها في بناء قوتها العسكرية، ومن غير الممكن مراقبة هذه الأموال المحوّلة لغزة “. وقال ليبرمان إنه قبل الدخول في المواجهة القادمة ينبغي على إسرائيل اتخاذ قرار رشيد، ما الذي تريده بنهاية المطاف من قطاع غزة؟

وتابع: “لا مبرر للقيام بجولة عسكرية جديدة دون تحديد أهداف واضحة، علما أن نتنياهو استغل الجولة الحالية من أجل احتياجاته السياسية”.

هدية للإرهاب

كما أعرب نائب وزير الأمن الداخلي غادي يابريكان عن معارضته لوقف إطلاق النار دون استعادة الإسرائيليين المحتجزين في قطاع غزة. وقال إن وقف النار دون استعادة جثماني الجنديين أورون وهدار والمواطنيْن الإسرائيليين المحتجزين من غزة هو جائزة لـ”الإرهاب” على حد  تعبيره. وتابع: “هناك ديْن أخلاقي على حكومة إسرائيل يتمثل باستعادة الأبناء المحتجزين. فإسرائيل قد تضطر لإطلاق سراح آلاف المخربين في المستقبل في حال لم نستغل هذه الفرصة الآن”.

واقع مربك

وتبعه في هذه الانتقادات القاسية، جدعون ساعر رئيس حزب “أمل جديد” المنشق عن “الليكود” وأحد خصوم نتنياهو البارزين، بقوله إنه برغم كل القدرات الاستخباراتية والجوية الهائلة التي تملكها إسرائيل، نجح نتنياهو بالحصول “وقف إطلاق نار دون شروط” من حماس، قائلا: “هذا مربك”.

وقبيل إعلان حكومة الاحتلال عن وقفها للنار، قال ساعر في تغريدة: “يشكل وقف إطلاق النار بشكل أحادي مسّاً صعباً بقوة الردع الإسرائيلية مقابل حماس وغيرها. إن وقف النشاط العسكري دون فرض قيود على تعزيز قوة حماس واستعادة  رفاة الجنديين وبقية المواطنين الإسرائيليين من غزة ينطوي على فشل سياسي- دبلوماسي ستسدد إسرائيل ثمنه بنسبة فائدة عالية مستقبلا”. وهذا ما أكدته وزيرة القضاء السابقة، أيليت شاكيد في تصريح لـ”يديعوت أحرنوت” بقولها: “وقف غير مشروط لإطلاق النار هو أمر محرج”. وأضافت شاكيد، العضو في الكنيست عن حزب “اليمين الجديد” المتطرف: “النصر يكون بإعادة الأولاد”، في إشارة للأسرى الإسرائيليين في قطاع غزة.

حماس صدقت وحكومتنا كذبت

بدوره، حمل رئيس حزب “الصهيونية الدينية” النائب باتسلئيل سموطريتش على قرار وقف النار. وقال في عدة تغريدات: “يختارون العار ويحصلون على حرب” وقبل ذلك قال: “أصغي للمستوى السياسي الذي ينفي القول إن وقف النار منوط بتراجع إسرائيلي في القدس. إذا كان ما نشر كاذبا، أتوقع فتح  باب الحرم القدسي لليهود أيضا في نهار الجمعة وكل شيء آخر لأسفي البالغ يدلل على أن حماس صدقت ومستوانا السياسي كذب”.

سموطريتش: حماس صدقت ومستوانا السياسي كذب

أما زميله النائب المتطرف إيتمار بن غفير، فهاجم قرار وقف النار واعتبره مخجلا وخضوعا خطيرا لـ”الإرهاب” ولإملاءات حماس. بن غفير الذي اتهمته أوساط إسرائيلية أيضا بالتحريض وصب الزيت على النار بدعم غير مباشر من نتنياهو كما تجلى في اقتحامه لحي الشيخ جراح، أضاف: ” هذه ليلة قاسية لإسرائيل ولقوة ردعها، وكما قال تشرتشل: اخترتم العار خوفا من الحرب وها أنتم تحصلون على عار وحرب معا”.

السنوار والضيف

كذلك وجّه بعض الوزراء  الإسرائيليين أيضا انتقادات حادة للاستخبارات الإسرائيلية، ووصفوها بـ”عديمة الفائدة”، وذلك لـ”عجزها عن طرح أهداف من شأنها تغيير واقع الهجوم الإسرائيلي على غزة”. ونقلت الإذاعة العبرية العامة عن مصادر شاركت في اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر ليلة الخميس- الجمعة، قولها إن العدوان الذي دام 12 يوما وراح ضحيته 232 شهيدا، “لم يحقق أي نتيجة عملياتية ناجحة”، وإن سلاح الجو الإسرائيلي “فشل في تدمير معظم الأنفاق الدفاعية لحماس”، والتي كانت إحدى المهام الرئيسية للعملية العسكرية.

واستذكرت الإذاعة الإسرائيلية العامة، أن نتنياهو كان قد زعم عدة مرات في الأيام الأخيرة أنه تم تدمير معظم “مترو حماس” في إشارة لشبكة الانفاق التي تستخدمها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. وحسب هذه المصادر شهدت الجلسة المذكورة توجيه انتقادات شديدة اللهجة لتجنب القيادة العسكرية والسياسية في إسرائيل، اجتياح القطاع وتنفيذ عملية برية، والاكتفاء بضربات معظمها جوية. وطبقا للإذاعة الإسرائيلية، فقد تساءل وزراء عن كيفية استمرار إطلاق الصواريخ من قطاع غزة المحاصر حتى نهاية العملية العسكرية، وانتقدوا فشل الجيش في اغتيال قيادات بارزة في حركة “حماس” أمثال يحيى السنوار ومحمد الضيف.

واعتبرت صحيفة “هآرتس” أن أحد الأسباب الرئيسية لوقف إطلاق النار هو التقدير بأن الشرعية الدولية لهجمات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة تقترب من نهايتها. منوهة أن “الولايات المتحدة غيّرت لهجتها في الأيام الأخيرة، وإلى جانب الدعوة العلنية لوقف إطلاق النار، بعثت رسائل حادة تدعو إسرائيل إلى وقف الحرب على الفور”. ولفتت الصحيفة إلى أن “التقديرات الرسمية الإسرائيلية أشارت إلى أن استمرار العملية العسكرية قد يؤدي إلى انتقادات دولية حادة، وإدانات رسمية لإسرائيل في مجلس الأمن الدولي وهيئات دولية أخرى”.  كما نوهت  أن مسؤولين أمنيين إسرائيليين أوضحوا أن نتنياهو حاول الادعاء بأن “الجيش يضغط من أجل التوصل لوقف إطلاق للنار” مع الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة. وقال المسؤولون، بحسب ما نقل عنهم المراسل العسكري لصحيفة “معاريف”، طال ليف رام، إنّه “من الواضح أن نتنياهو في الواقع يبذل جهداً كبيراً للادعاء بأن الجيش يضغط لوقف إطلاق النار كي يغطي نفسه بالمستوى العسكري.

انتقد وزراء إسرائيليون فشل الجيش في اغتيال قيادات بارزة في حركة “حماس” أمثال يحيى السنوار ومحمد الضيف

البيت الأبيض أوقف الحرب

وعلى المستوى غير الرسمي، يرى المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل، في مقال له تحت عنوان “نتنياهو خضع لبايدن”، أن “إعلان نتنياهو غير المعتاد والتسريبات التي تندّد بالجيش التي أعقبت ذلك، تؤذن بتراجع جديد في العلاقات بينه وبين قادة  المؤسسة العسكرية. مؤكدا أن الإنجازات العسكرية في هذه الحملة على غزة محدودة، لكن ليس هذا سبب إنهائها.

وقال هارئيل إن العلاقة بين نتنياهو وقادة الأجهزة الأمنية سجلت، يوم الخميس، حضيضاً جديداً، “أولاً، في بيان رسمي غير معتاد، حاول نتنياهو فيه نقل مسؤولية وقف إطلاق النار، الذي فرضه عليه الرئيس الأمريكي جو بايدن، إلى الجيش وأجهزة أمنية أخرى”. وتابع: “لقد جاء في إعلان قرار مجلس الوزراء أن وقف إطلاق النار تم الموافقة عليه بالإجماع بناء على توصية من جميع المسؤولين الأمنيين: رئيس الأركان، ورئيس الشاباك، ورئيس الموساد، ورئيس مجلس الأمن القومي”. ويعتبر هارئيل هذا الموقف محاولة مكشوفة للاختباء خلفه، وأنه على صلة بتسريبات متعمدة في الأيام الأخيرة، حيث يُزعم أن الجيش يضغط على نتنياهو لإنهاء العملية، وما زال رئيس الحكومة يفكر في ذلك.

مآرب نتنياهو الشخصية

كما قال هارئيل: “يبدو أن النجاحات العملياتية للجيش الإسرائيلي في القتال محدودة، وبالتأكيد لا تتناسب مع روح الابتهاج التي سادت بعض الجنرالات المتقاعدين في الصالات التلفزيونية العبرية. فقد كانت هناك خيبات أمل أمامه وربما المزيد من خيبات الأمل بعده. لكن محاولة اتهام الجيش بوقف إطلاق النار تشوه الحقائق بل هي سخيفة، فقد انتهت العملية لأن البيت الأبيض لم يتسامح مع التفجيرات الإسرائيلية في غزة”.  وأوضح هارئيل أن نتنياهو أنهى العملية، كما كان يتوقع، بخيبة أمل، لافتا إلى أن التصعيد الأمني، الذي ساهم هو نفسه فيه من خلال دعم قدمه للإجراءات الاستفزازية للشرطة في القدس، أحبط تشكيل حكومة التغيير التي سعت إلى إبعاده عن السلطة.

مكاسب إسرائيلية

في المقابل، يرى المحلل العسكري في موقع “واينت” الإسرائيلي، رون بن يشاي أن “الإنجاز الرئيسي والأهم للجيش الإسرائيلي في عملية “حارس الأسوار” هو استعادة الردع ضد حماس والجهاد الإسلامي، ومن المحتمل ألا يكونوا في عجلة من أمرهم لاستئناف إطلاق النار على قطاع غزة ووسط إسرائيل في المستقبل المنظور. كما يعتبر بن يشاي المقرب من المؤسسة الأمنية، أن الجيش الإسرائيلي حقق عدة إنجازات مثيرة للإعجاب في حربه الرقمية الأولى، الاستراتيجية والتكتيكية على حد سواء.

كما يعتبر أن تدمير الأنفاق الحربية في جميع أنحاء قطاع غزة وأيضا تلك التي اخترقت إسرائيل إنجازاً استراتيجياً. وقال إن تدمير إنتاج وتطوير الصواريخ والطائرات بدون طيار والسفن البحرية هو إنجاز استراتيجي آخر. ويعتقد بن يشاي في هذا المضمار أن “إظهار التفوق الاستخباراتي الساحق والقدرة على القيام بحملة جوية بوسائل دقيقة، وضرب الأهداف في الوقت الفعلي مع الإضرار بالحد الأدنى من المدنيين غير المتورطين، هو إنجاز استراتيجي آخر منح إسرائيل شرعية دولية غير مسبوقة لإجراء العملية دون ضغوط كبيرة لإنهائها” بحسب زعمه.

حملة غزة الرابعة من ناحي المعركة على الوعي كانت أقل نجاحاً من جانبها العسكري. وحركة حماس سجلت بعض الإنجازات الفكرية والسياسية، عندما رسخت نفسها في الرأي العام الفلسطيني كمدافع عن القدس لا تتحدث فقط بل تضع الإسرائيليين في الملاجئ

من جهة أخرى، يرى بن يشاي أن الجيش الإسرائيلي فشل في إحباط وتدمير نظام إطلاق الصواريخ، فالكثير من الأسلحة الاستراتيجية الرئيسية لـ”جيوش غزة الإرهابية” بحسب وصفه، ما زالت قابلة للاستخدام، مما يسمح لحماس والجهاد الإسلامي بتهديد إسرائيل والحفاظ على ميران الرعب أمامنا.

ومن ناحية المعركة على الرأي العام وعلى الوعي، يتفق بن يشاي مع تقديرات مراقبين محليين كُثر بأن حملة غزة الرابعة من ناحي المعركة على الوعي كانت أقل نجاحاً من جانبها العسكري. ويتابع: “سجلت حماس بعض الإنجازات الفكرية والسياسية في بداية القتال، عندما رسخت نفسها في الرأي العام الفلسطيني كمدافع عن القدس لا تتحدث فقط بل تضع الإسرائيليين في ملاجئ، مما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى الانسحاب منها. وقد دارت حرب الإعلام والوعي أثناء القتال بشكل رئيسي على الشبكات الاجتماعية، ليس فقط بين إسرائيل وأعدائها، ولكن أيضا بين الإسرائيليين أنفسهم”.

ونوّه مراقبون إسرائيليون لازدياد قوة حماس في الساحات الفلسطينية المختلفة، وسط تساؤلات عن الاستراتيجية الأفضل للتعامل معها بين مواصلة سياسة إضعافها وإبقائها محصورة في غزة مقابل تجاهل الرئيس محمود عباس، وبين السعي للتفاهم معها على هدنة طويلة الأمد. ويبدو أن النقاش الإسرائيلي الداخلي سيتضاعف فور انجلاء غبار المواجهة بالكامل بعد أيام.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية