تاريخيا جسدت دولة الخلافة الإسلامية حالة أمن وأمان فريدة قل نظيرها في العالم آنذاك، حالة شملت رعايا الدولة جميعا المسلمين وغيرهم حتى أن أعداء الدولة من الأمم والدول الأخرى شملهم ذاك الأمن والأمان في كثير من الأحيان. ذلك الشعور والإحساس والحال هو الذي دفع قبطيا من أقباط مصر للسير من مكان إقامته في مصر إلى المدينة المنورة عاصمة الدولة ليقدم شكوى ضد والي مصر عمرو بن العاص لقيام ابن عمرو بضرب ابن القبطي تعديا وظلما. وهذا الحال هو الذي دفع كهنة سمرقند لتقديم شكوى إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز ضد القائد قتيبة بن مسلم الباهلي لدخوله بلادهم دون أن يدعوهم للإسلام بعد أن عرفوا أن ذلك ممنوع في دين الإسلام فأمر عمر بأن ينصب قاضيا للنظر في مظلمتهم والذي قضى بإخراج جيش المسلمين من سمرقند مما دفع أهل سمرقند للقول: هذه أمة حكمها رحمة ونعمة فدخل أغلبهم في دين الله. هذا الإحساس هو الذي جعل أهل مكة أن يقولوا عن النبي: أخ كريم وابن أخ كريم بعد أن فتح مكة، وهم الذين أخرجوه وقاتلوه وناصبوه العداء. وما ذلك من مواقف الرحمة والعدل الا تجسيد لأوامر وأحكام الإسلام التي جاءت رحمة بالناس جميعا. هذا الأمن والأمان الذي جعل أفراد الرعية يتنقلون بين ولايات الدولة المتباعدة دون خوف وقلق لإيمانهم أنهم يعيشون في بلد لا ظلم ولا تعد فيه، في المحصلة كان أمن وأمان واطمئنان الرعية جزء أساسي ورئيسي من كيان ومكنونة الدولة.
واليوم عندما أعلن داعش إقامته دولة الخلافة إعلانا لا يمت لحقيقة الخلافة بصلة أظهر جانبا من الحدة والرهبة تجاه الجميع فشنوا على المسيحيين وأتباع الطائفة الإيزيدية حرب إبادة اضطرتهم إلى الهرب والخروج من ديارهم فكان القتل والاعتقال ومصادرة الأملاك وسبي النساء والتهجير من الديار.
رغم أن هؤلاء هم من طبقات المجتمع في العالم الإسلامي وأعطتهم أحكام الشريعة الإسلامية حق الأمن والأمان وحسن الرعاية، حتى أن دعاة الخلافة من التيارات والحركات الإسلامية الأخرى لم يسلموا من بطش داعش فتعرضوا للاعتقال والقتل بحجج واهية وبذرائع لا يقبلها المنطق أو الحس الإنساني مهما كلف الأمر.
لقد كان من الواجب على داعش أن يظهر ويوجد الأمن والأمان اللذين تفتقدهما الأمة منذ عصور طويلة، وكان الواجب أن يظهر جانب الرحمة وتجسد حالة الأخوة الإسلامية وتبتعد عن كل مظاهر التفرقة والتشتيت فالمرحلة التي نعيشها تستوجب التكاتف والتعاضد وايجاد اللحمة للوقوف في وجه مخططات الاستعمار الذي يسعى للسيطرة الكاملة والمطلقة على خيرات المنطقة ويسعى لتفتيتها أكثر مما هي فيه لتبقى ضعيفة واهنة يسهل إبقاء السيطرة عليها ويسهل غلبتها إذا ما ظهرت فيها بوادر انعتاق من السيطرة الاستعمارية السائدة.، لكن داعش تصرف ويتصرف بما يخدم المشاريع الاستعمارية تجاه المنطقة فاستعدي الجميع وناصبهم العداء ووجه سهام حرابه نحو الشعوب ونحو كل الرافضين للأوضاع السياسية القائمة في عالمنا وهذا يبعثر الجهود والطاقات ويصب في مصلحة أعداء الأمة.
إن الكثير من تصرفات ومواقف داعش هي تعد واستفزاز لكافة شرائح المجتمعات في العالم الإسلامي وهذا لا يخدم مشاريع التغيير في المنطقة ويشوه فكرة الخلافة التي تراود الأمة ويوجد نفور منها عند البسطاء من الناس وهذا يخدم مشاريع اعداء الأمة أيضا.
إن مناصبة داعش العداء للجميع وبهذه الصورة يوحي بأن هناك أيادي خفية لا تريد الخير للمنطقة وأهلها تحرك الأوضاع نحو التدهور والتمزق حتى لا يفكر أهل المنطقة بالتحرر والانعتاق من التبعية للغرب فالتبعية للغرب والجهل السياسي والفكري يؤديان إلى النتيجة نفسها المتمثلة في تنفيذ مآرب ومخططات اعداء الأمة. فالواجب على داعش أن كفر عن خطاياه ويقلع عن تصرفاته الخاطئة ويعود إلى صف أمته منضبطة بالفكر الإسلامي الصحيح الذي كانت الرحمة والرأفة بالناس من أبرز سماته. فليس تطبيق الإسلام سيفا مسلطا على رقاب الناس ولا طريقا لابتزاز أموالهم بالباطل، بل هو رحمة للعالمين أنزله الله تعالى ليأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم فكان من حسن تطبيقه أن دخل الناس فيه أفواجا، بل لم ينعموا بالعدل والأمان إلا في ظله. هذه الصورة الحقة التي على داعش ومناصريه ادراكها قبل فوات الأوان.
عطية الجبارين