محيي الدين محجوب
ما زلنا ونحن في الألفية الثالثة نتجادل ونتشاجر أحيانا، نظرا لاختلافنا في، أو على، تسمية شيء ما بمصطلحٍ ما، هذا أولا، وثانيا لم نصل بعد لامتلاك ثقافة تجاور الأجناس الأدبية المختلفة التي كادت أنْ تذوب الفوارق في ما بينها، لكننا وعلى ما يبدو أدْمنَّا تضييع وقتنا ومجهوداتنا في قضايا أقل ما توصف به أنها قضايا هامشية.
لستُ أدري ما الذي جعل الشاعر محيي الدين محجوب يكتب كلمة «شِعر» على الغلاف الخارجي لكتابه «أحدق من نعاس» بينما كتب كلمة «نصوص» على الغلاف الداخلي؟ هل لأنه آثر السلامة وفضَّل عدم الخوض في جدال عقيم حول شِعرية نَصِّهِ أم لا، خاصة ونحن الآن ورغم أنَّ الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية (شِعر/ نثر فني/ رواية/ قصة قصيرة/ خواطر أدبية…) قد أوشكت على أنْ تتلاشى، وما زلنا ندور في فَلَكِ متاهة تحديد وتقنين الجنس الأدبي كونه شِعرا أم نثرا؟ وهل ثمة مِن فرق أو فارق جوهري شاسع بين (شِعر/ قصيدة نثر/ نَصّ) (نحن هنا لا نتحدث لا عن وزن ولا عن قافية)؟ وإذا سلَّمنا بوجود الفرق/ الفارق بين الشِّعر وقصيدة النثر لافتقاد الثانية إلى شروط الشعر، كما اعتادت عليه الذائقة العربية، فما هو الفرق بينهما، هما الاثنان، وبين كلمة نَصٍّ؟ أليست القصيدة الموزونة نَصَّا؟ أليست قصيدة النثر نَصَّا؟ إذنْ.. هل لنا أنْ نقول إنَّ كلمة نَصّ هي أعم وأشمل وربما تكون مستقبلا هي سيدة الموقف وقد تكون كذلك الملاذ الذي سيأوي إليه الكثيرون لتمرير كتاباتهم، أيا كان مستواها الإبداعي تحت هذه الكلمة، أو ربما سنستخدم كلمة نَصّ لكي نُريح أدمغتنا من العِراك في مجال المصطلحات، التي لم نصل بعد إلى تحديد معناها ومدلولها بدقةٍ كافية، لكن علينا ألا ننسى في غمرة هذا القيمة الإبداعية للنص وهذا هو الأهم.. وليس سواه.
أُحدِّقُ مِنْ نُعاسٍ الصادر منذ عدة سنوات، ديوان للشاعر محيي الدين محجوب، يُلفت نظر المتلقي إليه بدءا من عنوانه، ففعل التحديق يدل على التعمد والقصدية في النظر إلى الأشياء، في ما يعبّر النعاس عن عدم الانتباه الكامل.. فكيف يكون التحديق من نعاس؟ يكون التحديق من نُعاس حين يكون القائم بفعل التحديق يقظا ومنتبها، في ما ينعس الآخرون وربما يكون هذا ما يرمي إليه محيي محجوب.. ليشير إلى أن كثيرين قد فقدوا يقظتهم وراحوا في سُبات عميق، في الوقت الذي لا يستدعي إلا كل يقظة وانتباه.
هذا النزيف.. سبيلي إليكم.. هذا هو نَصُّ الإهداء الذي تصدَّر الديوان وهو يشي بأننا أمام تجربة مُعاناة حقيقية على صعيد الشِّعر تتداخل مفرداتها، وتتضافر معطياتها في حلبة واحدة لتخرج لنا وهجا إبداعيا يتجلى في ما سيتلو هذا الإهداء من نصوص وقصائد.. وهج إبداعي يَعي صاحبه جيدا كيف يكتب نصا إبداعيا جيدا.
يحتوي هذا الديوان على أربعة نصوص أولها هو «قبر سيرة» وهو عبارة عن نَصٍّ طويل يبدأ من الصفحة التاسعة وينتهي في الصفحة الثانية والسبعين. في ما يتراوح طول النصوص الثلاثة الأخرى ما بين خمس صفحات وخمس عشرة صفحة. يُولي الشاعر اهتماما كبيرا بالجملة الشعرية التي تأتي أحيانا مُلتبسة وغامضة وعَصيّة على الفهم، ولا تُعبِّرُ إلا عن افتتان الشاعر بسحر اللغة وفتنتها:
لا صوت طيف فمها
يستفزه لعب حقيقة
وما تيسر من مؤونة
أدرك خلل نزهة
وإذا اتسخت أيدينا
بالكذب
خسرنا ما حزته من قبر.
بينما تجيء واضحة نقية وسَلسة في أحايين أخرى:
أبي..
مذ فارقْتنا إلى لحدك
لمْ نعد نلتقي
إلا عبْر الأثير.
كذلك نجد تارة أنَّ اللغة هي بطلة هذه النصوص، وتارة أخرى نجد الشِّعر بلحمه وبدمه:
*آيتي صيد لسان
صوته العدوّ
مسرد شقاق
تتعقبه نسور الكلام
جهره يؤثر زيتونة بصيرة
أناي طين خرافة.
*هو الشِعر حانة
لم تمنعني من شهوة
أوزعها كالصدقة.
*ماذا
يحدث
للغة
لو
أنها
انتهت؟
يمكن القول إن نَصّ قبْر سيرة ذلك النص الطويل الذي كان له أن يكون منفردا في هذا الكتاب، هو توقيعات مختلفة تمارس الذات الشاعرة عبر مقاطعه المنفصلة المتصلة (ثمة أبطال ثلاثة في هذا النص وهم: الأب الراحل.. الأم.. الذات الشاعرة) تمارس بوحها وتباريحها كاشفة عما يختلج في دواخلها من مكابدات وعذابات، بعد أن ولى الآخرون وابتعدوا وبقيت بمفردها تؤنس خيال عزلتها:
له الآن أن يصغي
لأشجار البكاء
فلا أحد يسرف بالحلم
لا امرأة تواقع حصاد قيلولته
لمَّا يؤوب خراج العناء
ثم تتعجب:
لعلي أفهم
لماذا يتركون قبر ظلك
وحيدا
ويركنون إلى لباسهم!
وحين تشتد آهات المعاناة وتأوهاتها ولا تجد الذات الشاعرة مفرا، ولا بديلا لتأوي إليه حتى تتملص ولو للحظات من يأسها، تحاول الدخول إلى مدن الحلم/النعاس.. لكن ما من جديد:
ما من نبؤة
ترفو نهاراتي اليائسة
أو تهتدي بها
وعلى الرغم من أن الحلم هو حائط المبكى /المهرب الطبيعي من الواقع بكل ما فيه من قسوة الآلام إلا أنه يصبح أحيانا صعب المنال:
ضاق منامك
فبماذا ستحلم؟
ولا يفوت الذات الشاعرة أن تقتنص بعض الأسطر الشعرية في نص طويل كهذا، لتخرج ما فيها من آهات وتأوهات لتعلن عن ذاتها:
أنا الآن ريح
اتركوني لأفيض في جثتي
أنا الآن طير
ممشاي نصي
وحقيقتي من وعورة الخيال.
كذلك تحاول أن تُصلح من الواقع المعيش بإحداث تغيير ما وإن كان ضئيلا لكنه ربما يثمر في ما بعد.. وبهذا تسعى لأن تُرتّق كيانها الذي أنهكته المواجع بشتى صورها:
كان لي..
أن أثقب العتمة
وأهرق ملح أزقة
كلما تحصنت حقول
بسموها.
أما في النص الثاني «السماء لا تنظر إلى أسفل» الذي يفتتحه الشاعر بمقولة لمحمود البريكان تقول: لماذا وحدك يا هذا الشاعر تسهر ليليا تنتظر الصوت الغامض؟
يقول الشاعر:
كلما أفتح للروح
شرفة لأهش ذباب الهذيان
يعفرني الجمر
أهذه روحي تغلي
أم…؟
إن الذات الشاعرة هنا ما زالت تسعى لأن تفتح لنفسها طاقة ضوء في ليل عتمة لعلها تجد مرتعا خصبا تمارس فيه مراسم حياتها، في منأى عما تعاني منه وتكابد مفرداته من ألم وفجيعة. ليس هذا وحسب، بل لقد تحول الأمل إلى جرح:
لي أمل
مثل جرح
حين تضج غرفتي النازفة
يخفي وراءه فوضى الصهيل
ثم يصل اليأس إلى أقصى مدى له:
هذه المشكاة حزنها ينوس
أفكر الآن في خيبة جديدة
ترمم أزري
فالسماء لا تكترث بغيومها
ولا تنظر أسفل القدم
وفي نَصّه الثالث يحاول الشاعر أن يودع آلامه التي جثمت فوق صدره طوال النصوص السابقة.. يحاول أن يودع مواجعه وأسئلته الحيرى التي تؤرقه كثيرا بصحبة الريح:
وداعا
يا ريحا غزاها الريح
ويا سؤلا
بعثوني وزره
يا صديقي الألم
وفي نصه الرابع «الغُمّيضة» وهي إحدى الألعاب الشعبية التي يلعبها الأطفال وهم صغار في شوارع القرى.. يقول الشاعر موجها بوحه هذه المرة إلى محبوبته:
يا حبيبتي
كتب الجرح قصيدته
وقرأ في برج العقرب
ثعبانا يلوك عشب القلب
وينفث سمه على وجهي
قلت يا حبيبتي:
أمام قلبي
لا يمل الموت من لعبة الغميضة.
وبعد.. هذا تأويلي لنصوص الشاعر محيي الدين محجوب، ولا شك في أن هناك تأويلات أخرى.. خاصة أن النص الجميل والجيد يحتمل تأويلات شتى.
كاتب مصري