حين تصرخ فلسطين بصوت محمود درويش: يا أيها الشعراء لا تتكاثروا

في سباق استعادة النكبات التي أصابت القضية الفلسطينية، يمكن أيضا استعادة أهم نماذج التفاعلات المحايثة والموازية لها. لعل أهمها، أولا – تضامن الجماهير العربية اللامشروط. وثانيا- تهافت الأنظمة العربية عليها، باتخاذها ذريعة لخدمة أجنداتها الخاصة بها. وثالثا- تحولها إلى قبلة «مقدسة» يولي المبدعون قرائحهم شطرها، وفي مقدمتهم الشعراء، بدليل آلاف الدواوين المنجزة في الموضوع. بشقيها التقليدي والحداثي، وهو الإشكال الذي يعنينا أساسا في هذه الورقة، ذلك أن المبدع العربي جد مقتنع في قرارة نفسه، بأن جواز دخوله الفعلي إلى المؤسسة الإبداعية، يكمن في تكريسه حصة أساسية من كتاباته لخدمة القضية الفلسطينية. كما لو أن الأمر يتعلق بنوع من العشق/الواجب الاضطراري، الذي لا مناص للمبدعين كافة بمختلف اختصاصاتهم، من الانصهار في لهيبه.
فمن خلال انتماء المبدع إلى تجربة الزمن الفلسطيني، يتوهم أنه سيتمكن فورا من إحراق الكثير من المراحل، التي ما كان له أن يحلم بتجاوزها، لولا نزوعه الممنهج إلى توظيفه لمقومات هذا الزمن. ما يحفزه على السير حثيثا باتجاه انتزاع اعتراف المهتمين والملاحظين. ذلك أن حضور الزمن الفلسطيني في العمل الشعري، التشكيلي، أو السردي فضلا عن الموسيقي، والسينمائي، يعني بالنسبة للمتلقي امتلاكه لمقومات المصداقية والشرعية. كما أن أهمية هذا المقومات، تكمن في حجبها لما يمكن أن يتخلل «العمل» من هنات وسقطات فكرية أو جمالية. الشيء الذي سيسمح لصاحبه بالتواجد في الصفوف الأمامية من المشهد الإبداعي أو الفني، بدون أن يكون بالضرورة معنيا يبذل أي مجهود معرفي يذكر، والنتيجة، أطنان من الدواوين، والروايات، والمداهنات الفكرية، فضلا عن جبال مصطفة من الأقراص السينمائية والموسيقية، المسرفة في الغثاثة والإسفاف.
ولن يفوتني في هذا الإطار، الإشارة إلى إشكالية على درجة مذهلة من الطرافة، ومفادها أن هذه التراكم الفني والإبداعي، وبصرف النظر عن أهميته الجمالية أو دونيته، يتحول تدريجيا إلى بديل، يختزل جماع الإشكاليات السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، خاصة بالنسبة للنخب المثقفة. بمعنى أن البعد الواقعي المادي والموضوعي لفلسطين، بوصفها أرضا محتلة، تعاني جهارا، وتحت أنظار المنتظم الدولي، من اضطهاد أعتى الممارسات الاستعمارية، والاستيطانية، وأشرسها. هذا البعد الواقعي والمادي، لا يلبث أن ينمحي تماما، فلا يتبقى منه سوى أطيافه الباهتة، التي تتباهى ببلورتها هذه الأعمال الإبداعية، والفنية والفكرية، وبالتالي، فإن المتلقي من فرط إدمانه لحالة لهذه الأعمال، وطبعا في سياق انتصاره للقضية الفلسطينية، وفي أقل لأحوال، ضمن سياق تعاطفه معها، يكون عمليا بصدد تنحيته الشاملة لأي علاقة فعلية وملموسة تربطه مباشرة بها. وتبعا لذلك، فإن الأسئلة الحارقة والميدانية المرتبطة بالقضية، تختفي جملة وتفصيلا، ولا يبقى سوى العمل الأدبي، الفني، أو الفكري، يدعوك لإمعان النظر في سماته وملامحه، باعتباره بديلا «مقنعا» لكل ما له صلة بالقضية الفلسطينية.
إن الأمر هنا، شبيه بتلك الممارسة التطهيرية والاستشفائية « Thérapeutique»، التي تتخفف الذات بواسطتها من عنف الاصطدام المباشر بواقع الزمن الفلسطيني. لاسيما وأنها أمست عاجزة تماما عن تحمل نوائبه ونكباته وانتكاساته، وكل ما يحاك ضده في الخفاء والعلن من مكائد، يشيب من أهوالها الولدان.
ولعل أهم رمز إبداعي يمكن الاستشهاد به في هذا السياق هو الشاعر محمود درويش. هذا الرمز الذي استطاع وبشكل تلقائي، على امتداد عدة عقود من حضوره الأسطوري في مشهد القصيدة العربية والكونية، أن يكون التجسيد الفعلي والاستثنائي لأقسى ما يمكن أن يطرحه الزمن الفلسطيني من أسئلة حارقة، وأيضا لأقصى ما يمكن أن يحلم به من آمال. محمود درويش، سيد تلك القصائد ذات الجرس الأورفيوسي، الذي يهتدي بإيقاعاته ضمير العالم إلى بوح الزمن الفلسطيني، ضدا من وحشية الحصار الصهيوني وعدوانيته. محمود الشاعر الاستثنائي، الذي تأخذ متعة الإنصات إلى إنشاده، شكل طقس تنديدي، يضرم نيرانه الملتهبة، في كل ما تراكمه الآلة الإسرائيلية، من ممارسات عنصرية حاقدة. والصوت الذي تميل شمس الحق، حيث تميل أشرعة حروفه، ضدا من نوايا رياح القهر والتدليس. فبقوة هذا الحضور، وبسطوة جماليته الجارحة، سيكون من الطبيعي أن يتلمس قلب المتلقي قارئا أو مستمعا، طريقه إلى الزمن الفلسطيني. وتحديدا، باتجاه الغيمة التي تسكنها روح محمود، بمعنى أنك حينما تكون في حضرته، فأنت متواجد حتما، وبامتياز في حضرة الزمن الفلسطيني.
ومن المؤكد أن هذا التذاوت العالي بين المتلقي وقصائد محمود، يفتح آفاقا حوارية جد متقدمة حول أسئلة الزمن الفلسطيني، في حالة توافر شروطه الموضوعية، المعبر عنها بنضج الوعي العربي، وبلوغه مستواه المتكامل، من حيث توجهه الحر والمستقبلي، الذي لا تعيق مسيرته ألغام الأنظمة المتواطئة.
عدا أن هذا التذاوت، لا يلبث أن يفقد وهجه، نتيجة هيمنة زمن الخذلان والسقوط العام، حيث لا تفيد دلالة توحد ذات المتلقي مع ذات نص الشاعر، سوى تفاقم حالة التنصل من أي مسؤولية تاريخية، قوامها التصدي الفكري والسياسي، لكل مخططات الإبادة والتهجير المبرمجة بنصل القتل، من قبل الاستيطان الصهيوني. تنصل يفضي إلى بؤس الاقتصار على الإقامة في النص، بوصفه البديل النموذجي، لأي وطن واقعي أو محتمل، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ومن المؤكد أن محمود درويش كان جد واع بهذه المعضلة حينما قال:
يا أيها الشعراء لا تتكاثروا
ليست جراحي دفترا
ذلك أن اكتظاظ الشعراء حول الهم الفلسطيني، ولو عن حسن نية، من شأنه حجب القضية برمتها عن الأنظار/الاهتمام، بما هي جرح راعف، جدير بأن يعلن عن حضوره الدامي لساكنة الأرض، كما لساكنة السماوات السبع.
تلح علينا الآن هذه الفكرة، والعالم كله مشدوه أمام المقاومة البطولية للشعب الفلسطيني، وهو يتصدى بكبريائه وإبائه التاريخي، حرائق فلول جيوش الاحتلال الذي اتضح للجميع، أنه فقد صوابه تماما، أمام القدرة القتالية التي أبانت عنها فصائل المقاومة. هذه القدرة هي حاليا، في أمس الحاجة إلى مبدأ الاعتراف، من قبل الجماهير العربية، وكذلك من قبل المنتظم الدولي، وليس من قبل جيوش الشعراء، الذين سيتحولون من جديد في حالة «تكاثرهم» إلى حجاب، يحول بيننا وبين رؤية ما يحدث حاليا على أرض الواقع. وهي الوضعية التي يصبح فيها الاحتماء المطلق بجمالية النص، ضربا من التستر المريب على جرائم العدوان الإسرائيلي، وحلفائه. كما سيصبح ضربا من التكتم المبيت على بطولة المقاومة الفلسطينية، وعلى ما تقدمه من تضحيات، لا يستثنى الجماد منها عن الحي.
إن ترحيل قبائل الشعراء مؤقتا عن المشهد، هو وحده الكفيل بمعاينة يقظة البركان الفلسطيني، الذي طالما توهم أعداء الحياة، أنهم تمكنوا من إغراقه كلية في رماد السبات.
– معاينة الرشقات الصاروخية للمقاومة، وهي تنكل بأوهام السيطرة، والاستحواذ التي تصدح بها أبواق الدويلة العنصرية.
– معاينة الأرض الفلسطينية المحاصرة بالمستوطنات، وهي تبعث حرة طليقة في عواصم العالم، في صورة احتشادات ومظاهرات تنديدية، بكل لغات الأرض، وبكل الأعراق والأديان.
– معاينة الصيغة التي ينبني بها من جديد، مشهد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
– معاينة تمريغ عنجهية العدو في أوحال ما سيأتي.
– معاينة حرائقه التي فقدت صوابها، وهي تقصف برا وبحرا وجوا، الأحياء المتلاصقة والمكتظة بمواطنين عزل، أغلبهم من النساء والأطفال، مدمرة بتكالب أهوج، البيوت على رؤوس ساكنيها.
– معاينة أنابيب المياه العادمة، وهي تتهاطل بدون رحمة على المستشفيات.
– إعادة قراءة الشعارات التي تتشدق بها ثعالب القتل مكرهة، من قبيل التهدئة، والسلام الدائم، والخروج من دائرة العنف، وضرورة بداية العمل الإنساني، وحل الدولتين، إلى آخر اللائحة.
لكن قبل ذلك، تأكد أن حدس الزمن الفلسطيني، لا يخطئ أبدا أسماء شعرائه، فنانيه، ومفكريه، ومناصريه. ثم لك أن تتأكد أيضا، أن فلسطين مهما اقتيدت بضراوة النار والحديد، إلى ما يعتبره المتشفون عصورا حجرية، فإنها أبدا لن تفرط قيد أنملة، في ثباتها على أرض الحرية والخلاص.
رجاء إذن أيها الشعراء، لا تتكاثروا، وانصهروا ـ ولو مؤقتا – في أتون ما هو أمامكم الآن، عساكم تكونون قليلا.

شاعر وكاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية