ألا أيها الليل

حجم الخط
0

عزت القمحاوي يقظة مُفَزّعة على مصائر شباب يرحلون بعد يوم من الهتاف، عطاشى، جياعًا ولكن سعداء سعادة لا تعرفها الحيوانات المدججة بالسلاح ولا يمكن أن تعوض حزن من أنجب ومن ربى. يهرب الكائن من برك الدم على الشاشة إلى كتبي الجديدة. الكتب التي كان ينتقيها من المعارض ويعود بها منتشيًا كحامل السر اللذيذ، يتلمسها لتحن ويترك نفسه بين غلافي أجملها. بالأمس صارت عنده كتب جديدة بعد أن عرفت معارض الكتب كيف لا تخشى ربيع الحرية وكيف تتعايش تحت العصف. عادت معارض الكتب العربية بعد عام من الخمود بدأ بإلغاء معرض القاهرة بسبب ثورتها المسروقة. عادت الكتب ولكننا لم نعد نحن. راقب الكائن نفسه إذ يلكم الكتب لا يتلمسها، يفتض لا يتودد. يقتحم الكتاب ويداهم الصفحات بحقد كما يفعل شبيحة سورية ويُخضع أفكار الكتاب إلى كشف عذرية كما يفعل عسكر مصر، من دون أن يعرف ما يبحث عنه ولا لمَ يفعل ذلك!عنف لمجرد العنف. وفي النهاية يتوقف عند رواية هدى بركات ‘ملكوت هذا العالم’ لا يترك نفسه لتلمس جمال الرواية ويختار ما يريد هو لا الكاتبة. تصدمنه في الرواية الوحشية الأصغر التي لا يراها العالم ولا تصورها التليفزيونات، لكنها تلخص الحرب الدائرة في الشوارع والميادين. هي حرب المياه بين مالك أرض متنفذ في جبل لبنان وبين مزارع صغير يحرقه موت زرعه كما يحترق الآباء بموت غروسهم الحلوة في الشوارع.حرب الماء في رقعة من عدة دونمات تلخص الحرب الكبيرة الدائرة الآن. من قال إن الصمود والتصدي لإرادة الشعب السوري بعيد عن حرب المياه في المنطقة؟! من يؤمن مياه الجولان لإسرائيل كي ترفع قبضتها عن ربيع سورية وربيع مصر؟ هكذا يقول صديق للكائن يرى أن أحدًا لم يلتفت إلى هذه المعضلة التي تمثل لب الثورة السورية بالذات؛ حيث إن ثلاثة مليارات متر مكعب ماء مضمونة لإسرائيل ما بقي النظام في سورية. وهذه المليارات الثلاثة تساوي مثلها من الدم، ومن الخير بالنسبة للصهاينة أن تجري أنهار الدم داخل البلاد العربية لتكون الخسارة عربية خالصة بدلاً من جريانها على الجبهات مختلطة بحصة من الدم الإسرائيلي.ينسحب الكائن من رواية هدى كما ينسحب شبيح مشوش الروح، يغوص في نوم تزعزعه أحلام مؤسفة لا تلبث أن تتصاعد ـ مثل طبول الحرب ـ إلى كوابيس. مفتاح السيارة طار مقبضه، لا بأس، لكن لماذا انثنى رأسه بحيث يستعصي على الاستخدام؟!ومن هذا الضرر البسيط إلى أضرار أكبر قليلاً، حتى صارت أحلام الكائن المؤسفة كوابيسَ في فقرات لم يتذكرها عندما أفاق، لكن يتذكر منها صرخة ابنه الذي لم يره على كاميرا الكمبيوتر أمس يخبره بأن الفيضان اجتاح قريتهم!كابوس من ذاكرة طفولة الكائن، عندما كان النيل يفيض؛ فكيف وصلت الصورة إليك يا محمد؟!اكتشف داخل الكابوس أنه ريفي وابني مديني لا يعرف الكثير عن الأرض، فكيف بهذا الفتى المديني يرى أرضًا لا يعرفها وفيضانًا لم يره؛ إذ ولد في زمن الجفاف؟!يهش الكائن الوحشة عن الوسادة، ينظر في الساعة ليحدد الوقت بالتقريب في العتمة: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح يوم عطلة ليس كعطلات البشر العاديين.صباح يوم العطلة يستمتع فيه البشر بمعاندة النور ورنين الساعة وعصيان أوامر الآخرين وطاعة أوامر أجسادهم. يوم العطلة هو يوم الإفطار على الهوى والتحرر من الركض، لكنه لم يعد كذلك على مدار عام مضى، وسندخل عامًا جديدًا مختلاً حيث يعيش العربي ستة أيام في كدر، وفي اليوم السابع الذي يرتاح فيه الرب يزداد نصب العربي.لا إفطار مميز يرفع يوم العطلة على أيام الاستعباد الستة درجة، لا حمام دافيء متمهل، لا فرصة لتقليم أظافر طالت أو شجرة في حديقة تهوشت، لا فرصة لغرس وردة في إصيص بشرفة، بل تفكر في الحارات والطرق الالتفافية التي يمكن التسرب منها إلى الساحة في غفلة من العسكر والشبيحة. لا شيء سوى كرامة المتعبين وثمنها حياتهم. وفي نهاية نهار العطلة لا فيلم يغفو أمامه الكائن بل مسيرة تشييع يكون فيها حاملاً أو محمولاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية