بغداد ـ «القدس العربي»: بعد ليلة دامية راح ضحيتها أكثر من 20 محتجّاً بين قتيل ومصاب، سقطوا في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد، أمرت السلطات مجدداً بتشكيل لجنة للتحقيق في ملابسة الصدامات بين المتظاهرين الذين طالبوا بكشف قتلة الناشطين واستمرار «الإفلات من العقاب» من جهة، وبين قوات الأمن التي مارست «القمّع المفرط» مستعينة بالرصاص الحيّ وقنابل الغاز.
وتجمّع المئات من الشباب المحتجين على استمرار مسلسل قتل ومطاردة المتظاهرين والناشطين، في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، قادمين من محافظات وسط وجنوب البلاد.
وفي بادئ الأمر بدت الأجواء هادئة قبل أن تتجه صوب التوتر، على خلفية اقتحام قوات الأمن (قوات حفظ النظام) ميدان الاحتجاج الأبرز في البلاد، مساء أول أمس، في محاولة لفضّ الاحتجاج بالقوة، مستخدمة الرصاص الحي وقنابل الغاز، بالإضافة إلى الحجارة.
وحسب مصادر متطابقة، فإن الصدامات استمرت حتى ساعة متأخرة من ليلة الثلاثاء/ الأربعاء، لينتح عنها سقوط 22 متظاهراً بين قتيل وجريح. وكشفت المفوضية العليا لحقوق الإنسان (حقوقية رسمية) أمس الأربعاء، رصدها الميداني للتظاهرات التي جرت في بغداد وعدد من المحافظات يوم أول أمس.
المفوضية قالت في بيان صحافي، إن «في الوقت الذي تؤكد فيه المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، على كفالة حق المواطن في الرأي والتعبير والتظاهر السلمي فإنها تأسف بشكل بالغ لسقوط شهداء ومصابين من المتظاهرين والقوات الأمنية نتيجة للتصادمات التي حدثت في ساحة التحرير ببغداد، والتي أدت لاستشهاد متظاهر عدد2 وإصابة 20 آخرين، ومازال إصابة العديد منهم خطرة «.
ووثقت أيضاً «إصابة 130 من القوات الأمنية، واعتقال عدد كبير من المتظاهرين تم إطلاق سراحهم والمتبقي 11 متظاهر معتقل تم عرض أوراقهم على القضاء، مع حرق كرفان عدد2 تابع لقوة حفظ النظام نتيجة استخدام الرصاص الحي والغازات المسيلة للدموع من قبل القوات الامنية والحجارة والآلات الحادة من قبل المتظاهرين».
وحسب البيان، «المفوضية ومنذ بدء التظاهرات ولغاية هذه اللحظة كانت تطالب بمنع استخدام العنف المفرط، وأخضعت قوات حفظ القانون والقوات الأمنية المساندة لها لأكثر من 500 ورشة تدريبية حول كيفية التعامل مع المتظاهرين وحمايتهم».
وتابع: «في الوقت الذي تؤكد فيه على المتظاهرين التزامهم التام بمعايير التظاهر السلمي والابتعاد عن أي تصادمات مع القوات الأمنية، فإنها تجدد مطالبتها لكافة الأطراف بإتخاذ أقصى درجات ضبط النفس والحفاظ على سلمية التظاهرات».
ووفق البيان، طالبت المفوضية، القائد العام للقوات المسلحة بـ«تحمل المسؤولية واتخاذ الاجراءات الاكثر جدية ضد من استخدم الرصاص الحي والعنف المفرط واحالتهم للقضاء وإطلاق سراح كافة المعتقلين على خلفية التظاهرات».
كما وجددت مطالبتها للمتظاهرين بـ«منع من يريد حرف التظاهرات عن مسارها السلمي واستمرار ممارستهم لهذا الحق عبر التعاون مع القوات الامنية وحفظ الممتلكات العامة والخاصة» وفقا للبيان. ونقلت مواقع إخبارية محلّية، ومنصات على مواقع التواصل الاجتماعي، صوراً لجثمان المتظاهر محمد باقر جاسم حسن (18 عاماً) من أهالي محافظة الديوانية، وهو يوارى الثرى في مقبرة وادي السلام في مدينة النجف.
ولقي باقر مصرعه أول أمس، بعد إصابته بإطلاق نار، في أثناء مشاركته في تظاهرات العاصمة بغداد.
تحقيق عاجل
وسبق لرئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، أن وجّه بفتح تحقيق عاجل بملابسات الأحداث التي رافقت التظاهرات.
وقالت خلية الإعلام الأمني، في بيان، إن «القائد العام للقوات المسلحة، وجه بفتح تحقيق عاجل برئاسة قيادة العمليات المشتركة وعضوية ضباط من وزارتي الدفاع والداخلية، للتحقيق في ملابسات الأحداث التي رافقت تظاهرات (25 أيار/ مايو) ومعرفة المقصرين ومحاسبتهم».
وفي وقتٍ سابق، كشف الكاظمي، عن صدور أوامر مشددة بحماية التظاهرات ومنع استخدام الرصاص الحي.
مفوضية حقوقية وثقت قمّع المحتجين بالرصاص الحي وقنابل الغاز
وقال الكاظمي في «تغريدة» له على «تويتر» «دعمنا حرية التظاهر السلمي في العراق وأصدرنا أوامر مشددة بحماية التظاهرات وضبط النفس ومنع استخدام الرصاص الحي لأي سبب كان».
وأضاف: «سنفتح تحقيقاً شفافاً حول حقيقة ما حدث في اللحظات الأخيرة من تظاهرة ساحة التحرير» معتبراً أن «الأمن مسؤولية الجميع ويجب أن نتشارك جميعاً في حفظه».
لكن مفوضية حقوق الإنسان، رأت أن أي تحقيق تديره القوات الأمنية، بشأن الاعتداءات التي طالت المتظاهرين «لن يكون ذا نتيجة».
وقال عضو مفوضية حقوق الإنسان، علي البياتي، في بيان صحافي، إن «أي تحقيق يدار من قبل القوات الأمنية وهي متهمة بالعنف أو مقصرة في واجباتها لن يكون ذو نتيجة».
وأشار إلى أن «المسؤول الأمني الذي يقع الانتهاك في مساحة مسؤوليته يجب أن يعزل من الوظيفة ويحال إلى القضاء، والأخير بإمكانه أن يستعين بالمؤسسات الأمنية وبياناتها وبخبراء أمنيين مستقلين من أجل التحقيق».
كذلك، اعتبر رئيس الجمهورية، برهم صالح، أن الكشف عن قتلة المتظاهرين والناشطين «حق لا يسقط».
وقال صالح في «تغريدة» على «تويتر» إن «الكشف عن قتلة المتظاهرين والناشطين حق لا يسقط، واستخدام الرصاص في التظاهرات يجب أن لا يمر من دون تحقيق ومحاسبة».
وأضاف أن «حماية الأمن والممتلكات العامة واجب وطني» معتبراً أن «التظاهر السلمي حق دستوري وتجسيد لإصرار العراقيين على دولة مقتدرة ذات سيادة، وتحقيق تطلعات شبابنا يستدعي ضمان انتخابات نزيهة».
في حين عدّت بعثة الأمم المتحدة في العراق «يونامي» «المساءلة» أنها السبيل الذي سيوقف نمط «الهجمات المميتة» التي تستهدف الناشطين والمدنيين.
وذكرت البعثة، في بيان مقتضب، أن «المساءلة فقط هي التي ستوقف نمط الهجمات المميتة التي تستهدف الناشطين المدنيين والسياسيين، في حين قد يعتقد الجناة أنهم أسكتوا الأصوات، فإنهم قد جعلوها أعلى فحسب».
وأضاف البيان أن «المساءلة هي مفتاح لاستقرار العراق. من حق الشعب العراقي أن يعرف».
دعوة لتشكيل لجنة
كذلك، دعا المركز الاستراتيجي لحقوق الانسان في العراق (منظمة حقوقية) أمس، الحكومة إلى تشكيل لجنة عليا للاستماع لمطالب المتظاهرين.
وقال مدير مكتب المركز في بغداد، حازم الرديني، في بيان أن «المركز راقب المظاهرات التي انطلقت (أول أمس) والتي تعتبر حقاً دستورياً مكفولاً للجميع للمطالبة بحقوقهم».
وأضاف أن «يجب على الحكومة تشكيل لجنة عليا للاستماع لمطالب المتظاهرين والتفاوض مع ممثليهم لإنهائها، مقابل تحديد سقف زمني لتحقيقها» مبيناً أن «هذا الحل الأفضل لتهدئة الشارع بالوقت الحالي لحين الوصول إلى موعد إجراء الانتخابات في تشرين الأول/ أكتوبر من هذا العام».
وأكد أن «على الأجهزة الأمنية مراعاة حقوق الإنسان بالتعامل مع المتظاهرين وعدم استخدام القوة المفرطة بإطلاق الرصاص الحي أو القنابل المسيلة للدموع» مشدد على المتظاهرين «بالالتزام بسلمية التظاهرات ومنع استشهاد المزيد منهم خلال المرحلة المقبلة».
في هذا الشأن أيضاً، علق النائب عدنان الزرفي، على أحداث العنف التي رافقت احتجاجات ساحة التحرير، مؤكدا أن «صرخة من قتلني» ستنتهي بـ «هذا من قتلكم» في إشارة الى جلسة البرلمان لاستجواب القادة الأمنيين.
وقال، في «تدوينة» أن «ما حدث من قمع عبثي للمتظاهرين في ساحة التحرير وبقاء القاتل ملثماً يلعب في الظل ويستبيح دماء العراقيين يضاعف مسؤوليتنا لنصرة القيم الوطنية. (من قتلني) صرخة حق عميقة انطلقت من أولياء الدم ووصلت الى البرلمان وستبدأ باستجواب القادة الأمنيين وتنتهي بـ (هذا من قتلكم)».
أما رئيس ائتلاف «الوطنية» إياد علاوي، فأشار إلى عدم توفر الأجواء السليمة للانتخابات المقبلة.
وقال في «تغريدة» على «تويتر»: «منذ تحديد ما يسمى موعد الانتخابات المبكرة أكدنا صعوبة إجرائها قبل توفير بيئة انتخابية مناسبة، وما حصل ويحصل يوميا من اغتيالات وقمعٍ وترهيب يؤكد صحة ما ذهبنا إليه».
وأضاف: «أصبحنا اليوم أمام خيارين، إما التأجيل أو المقاطعة ما لم تتوفر أجواء مناسبة تحقق مقبولية في نزاهتها».
إلى ذلك، أعربت السفارة الأمريكية في بغداد، عن «انزعاجها الشديد» إزاء حادثة قتل المتظاهرين في بغداد، مطالبة الحكومة العراقية بإجراء تحقيق «عاجل ومعمق».
وقالت السفارة الأمريكية في بيان، إنها «تعرب عن انزعاجها الشديد جراء التقارير التي تتحدث عن مقتل مدنيين خلال تظاهرة يوم أمس (الأول) في بغداد».
وأكدت أنها «تدعم حق جميع العراقيين في التجمهر والتعبير عن آرائهم بشكل سلمي دون خوف من أعمال عنفٍ أو انتقام» مشددة على أن «يتحتم على الحكومة أن تجري تحقيقاً عاجلاً ومعمقاً بُغية اعتقال ومحاكمة المسؤولين عن التحريض على أعمال العنف والاضطلاع بها».