إن هماً ثقافياً يواجهنا ونحن نتبين كتباً على درجة من الوعي والانفتاح، والوضوح، وعلى مقدرةٍ عاليةٍ في المسؤولية، وأخرى نقيضها مفرغة المحتوى، وهي الرائجة والمتداولة، وإزاء هذا الانتباه، تبدو مهمة الكتابة في الاتجاه الأول، عسيرة، لأنها تحفر عميقاً في الأرض البور، لإشعال فتيل ضوء الكلمات، لأننا نخاطب الجانب الأدّل في الإنسان، ذلك أن الثقافة سلوك وإرادة ونباهة.
من النادر أن نعود بالقراءة لمطبوع سبق لنا أن طالعنا أفكاره، وتوقفنا عند طروحاته وآرائه، إلا أننا وجدنا حاجة إلى العودة إلى كتاب «مقهى سقراط، مراحل تدمير المعنى، نقد السسيوثقافي في التجربة العراقية) للكاتب جمال جاسم أمين، الذي صدر عام 2014، لحيوية موضوعاته، وتجدد أهميتها في الوقت الراهن، وعُرف أمين بتجربته الشعرية المتميزة، وله كتابات ودراسات عديدة منشورة، وله حضوره اللافت في الوسط الثقافي، إلا أن أمين اختار منحى آخر ضمن مشروعه في نقد الواقع الثقافي العراقي، فصدر له «أساطير الاستبداد» و»الأزمة المفتوحة» إذ يرى أن عملية النقد، واحدة من واجبات المثقف، الإجرائي، الذي عليه أن يبتعد عن التنظير.
لماذا مقهى سقراط؟ يقول جمال: إنها يافطة لمقهى شعبي في مدينته الجنوبية (العمارة) رواده مربو الطيور، هؤلاء لا متعة لهم سوى التحديق في سماء المدينة بحثاً عن طيورهم المحلقة، ومراقبة صراع الديكة عصر كل يوم، هل كان هؤلاء البسطاء يعرفون أن سقراط مقولة من مقولات (المعرفة) وما سبيلهم إلى ذلك؟ بل ما علاقة سقراط برهانات الديكة ومعاركها؟ ليس ثمة قرينة ولا مناسبة، سقراط هنا مقولة أوصلها اللامعنى إلى يافطة المقهى، بطريقة أوصلتنا جميعاً في ما بعد إلى كوميديا من هذا النوع.
من هنا يحاول الكاتب الوصول إلى جوهر المشكلة في تتبع مراحل تدمير المعنى تاريخياً، ودراستها على أكثر من صعيد، وركّز على مرحلة الخراب والفوضى، التي رافقت الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وما دور المثقف في ما حصل؟ وهو يشير إلى عجز المثقف عن تأكيد دوره في ظروف ملتبسة، والعودة إلى واقع ومشكلات الثقافة الراهنة، نحتاج إلى استبدال لغة الشكوى، إلى الانتقال من جاهزية التبرير إلى مساءلات نقدية جادة.
إن الحديث عن معطّلات المعنى، يعني أننا ما زلنا نعيش تيهاً معرفياً، تدمير المعنى على أيدي أعدائه، وهم لا يجيدون إنتاجه، إن أصل الإشكال العراقي، حاضراً وتاريخاً، كما يصفه الباحث حيدر سعيد، هو: إن العراقيين هم الطرف السلبي في كل ما يدور من أحداث، إنهم ينتظرون الفعل، أي فعل، من طرف خارجي، وهكذا كنا (مفعولين) لا(فاعلين) ولا نزال كذلك.
والأزمة في أحد وجوهها، تتضح في استدعاء التاريخ والمكوث فيه، بل السقوط تحت تأثيره، لم يتجاوزها المجتمع العراقي، إنما احتفظ بها حد التخمة، على مستوى الظاهر، أغلب أسماء المدن ذات حمولة تاريخية (ذي قار، صلاح الدين، القادسية، المنصور، اليرموك، طارق، الواثق، الرشيد، الخلفاء) وغيرها الكثير، ولعل الأخطر أن الجدل في التاريخ، لا يوفر فرصة لصناعة المعنى، أو الراهن، لذا ستصبح الثقافة ثقافة ذكرى لا ثقافة حضور، من هنا يتعطل الراهن، وتتوفر الفسحة المناسبة لعودة الخرافة، والانقسامات المذهبية.
تناول جمال جاسم أمين محاور أخرى، وسلط الضوء على قضايا الإصلاح الديني، والإسلام الديني، وأزمة الإصلاح بين الاجتماع والسياسة، وأفق الثقافة ومشكلاتها، بحضورها الأكثر بلاغة، والأصولية الجديدة، صورة الشرق المعاد.
إن الجماعات التي تعيش تحت وطأة تاريخها، أو تهرب باتجاهه، بعد الفشل في صناعة حاضرها، توفر إمكانية إنعاش الفكر القومي، بوصفه مفاخرة، والديني التقليدي، الذي يستعيد كل ما هو إشكالوي لينعش الانقسام، لا أسباب الوحدة، هذان الخياران هما اللذان حكما العراق لمدد طويلة، ما يعني أن فكر التنوير، عانى، ويعاني أزمة حادة في ظل هذا التقابل. أمام هذا الواقع سقطت الأقنعة، وتعرّت الأنظمة أمام عجزها وهشاشتها، عن تحقيق أي من شعاراتها، لأن هاجسها كان الوصول إلى السلطة، والبقاء فيها بأي ثمن كان. إن إخفاق المشروعين القومي والاشتراكي، أمام صعود الأصوليات الدينية، أدى إلى مزيد من التردي والتراجع، لأن هذه الأصوليات هي موجات ارتدادية، تحكمها الذاكرة الموتورة، والعقائد الاصطفائية، التي يفكر أصحابها بعقلية الثأر والانتقام، كما يشير المفكر علي حرب إلى جوهر الأزمة في «ثورات القمة الناعمة».
إن مصطلحاً أطلقه علي شريعتي سماه (الغرائزية، اللاوعي الأسود) يصلح للانطباق على شرائح واسعة من المجتمع العراقي، شرائح يصفها بـ(الأغلبية الصامتة) أو الكتلة البشرية الجاهزة للاستثمار السياسي، أياً كان نوعه، تتمتع بـ(لا انتباه) غريب تذبل إزاءه أسئلة الوطن والمصير، ما يميزها أنها جماعات ترنو لحاجاتها فقط، هذا السلوك الجمعي، سهّل مهمة تدمير المعنى، فالغرائزي نفعي، ووصولي وانتهازي بالضرورة، وقصير نظر بلا شك، وهو صيد سهل للأيديولوجيات المتغالبة، لأنها تغريه بإشباع غرائزه، مقابل صمته وتنازله، حتى لو كان هذا الإشباع بمال حرام، تتلاشى شخصيته بالرمز(الحزب، القائد، الطائفة، الكيان) يلوذ بها ويحتمي، يتحول العمل لديه إلى فعالية لا قيمة لها، لأنه شخص غير منتج، طفيلي، لذا يكره العمل، ويحتقره، وقد لا نحتاج إلى برهان إزاء فساد كهذا، كالذي يحدث في ظل جماعات دينية، ربما هذه واحدة من صور الرحى التي تطحن المعنى، وتحول الحياة برمتها إلى ساحة صراع محموم في ظل لا وعي أسود.
إن تتبع آثار الكوميديا السياسية السوداء العراقية، تقودنا إلى تشخيص ظاهرتين رئيستين تتمثلان في:
1 ـ صعود الطبقات الرثّة إلى سدّة الحكم.
2 ـ إن مثل هذه الشراذم أصبحت (نخباً) حاكمة، جعلت من تدمير الطبقة الوسطى هدفها الأساس، لأن هذه الطبقة هي فضاء صناعة المعنى، وهي تنتعش في ظل قيم مدنية، وأن تدميرها، يعد خطوة مدروسة في اتجاه تدمير المعنى، أي اختفاء الحاضن الذي تتحرك من خلاله ممارسات الثقافة وتمثلاتها.
وسبقت الإشارة إلى ثقافة الكسب النفعي، لدى الأفراد، أو الجماعات الحزبية، فذاك يعني تعطيل عقلية الإنتاج، وهدر الخبرة، ومثل هذه الثقافة تكون حاضنة للفساد، وتصبح السرقة سلوكاً سياسياً، وهدفاً للوصول إلى السلطة، والمفارقة أن الديمقراطية التي بشّر بها النظام الجديد، تحول إلى نظام محاصصة ومكونات يذوب فيها الفرد لصالح المكون، والنتيجة استمرار الفوضى بشقيها، فوضى الواقع، وفوضى المفاهيم والأفكار.
ما حصل في العراق كان يحمل طابع الصدمة، ولعل أخطر ما في النتائج، تحول الدين بوصفه قيمة متعددة القراءات، إلى أيديولوجيا، وارتباط الإسلام السياسي الطائفي بالقبلية، ما أدى إلى أسلمة التخلف، جرى ذلك بعد أن أفرغ الإسلام من منحاه التنويري، لصالح قبلية جاهلية جديدة، أمام انتكاس ثقافة التحول والتجديد، ولصالح ظاهرة التطرف، كسلوك عصبوي أحادي مغلق، بالضد من الاعتدال، ولا يقيم وزناً لثقافة الحوار، أو يسمح بالاختلاف.
يعد الاعتدال أعقد الظواهر، وهو أبسطها، ولا يمكن الحديث عنه إلا بالاستناد إلى معرفة شاملة، هذه التي أشار اليها المفكر هاني فحص بالقول: بقليل من الدين تصبح متطرفاً، لكنك لا تستطيع أن تصبح معتدلاً، إلا إذا فهمت الدين كله، الاعتدال إذن ينطوي على فهم عميق للحياة، من زاوية الفطرة الإنسانية غير المنحازة.
تناول جمال جاسم أمين محاور أخرى، وسلط الضوء على قضايا الإصلاح الديني، والإسلام الديني، وأزمة الإصلاح بين الاجتماع والسياسة، وأفق الثقافة ومشكلاتها، بحضورها الأكثر بلاغة، والأصولية الجديدة، صورة الشرق المعاد.
كما سعى الباحث أمين إلى الانقلاب على ما هو تقليدي، وساكن في الحياة، باتجاه نحو أفق أفضل للإنسان والمجتمع، بنظرة حداثوية تقود إلى نظام يتعايش فيه العقل مع الذات في الكائن الإنساني. لقد صاغ جمال أفكاره بخطى واثقة، ابتعد فيها عن الفنتازيا واللامألوف، والتجريد، إنما اعتمد المعرفة العقلانية للقوانين، والإرادة الحرة الواعية، ومن المؤسف القول، إن صناعة (معنى) جادة لكاتب عراقي، تمرّ عابرة دون انتباه، ودراسة من ذوي الشأن.
كاتب عراقي