الباحثة التونسية في علم الاجتماع د. فتحية السعيدي: أزمة كورونا ستغيّر وجه العالم وستخلق توازنات دولية جديدة

حاورتها: روعة قاسم
حجم الخط
0

أكدت الباحثة التونسية في علم الاجتماع الأستاذة فتحية السعيدي في حوار خاص مع «القدس العربي» على أن أهم ما أبرزته أزمة كوفيد هو ضعف التضامن الدولي واهتراء قطاع الخدمات وعلى رأسها القطاع الصحي الذي تمّ تهميشه ليس فقط في البلدان الفقيرة بل وأيضا في الدول الغنية. مشيرة إلى ان هذه الأزمة ستسمح ببروز قوى عظمى جديدة تقود العالم وتشارك بفعالية في إعادة تقسيم مناطق النفوذ، وشددت على أن الصين سيكون لها دور كبير وجديد في التوازنات السياسية المقبلة مقابل مزيد إضعاف الاتحادات الحالية ومنها الاتحاد الأوروبي.
وفيما يتعلق بتونس أكدت على أن الاحتجاجات الاجتماعية ستتواصل وسيشهد البلد هزّة اجتماعية كبرى مباشرة بعد الخروج من أزمة كورونا وذلك كنتيجة لمخلفات الأزمة الصحية وأيضا كنتيجة مباشرة لعدم تحقق مطالب الثورة واستفحال البطالة والفقر والتهمش. وفيما يتعلق بما يحصل في فلسطين أكدت السعيدي على أن هذه الانتفاضة الجديدة ستزيد في تعميق الروابط الفلسطينية التي تجمع بين فلسطينيي 48 وفلسطينيي 67 بعد أن حرّكت الرأي العام الدولي من جديد وأيقظت الشعوب التي انغمست في يومياتها المقيتة. يشار إلى أن فتحية السعيدي هي أستاذة علم الاجتماع في المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس وامتهنت التدريس أيضا في مؤسسات تعليم عالي أخرى على غرار كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس ومعهد الصحافة وعلوم الأخبار وهي ناشطة في الحقلين الإعلامي والجمعياتي ولديها عديد الأبحاث والمؤلفات والمقالات المنشورة. وفي ما يلي نص الحوار:
○ لا يزال العالم يواجه انعكاسات وتداعيات كورونا السيئة في رأيك ما هي أبرز ملامح هذا المشهد العالمي الجديد في ظل الوباء وما التغيرات الحاصلة في مختلف النواحي؟
• العولمة جعلت كل بلدان العالم مفتوحة على بعضها البعض وأنتجت نوعا من التوحيد التقني والاقتصادي الذي يربط البلدان والشعوب ببعضها، فوحدت بذلك مصير البشر. وتجدر الملاحظة إلى أنه منذ بداية العولمة في التسعينات عرفنا عديد الحروب وإنتاج الأسلحة النووية والأزمات الاقتصادية والمالية التي رافقتها مخاطر بيئية تهدد البشرية جمعاء. وكما أنتجت الأزمة المالية لسنة 2008 الحروب وما يسمي «بثورات الربيع العربي» التي عاشتها المنطقة العربية بصفتها الحلقة الأضعف في النظام العالمي، فإن أزمة وباء كوفيد لن تمر دون تداعيات على كل البلدان والشعوب وهي ستغيّر وجه العالم وستخلق توازنات دولية جديدة. وأبرز ما أوضحته هذه الأزمة هو ضعف التضامن الدولي واهتراء قطاع الخدمات وعلى رأسها القطاع الصحي الذي تمّ تهميشه ليس فقط في البلدان الفقيرة بل وأيضا في الدول الغنية. فمنطق السوق للنيوليبرالية السائدة قد اتجه لضخ الأموال في قطاعات تسعى للربح مقابل تهميش القطاعات العمومية التي تستهدف ضمان الحقوق الإنسانية. فالحق في الصحة اليوم مهدد بفعل عدم قدرة البنية التحتية للمستشفيات على استيعاب الوافدين من المرضى وهذا على سبيل المثال لا الحصر. كما شهدنا نوعا من الانغلاق الهووي ونوعا من الأنانية في التعاطي مع هذه الأزمة الصحية من خلال السعي لتأمين اللقاحات أو الكمامات والأجهزة الطبية.
إن ضعف التضامن بين الدول سيتيح في المستقبل «إنشاء مناطق متخلّصة من العولمة، من شأنها حماية عدد من الاستقلاليات الذاتية الأساسية» على حد رأي إدغار موران، وذلك من خلال خلق مسار جديد للحفاظ على القطاعات العمومية الحيوية بما يحفظ نوعا من الاستقلالية البعيدة عن منطق السوق. كما سيسمح بروز قوى عظمى جديدة تقود العالم وتشارك بفعالية في إعادة تقسيم مناطق النفوذ، بمعنى آخر، سيكون للصين دورا كبيرا وجديدا في التوازنات السياسية المقبلة مقابل مزيد إضعاف الاتحادات الحالية ومنها الاتحاد الأوروبي. أما في المجال الاقتصادي فإن البطالة والفقر والتهميش سترتفع ليس فقط داخل كل دولة على حدة بل ستشمل الدول الضعيفة التي ستتعمق الوصاية عليها، هذا بالإضافة، إلى هزات اجتماعية حادة منتظرة في عدد من دول العالم. عموما المؤشرات موجودة وهي تنبأ بتحولات اجتماعية كبرى.
○ ارتبطت قراءتك «للثورة» على مفاهيم علم الاجتماع. وقد اعتبرت في عدة لقاءات صحافية ان ما حصل هو انتفاضة المهمشين والمقصيين والمعطلين والمقموعين، وهي تلك الفئات التي يعبّر عنها غرامشي من خلال مفهوم المرؤوسين أو أولئك الذين همّشتهم الدولة واضطهدتهم على امتداد عقود من الزمن. فهل تفسرين لنا ذلك أكثر؟
• قراءتي للثورة مرتبطة بمفاهيم علم الاجتماع استنادا لمقاربات آلان توران بخصوص الحركات الاجتماعية الجديدة وبتحليلات غرامشي. فالحركات الاجتماعية متنوعة ومنها ما هو منظم ومنها ما هو عفوي وغير منظم. وكل حركة اجتماعية مهما كان نوعها يجب أن تتوفر فيها ثلاثة مبادئ أساسية وهي: مبدأ الهوية ومبدأ المعارضة ومبدأ الكلية الذي يختص بالوعي الشمولي. وهذه المبادئ الثلاثة متوفرة في كل الحركات الاجتماعية التي حصلت في تونس. فعندما نتثبت في هوية تلك الفئات التي احتجت منذ 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 إلى 14 كانون الثاني/يناير 2011 فإننا سنجد فئات متنوعة (شباب، نساء، رجال، معارضون… الخ) تجمعها صفة واحدة وهي التهميش، سواء الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي. فهي فئات عاشت على هامش الدولة أو في تخومها. بمعنى آخر، هم هؤلاء المرؤوسين الذين يعيشون أوضاعا دونية ويشعرون بأن حظوظهم قليلة ويعيشون التمييز والعسف ولا يرون أنفسهم في الدولة إما بفعل تهميش اجتماعي (فئة الشباب والنساء) أو اقتصادي (فئة المفقرين والمعطلين) أو سياسي (فئة المعارضين الذين عرفوا المحاكمات والقمع). هم باختصار، هذه الفئات المتنوعة التي تمّ اضطهادها فانتفضوا في حركة احتجاجية واسعة عارضت سياسات الدولة واستبدادها، فتعددت مطالبها ولكنها توحدت بشكل عام حول مطالب تخص العدالة الاجتماعية والحريات العامة والفردية. هذا بخصوص مبدأ الهوية، أما مبدأ المعارضة فقد كان السبب الرئيسي لاندلاع تلك الحركات الاجتماعية الاحتجاجية في حين يبرز مبدأ الكلية من خلال كل الشعارات التي رفعت. وهي شعارات تخبر عن وعي شمولي بفساد نظام بن علي وعائلته وبرفض الحيف الاجتماعي والظلم. هذه الحركات الاجتماعية الاحتجاجية تتسم بالعفوية وهي تماما مثل ثورة المضطهدين من المرؤوسين بتعبير غرامشي وهو ما يفسر غياب القيادات الذي تساءل عنها الكثيرون. باختصار، هي ثورة في ثوب حركة اجتماعية احتجاجية أدت إلى تغيير رأس النظام وبحكم طبيعتها لم تتمكن من تغيير منظومة الحكم. وهي ثورة متواصلة لأن مطالبها لم تتحقق. فالحركات الاجتماعية عموما تقوم حول مطالب وإذا تحققت مطالبها تندثر وفي حال عدم تحقق مطالبها تتواصل حتى وان كان بشكل متقطع ومتباعد في الزمن، لذلك، يصفها آلان توران بالحركات الاجتماعية «الزوبعة» واللولبية. وهذا ما يفسر تواصل الاحتجاجات والمطالب إلى اليوم. ولسائل أن يسأل: لماذا لم يكن للاحتجاجات المتواصلة نفس ذلك الأثر الذي حدث منذ عشر سنوات؟ الإجابة باختصار شديد، هو أننا لا نعيش نفس السياق الجيو-استراتيجي. فثورات ما سمي «بالربيع العربي» هي نتاج مباشر للأزمة المالية لسنة 2008 ولمتغيرات سياسية دولية ارتبطت بتصدير أزمة الدول الكبرى التي تضررت من تلك الأزمة للدول التي تقع ضمن مناطق نفوذها. هذا من جهة ومن جهة أخرى، هو توجه دولي إلى إعادة تقسيم مناطق النفوذ الدولي بعلاقة بمنطقة الشرق الأوسط الكبير. بكلمة المناخ الجيو-استراتيجي كان له دورا كبيرا في التغييرات التي حصلت في مستوى القيادات السياسية التي كانت تحكم آنذاك، وهذا لا يقلل أبدا من أهمية تلك الانفجارات التي اندلعت في تونس وفي عدد من الدول العربية. فقط، هي عوامل متعددة كانت وراء التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفناها.
○ وانطلاقا من ذلك، ما تقييمك لمسار الانتقال الديمقراطي في تونس في ظل الصعوبات الكامنة؟
• مسار الانتقال الديمقراطي متعثر لأسباب كثيرة، أبرزها:
-عدم الاستقرار السياسي واهتراء منظومة الحكم وهو ما يفسر بروز تيارات شعبوية داخل المشهد السياسي معادية لما تسميه «السيستام» أو منظومة الحكم. وبروز هذه التيارات الشعبوية بوضوح خلال انتخابات 2019 وبعدها ناجم عن فشل النخبة السياسية الحاكمة والمعارضة في إدارة الشأن العام. فالنخب الحاكمة قد اتجهت إلى سياسة التمكين من خلال التعيينات وغيّبت التخطيط لسياسات عمومية تعالج من خلالها القضايا الاجتماعية المطروحة، أما النخب السياسية المعارضة فقد غرقت في نزاعاتها الداخلية وفي يومياتها من دون تقديم بدائل ومقترحات فعلية للخروج من أزمة اجتماعية واقتصادية بلغت مداها اليوم.
-اختلال التوازن الحزبي في البلاد وتشتت القوى الديمقراطية والحداثية وعدم استيعابها لمتطلبات اللحظة السياسية، وهو ما أفرز برلمانا يعيش مناخا مبوءا ساهم في مزيد ترذيل الحياة السياسية وابتعد عن هواجس الناس
-حكومة تتأرجح وبلا رؤية وبسياسات غير ناجعة، فهي مرتهنة للتوازنات السياسية في برلمان عديم بطبيعته.
-غلبة ثقافة الغنيمة التي تعممت تدريجيا وبأشكال متنوعة سواء في مستوى النخبة السياسية أو حتى في صلب المجتمع ومظاهر ذلك كثيرة.
هذه العناصر التي تشخص ما نعيشه مرتبطة بعوامل كثيرة. فالثورة التي اتخذت ثوب حركة اجتماعية احتجاجية هي ثورة مطلبية وليست ثورة منظمة لها بديل أو بدائل مسبقة، هذا جانب وفي جانب آخر، باعتقادي أن الاختلاف الحاصل في فهم ما جرى في تونس وبقاء النخبة السياسية (القديمة والحديثة التي تشكلت بعد 14 يناير 2011) تحت وقع صدمة ما حدث وجريها المتلاحق وراء الأحداث قد أفقدها السيطرة على مآل «الثورة» بحيث لم تتمكن من تقديم البديل ومن بناء المشروع. فكل عائلة سياسية تفتتت أكثر من ذي قبل وتكوّمت حول هويات ذاتية-جماعية وانحسرت تدريجيا إلى حد الاندثار أو غياب الفعل. وحاليا، نحن نشهد تفكّكا تدريجيا للدولة وضعفا حقيقيا لها. وتجدر الملاحظة أن هناك، قوى سياسية تعمل منذ البداية على تفكيك الدولة والمجتمع لأنها أصلا ضدّ الدولة الوطنية ومكتسباتها. أما القوى اليسارية والتقدمية والديمقراطية فقد تنافرت وتشتتت رغم أنها في الأصل قد عارضت استبداد الدولة ولم تعارض الدولة ومكتسباتها الحداثية فخلقت بالتالي فراغا يصعب ملؤه الآن ما لم تتوحّد حول مشروع جامع سوسيو-ثقافي وسياسي جامع تطوّر من خلاله مكتسبات الحداثة وتأسس بذلك الدولة الديمقراطية المنشودة. فيما عدا ذلك وبحكم طبيعة الثورة كما فسرتها أعلاه، فإن الاحتجاجات ستتواصل وستشهد تونس هزات اجتماعية كبرى مباشرة بعد الخروج من أزمة كورونا، وذلك كنتيجة لمخلفات الأزمة الصحية ولكن أيضا كنتيجة مباشرة لعدم تحقق مطالب الثورة واستفحال البطالة والفقر والتهمش. فالهوة اليوم بين الدولة المجتمع كبيرة جدا.
○ كيف تفسرين ظاهرة السياحة الحزبية في تونس وتأثيرها على استقرار المشهد السياسي والأزمة السياسية الحاصلة والدستورية كيف يمكن الخروج من هذا النفق؟
• مشكل تونس اليوم، أعمق من مشكل السياحة الحزبية، بل أن السياحة الحزبية هي أحد تجليات عدم الاستقرار الحزبي في بلادنا. فبعد 14 يناير وعقب ذلك الانفجار الاجتماعي شهدنا انفجارات أخرى، منها انفجار حجم الجمعيات وحجم الأحزاب. ولئن كان ذلك يؤشر على رغبة المواطنات والمواطنين في المشاركة في الحياة العامة إلاّ أن ذلك يمثل عائقا حقيقيا في خلق مشهد سياسي متوازن. فتعدد القوائم الانتخابية الحزبية والمستقلة قد ساهم في تواصل انخرام المشهد السياسي. وهذا المشهد لن يتغير مع وجود القانون الانتخابي الحالي، كما أن التوجّه نحو نظام برلماني لن يساعد على الاستقرار المنشود. ولتغيير هذا المشهد من الضروري التوجه لتعديل النظام الانتخابي والنظام السياسي وتعديل قانون الأحزاب بما يضمن شفافية بخصوص التمويل وخاصة بما يضمن توحيد الأحزاب التي تنتمي لنفس العائلة السياسية وذلك من خلال السماح بتكوين أحزاب كنفدرالية كخطوة لتوحيد العائلات السياسية. فالأحزاب الكنفدرالية تمكّن من استقلالية نسبية للحزب الواحد داخل الكنفدرالية التي ينتمي لها لأنها تضمن الوحدة في إطار التنوع وهذا حل ظرفي لأن الجميع متمسك بــ»حانوته السياسي» حتى وان بقي فيه أربعة أنفار. وهذا كله يتطلّب إرادة سياسية تتجه إلى تنظيم المشهد السياسي وهو غير متاح في ظل ما نعيشه اليوم.
بكلمة، نحن اليوم عالقون في صراع ونزاع هلامي بين الرئاسات الثلاث ونعيش وضعا غير مسبوق. وهو وضع يتطلب تنازلات وجلوسا حول مائدة الحوار وهذا صعب اليوم أو بعيد المنال، لذا، رأيي يتجه إلى تكوين تحالف اجتماعي بقيادة المنظمات الوطنية الاجتماعية، ويشمل مؤسسات المجتمع المدني والشخصيات السياسية المستقلة والحزبية ويتجه إلى اقتراح خريطة طريق للخروج من الأزمة، ويمارس الضغط على الدولة ومؤسساتها لغاية اعتماد مقترحاته. ما من مخرج آخر لبلادنا غير هذا التحالف الاجتماعي الذي ترافقه صحوة اجتماعية واسعة. فيما عدا ذلك، ينتظر بلادنا المزيد من الانهيار وارتهان أكثر عمقا للبلدان المتنفذة. لن أبالغ عندما أقول إن سيادة الدولة التونسية مهددة اليوم.

○ تشهد فلسطين انتفاضة جديدة في وجه المحتل الغاصب فما مستقبلها وكيف تقرئينها من وجهة نظر بحثية واجتماعية خاصة انها أسست لمشهد جديدة ولوحدة فلسطينية غير مسبوقة رغم الانقسام السياسي؟
• الوحدة الفلسطينية دائما موجودة بشكل أو بآخر، هذا أولاّ، وثانيا القضية الفلسطينية هي آخر قضية احتلال موجودة اليوم على الأرض، وهذا للأسف الشديد. ولقد عرفت هذه القضية تطوّرات عديدة واتفاقيات متنوّعة وقرارات دولية متعدّدة وبقيت جميعها حبرا على ورق. فهذه القضية التي تمثل نبض الشعوب العربية قد كانت دائما خاضعة لكل التوازنات الدولية ولمصالح جيو-استراتيجية. فالمحتل هو الابن المدلل للدولة الكبرى المتنفذة وما يحدث اليوم هو استكمال لبرنامج تهويد القدس في اتجاه السيطرة الكاملة على الأراضي الفلسطينية. ويحدث هذا في ظل ضعف دول الممانعة التاريخية وفي ظل استنزاف لعدد من الدول العربية التي عرفت «الثورات» على أنظمتها، وفي متن برنامج تطبيع ممنهج سيقضي على ما تبقى من مقاومة للاحتلال إذا استمر ولم يتم وضع حد له.
اليوم فلسطين تنزف، والحصار يشتد والشيء الوحيد الذي ما زال حقيقيا هو صمود الفلسطينيين أنفسهم أمام العدوان الغاشم ويسندهم في ذلك، رأي عام عربي ودولي رافض للمجازر وللانتهاكات. هذا الرأي العام الرافض هو نفسه اليوم مستهدف من خلال محاولات التعتيم حول ما يحصل في الأراضي الفلسطينية. فقد شهدنا منعا للمناشير من خلال حجب صفحات على فيسبوك وتوتير وانستغرام. وهي شركات تتحكّم فيها الدول الكبرى. وهذا مؤشر على حجم الهيمنة التي تمارس على الفلسطينيين وعلينا جميعا. فانتفاضة الشعب الفلسطيني هي واحدة من سلسلة انتفاضات أخرى والنضال من أجل هذه القضية العادلة سيستمر إلى حين إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. ومما لا شك فيه أن هذه الانتفاضة الجديدة ستزيد في تعميق الروابط الفلسطينية التي تجمع بين فلسطيني 48 وفلسطيني 67 ولكن أيضا، قد ساهمت في تحريك الرأي العام الدولي من جديد وأيقظت الشعوب التي انغمست في يومياتها المقيتة. وقد يكون لضغط الرأي العام بعض الأثر إذا تمكّنت الدبلوماسيات المناصرة للقضية الفلسطينية من لعب دور إيجابي وضاغط أيضا. فالنصر لفلسطين ذاك هو المبتغى.
○ كمدافعة عن قضايا العدالة الاجتماعية والحريات، كيف تنظرين إلى ظاهرة العنف الأسري خاصة بعد تزايد حوادث قتل النساء في محيط أسرهن والتي أخذت حيزا واسعا لدى الرأي العام التونسي؟
• العنف داخل الأسرة الموجه ضد النساء هو أقصى شكل من أشكال التمييز وهو جريمة يعاقب عليها القانون اليوم في تونس بمنطوق القانون عدد 58-2017. والعنف بكافة أشكاله ضد النساء ظاهرة اجتماعية ناجمة عن نظرة دونية للنساء مترسخة في المتخيل الجمعي. فلعقود عشنا ونعيش مع التساهل مع هذه الظاهرة المطبّع معها اجتماعيا. وهي ظاهرة ظلت لسنوات مسكوتا عنها، وآثار القانون عدد 58-2017 الذي يجرم العنف لن نشهدها إلاّ بعد سنوات أخرى. فباعتقادي، سيساهم هذا القانون في تغيير العقليات الاجتماعية وفي الحد من ظاهرة العنف المسلط على النساء. كما أن الإدانة الاجتماعية الواسعة التي نشهدها اليوم كلما تعرّضت امرأة للعنف قد بدأت في خلق رأي عام مناهض للعنف بكافة أشكاله وهذه بداية لتشكّل وعي جديد سيساعد على نشر ثقافة اللاّ عنف.
○ كيف تنظرين إلى واقع المرأة التونسية وما النقائض في معركتها من أجل المساواة وتثبيت الحقوق والمواطنة الكاملة؟
• النساء في تونس يتمتعن بمكتسبات كثيرة تميزهن عن النساء في باقي البلدان العربية، ولهن حقوقا ترجمتها قوانين متنوعة تطوّرت على امتداد عقود من الزمن وشهدت انتصارا لها في دستور 2014 ومن خلال القانون عدد 58-2017 ورغم ذلك، معركة المساواة التّامة والفعلية والنضال ضد العنف المسلط على النساء وإلغاء كافة أشكال التمييز متواصل. فلئن كانت القوانين تحمي الحقوق وتساهم في تغيير العقليات إلاّ أن المشكل يظل في الثقافة المجتمعية التي ما زالت دون التشريعات بكثير. فالثقافة الاجتماعية الأبوية ما زالت تكرّس فعل التمييز وما زالت تنظر للنساء نظرة تختزلها كأنثى ولا تنظر لها كإنسان وكذات فاعلة في المجتمع. هذا من جانب ومن جانب آخر، على الرغم من أن دستور 2014 قد أقر المساواة بوضوح ودون تمييز إلا أن القوانين الجاري بها العمل ما زالت غير مواكبة لما جاء في الدستور. بمعنى آخر، لم يتّجه النشاط التشريعي في البرلمان إلى تغيير النصوص القانونية التي أصبحت في تعارض مع الدستور هذا بالإضافة لعدم وجود محكمة دستورية تمكّن من استقبال الطعون. فعلى سبيل المثال، الفصل الخاص بالميراث في مجلة الأحوال الشخصية هو فصل متعارض مع الدستور ومع الفصل 21 منه. كما أن المواطنة كمضمون وكسلوك وكمبادئ مرتبطة بها ما زالت بحسب رأيي بصدد التشكّل والترسيخ. فالمواطنة تتطلب استقلالا تدريجيا عن كل البنى الجمعية من أسرة وعشيرة وعائلة…ألخ ونحن ما زلنا نعيش ثقافة جمعاوية تحيل الفرد للجماعة، فالفرد لا قيمة له في مجتمعنا كفرد وانما يستمد قيمته من الجماعة التي ينتمي إليها وهذا لا يخص النساء فقط بل وأيضا الرجال، لذا معركة ترسيخ الثقافة الديمقراطية في صلب المجتمع متواصلة، وتتطلّب تنشئة اجتماعية وسياسية طويلة المدى لغاية استبطان فعلي للثقافة الديمقراطية في ظل مجتمع محافظ وغير متخلّص من نزاع هووي يعيشه منذ عقود. فالتأرجح بين قيم الحداثة والتقليد إشكالية متواصلة، كتب عنها محمد عابد الجابري وأركون وغيرهما وفسّروا أسبابها وعمقها.
○ كباحثة وأكاديمية ما هي مشاريعك البحثية المقبلة وما أبرز منجزاتك ومؤلفاتك؟
• أميّز بين نوعين من النشاط: الأوّل، نشاط مرتبط بصفة الأستاذة الباحثة، والثاني مرتبط بما أحمله من هواجس متنوعة كفاعل اجتماعي. فبخصوص الأنشطة البحثية، الآن أشتغل على ظاهرة الشعبوية ومع نهاية حزيران/يونيو أكون قد أنهيت مقالين حول هذا الموضوع باللغتين العربية والفرنسية. وهي مساهمات في ندوتين دوليتين إحداهما مرتبطة بالمؤتمر الدولي لعلماء الاجتماع والثانية مرتبطة بفعاليات ندوة من تنظيم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. فيما عدا ذلك، تتواصل نشاطاتي المتعدّدة كمواطنة وناشطة في الحقلين المدني والإعلامي، فأنا أساهم مع فريق برنامج مونيتورينغ وهو مجلة إعلامية تُعنى بالتعديل الذاتي للقطاع وبالتربية على وسائل الإعلام. وهذا نشاط أعتبره مهما فهو مرتبط بالفعل الاجتماعي في المجال العام لأنه يسهم في التأسيس للديمقراطية ولإعلام مستقل وحر وبعيد قدر الإمكان عن التجاذبات السياسية. إلى جانب ذلك، ومع بداية شهر آب/اغسطس تصدر لي رواية شظايا المودعة الآن في دار النشر أرابيسك، وهي تعبير عن هواجس وآلام إنسانية في سياق ما يحدث في تونس. فالكتابة الأدبية متنفس انفعالي ونوع من العلاج النفسي ومجال واسع من حرية التعبير. وألجأ لها كلما أحسست بالاختناق وبالألم وكلما رغبت في التحرّر من ضوابط الكتابة العلمية التي تتطلب الصرامة والدقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية