رجائي رفيق المصري مع الموجات الشعبية العارمة التي تجتاح العديد من الدول العربية المجاورة للأردن والمطالبة بتغييرات وإصلاحات جذرية تطول الأنظمة السياسية وكافة المناحي السياسية بهدف تحقيق التمثيل الديمقراطي الصحيح، فإن إمكانات وفرص تحقق مثل تلك الإصلاحات في الأردن بمفهومها المجرد والعريض وحسب ما هو متعارف بالعرف السياسي المطلق والواسع نظريا وحسب ماهو متأصل في الثقافات السياسية للدول المتقدمة، لهو أمر بعيد المنال وربما يكون مدعاة للفوضى وزعزعة الأمن في الحالة الأردنية المحكومة بتناقضات ديمغرافية متجذرة وواقع عشائري فريد ومميز. بدءا ذي بدء، ولكي يأخذ هذا البحث منحاه الموضوعي المجرد والهادف، فعلي أن أقر، وبتحفظ شديد، كمحلل سياسي إعتاد تناول العديد من شتى المواضيع السياسية، عن عدم معرفتي وإلمامي الدقيق بالتعقيدات السياسية ومجرى الأحداث السياسية في الأردن وتداخلاتها، خاصة ما لها صلة بالإحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح، إذ على الرغم من تشرفي وسعادتي بالإنتماء لهذا البلد الطيب وحملي للجنسية الأردنية، إلا أنني أجد نفسي عاجزا عن تكوين منظور واضح ورؤى بعيدة لما ستئوول إليه الأمور والمنتهى البناء للمطالب الجماهيرية غير المتسقة والغير متناسقة من حيث الغايات والأهداف وحتى النوايا المبيتة والمصرح بها. يتفرد الأردن عن باقي الدول العربية التي تمر في مخاض وتجربة الإندماج في برامج الإصلاح السياسي الجادة والمتسارعة عبر أهداف جماعية واضحة، عن غياب الإجماع في مفهوم وأغراض والأهداف البعيدة لمسعى تحقيق إصلاحا حقيقيا ناجعا يتوائم مع تحقق أهداف المصلحة العليا الجامعة لكافة فئات وافراد المجتمع الأردني على تنوع مشاربهم وخصوصياتهم وخلفياتهم. يتفرد الأردن بالتناقض الذريع في مفاهيم وتطلعات والمنظور البعيد للإصلاح السياسي المنشود وذلك بتعدد بل وتضارب طموحات وأغراض بعض الفئات العريضة النافذة التي يصلح في تسمية توجهاتها وانحصار إهتماماتها بالجهوية والفئوية، وذلك حكما بصدق التعبير بمواجهة الحقائق الدامغة ومن واقع خلفيات وحقائق ثابته غير منوطة بالإدعاءات والشكليات ومظاهر الأمور غير الصادقة. لقد تملكتني الحيرة عند عزمي إختيار عنوان لهذا المقال ما بين العنوان المبين أعلاه وعناوين أخرى لاتقل تعبيرا عن كنه وفحوى الموضوع على مثال: ‘الأردن: المعادلة السياسية المستعصية ما بين مطرقة المواطنة الحقة وسندان العشائرية المتأصلة’. وذلك، إلى جانب عنوان آخر معبر ومحير على مثال: ‘الإصلاح في الأردن: إلى أين؟’ إذ أن السمة المميزة والطاغية في حقائق التركيبة السكانية للأردن هو ضغط التمثيل العشائري المتجذر في الواقع الحياتي والهوية الوطنية ذات الصبغة الشرق أردنية، الأمر الذي يحيل أي مبادرات للأصلاح السياسي الجذري في الأردن ضمن المفهوم والمنظور السياسي المجرد الذي يتحقق ضمن أهدافه البعيدة المواطنة الصادقة، العدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص، إلى أمر بعيد المنال. إن أساس أي توجه حقيقي وناضج لتحقيق الإصلاح السياسي العريض لترسيخ مفاهيم الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص للجميع ينطلق من إقرار حقوق المواطنة والذي نبراسه الهادف الحق العادل في التمثيل السياسي لكل فرد من أفراد المجتمع على منحى الشعار الملزم ‘One Man One Vote ‘ والذي تتحقق بموجبه المواطنة الحقيقية الصالحة أساس العدالة وترسيخ دعائم الأستقرار السياسي والسلام الأهلى والتنمية والنمو الإقتصادي والإجتماعي المتواصلين. تتناقض طروحات الإصلاح السياسي لبعض الفئات المتنفذة ذات العمق والتمثيل العشائري الشرق أردني العريض مع مفاهيم المواطنة الحقة بمفهومها المجرد والهادف ويحكمها في غالب الأمر وفي الظاهر هواجس مغالا بها تتعمد بغير مبرر التفرد والإقصاء، إذ غالبا ما يختلط في طروحات هذه الفئات الذي يصدق في تسميتها بالجهوية تحميل تبعات التوجس من فرضيات نظرية ذات تصور خارجي محتمل على حقوق وواجبات المواطنة بالمنظور الموضوعي المجرد والهادف. فما يسمى هاجس التخوف من إمكانية تحقق ‘الخيار الأردني’ يتحول إلى مطالب محددة لهذا الفريق المتنفذ للحيطة الغير مبررة بالمطالبة بالمزيد من التضييق وتقليص الحقوق لفئة واسعة من المواطنين الأردنيين من الأصول الفلسطينية، بحيث يستحيل معه تحقيق الإصلاح السياسي بمفهومه البعيد المجرد وذلك نظرا لنزع سمة وحقوق المواطنة الملازمة لأي إصلاح جدي ودائم. سيترتب على تحقق أي إصلاح سياسي فعلي وحقيقي في الأردن كمثيلاته في جمهورية مصر العربية والجمهورية التونسية وحركات الإصلاح في الدول العربية الأخرى الإقرار أولا وأخيرا بحقوق المواطنة على قدم المساواة والشفافية وبالتمثيل العادل على أسس ‘One Man One Vote’، الأمر البعيد المنال بحكم هيمنة التركيبة العشائرية وشبه إستفرادها بشئؤون الدولة والقطاع العام، خاصة في المواقع الهامة والحساسة في أجهزة الدفاع والأمن والمخابرات والتمثيل الدبلوماسي والمواقع الرئيسية في الدولة وتأثيرها المضاعف على صنع القرار والذي يضحي الطروحات المستجدة للإصلاح السياسي عاملا إضافيا للنفوذ والسيطرة والتفرد والإقصاء مما يفرغ أي توجه للإصلاح السياسي من مضمونه المنشود. كاتب من الاردن