مهدي نصير لم يتعرَّض عبر التاريخ البشري شيء للتهميش والحرب والهجوم كما تعرَّضت له الأسطورة العربية، بحيث وصلتنا مُهشَّمة ومكسَّرة ومطعوناً بها وبشرعيتها وبدورها، وبحيث تمت شيطنتها وتم إدخالها في باب الخرافة والشعوذة وطفولة العقل والتاريخ البشري، مع أنها المُنتج الأصيل الذي تزاوج فيه تاريخ الظل والهامش ومنتجاته مع أدوات النخب العالية المنتمية لهذا الهامش التي وظَّفت هذا التاريخ واختزنته وكثَّفته عبر تصعيد الخرافة والحكاية الشعبية والأحداث اليومية الجماعية وإزالة الرُّتوش والطين وتمويهها وتكثيفها وتضمين جوهر التاريخ الحقيقي للهامش من خلال مزاوجته أيضاً بالطبيعة وحركاتها التي لا تعرف التزييف والكذب.
كأن ذلك كان وعياً عميقاً بالعلاقة بين الطبيعة والتاريخ كأحد أبنائها المشاكسين، فكانت هذه المزاوجة العنيدة بين الأسطورة والطبيعة والهامش كمولِّد حقيقي للتاريخ.
وكأيِّ مُنتجٍ إبداعي للتاريخ البشري تعرَّضت الأسطورة في دورة حركتها للتشويه والسَّطو والتزوير بوعي حيناً وبدون وعي أحياناً أخرى، ولكنها مع ذلك بقيت محافظةً على هيكلها ودورها وتمارس خطاباً شعبياً متحرِّكاً كان قادرا على ضبط حركة النّموّ العشوائية والمُرَّة للتاريخ. في الثقافة الغربية لم يكن هناك عداء واضح بين الأسطورة والسلطة وبقيت الأسطورة تتناسل وتتخلل حركة المجتمع، وبقيت الشخصيات الأسطورية اليونانية والرومانية موجودة وتم إحياؤها ونقلها عبر الصيغ المتطوِّرة لحركة المجتمع، فقد دخلت في المسرح الغربي وتم استلهامها في كثير جداً من الأعمال الموسيقية والشعرية والتشكيلية والسينمائية والتعليمية، حتى في الصناعة والدعاية والإعلام تم استخدام هذه الأساطير وشخصياتها في كثير من الأسماء التجارية لمنتجاتهم، وبالتأكيد لم يتم هذا عشوائياً وإنما بُني عبر الفجوة الموجودة في الحضارة الغربية والتي لم تُعاد الأسطورة بشكل مطلق.
بالمقابل وفي الحضارة العربية الإسلامية تمَّ إقصاء الأسطورة وتكفيرها وشيطنتها وإبعادها قسراً عن الحيِّز الثقافي للمجتمع وأدوات إنتاج الثقافة الشعبية وأدوات إنتاج المزاوجة بين الثقافة الشعبية وإنتاج النخب العالية، التي كانت تقوم بدور بلورة وفلترة الوعي والتاريخ الشعبي عبر إعادة إنتاج الأسطورة كتاريخ متحوِّل للهامش (الذي هو التاريخ الحقيقي للتاريخ) . ولإحكام القبضة السلطوية المقدَّسة الواحدة التي لا تقبل شريكاً في الثقافة العربية تمَّ قتل الأسطورة وما زال دمها يسيل حتى الآن في شوارع المدن العربية تستصرخ التاريخ صباح مساء على هذا القتل الرمزي الذي أسال دم التاريخ العربي وبقي ينزف حتى أُغمي عليه ودخل في هذه الغيبوبة التاريخية المُرعبة.
عبر التاريخ الإنساني كان يدور هذا الجدل بين السلطة (العقيدة) والتاريخ (بالمعنى الفلسفي) عبر جدل الأسطورة كممثل للتاريخ الحقيقي والسلطة كممثل للتاريخ الشكلي السلطوي الانتقائي وكان يتم عبر هذا الجدل الوصول لحلول والارتقاء بقيمة الهامش واعتبار هواجسه وطموحاته ودخولها في المخطط العام للسلطة وأدواتها ومشاريعها، فبقاء الأسطورة في الثقافة الغربية أعطى للهامش قوَّة التعبير وأعطته منبراً حاضراً ومؤثِّرا في جدل التاريخ والسلطة وهذا ما لم يحظَ به الهامش العربي (التاريخ العربي) فكان هذا الهامش عبر التاريخ بدون منبر وبدون صوت وبدون أدوات وبدون ممثلين حاضرين في الصورة، مما أدى إلى هذا النمو المشوَّه للعلاقة بين الهامش (الشعب التاريخ الناس) والسُّلط الحاكمة في المجتمعات العربية من دينية وسياسية.
حتى في الثقافة والإبداع الثقافي العربي لم يجد المبدعون العرب مخزوناً أسطورياً يمكنهم الإتكاء عليه وإحياءه فذهبوا من دون وعي إلى أساطير الشعوب الأخرى بكثافة كنوع من التعبير عن فقدانهم لهذا المكوِّن العميق والضروري لإيجاد مُعادل ومنبر للهامش أمام تغوُّل السلطة في مجتمعاتهم وتفرِّدها المطلق، فالسلطة في المجتمعات العربية سلطة في جوهرها مُطلقة وليست مُطلقة برغبة من يمارسونها فقط وإنما لعدم وجود منبر آخر وصوت آخر يوقف تفرُّد هذه السلطة المطلق. التاريخ العربي كان وما يزال يسير أعرج لوجود خلل تكويني عنيف أقصى صوت الهامش ومنبر الهامش وقتل أدواته التاريخية الحقيقية القادرة على إدامة وجوده والتعبير عن طموحاته وأحلامه ومخاوفه وهواجسه وهو يُقاتل الآن بجسده المباشر بعد أن فقد وفرَّط بكل أدواته عبر التاريخ الدموي للإقصاء الثقافي لصوت الآخر الذي مارسته السلطة بكافة أشكالها التي تقلَّبت على قيادة هذه المجتمعات العربية.
لذلك لا بد من ثورة ثقافية عربية ومعلنة وواضحة وقوية يقودها مثقفو الأمَّة لإعادة الاعتبار والتوازن إلى هذه المعادلة التي هي الوحيدة القادرة على إدامة وتطوير العلاقة بين السلطة والتاريخ وبغير ذلك سنبقى ندور في حلقة مُفرغة ونقتات على منابر الشعوب الأخرى وأساطيرها المؤسِّسة لثقافتها وعقدها الاجتماعي وسنبقى ننزف حتى نموت ونخرج من التاريخ، فالتاريخ قاس ولا يحتمل البلهاء.’ شاعر من الاردن