هواجس ومخاوف من فوضى عامرة في الضفة الغربية
عمان-»القدس العربي»: يملك الأردن اليوم دليلا عمليا وملموسا على كلفة الفوضى وارتفاع فاتورة التصعيد الإقليمي وصراع الأجندات، ويعتقد أنه قدم ببساطة لوزير الخارجية الأمريكي انتوني بلينكن بالتلميح والتصريح على هامش وقفته الأخيرة في عمان في إطار المهمة الصعبة التي تحمل إعلان «تثبيت وقف إطلاق النار» .
سمع الوزير بلينكن كلاما مثيرا في العاصمة الأردنية عن هواجس صعود العنف وسعي اليمين الإسرائيلي لتنشيط الصراع الديني.
وسمع ملاحظات قد لا يعلمها سابقا عن كيفية تحرش الإسرائيليين بالوصاية والرعاية الأردنية الدينية على أوقاف القدس المسيحية والإسلامية.
وسمع بالضرورة حيثيات رقمية لها علاقة بالمستوطنات وأخرى لها علاقة بالآلية الخطيرة التي تتبعها حكومة تصريف الأعمال الإسرائيلية في تسلل وتسريب اليهود المتطرفين جدا إلى الدولة العميقة في الكيان وتحديدا في الهياكل الأمنية والعسكرية مما قد يغرق المنطقة لسنوات في صراع ديني يسمح مجددا باستنساخ الإرهاب بل أصنافه.
خطط الأردنيون وهم يستقبلون الوزير بلينكن إلى دفعه أكثر للانخراط وإلى ترسيم جولته اليتيمة حتى الآن في الشرق الأوسط إلى ما هو أبعد من هدفها المعلن المتعلق بوقف إطلاق النار.
أعدت تقارير خاصة للوزير الأمريكي ووجهت له في الأثناء ملاحظات استشعارية تحاول فهم ما الذي تفكر فيه إدارة البيت الأبيض والخارجية بخصوص ملف الإصلاح السياسي في الأردن وفلسطين مع استشعارات أخرى تبحث في استمرار ضخ حصة الأردن من الاقتصاد بسبب الظروف المعيشية الصعبة والمعقدة والتي يزيد تعقيدها الاستنزاف الأمني.
عبرت الغرفة الأردنية عن هواجس ومخاوف من فوضى عامرة في الضفة الغربية قد تؤدي إلى انهيار منظومة التنسيق الأمني للسلطة الفلسطينية إذا ما بدأت اشتباكات مسلحة بين فلسطينيين في الضفة ومستوطنين إسرائيليين وأصبح لاحقا من الصعب أن تهدأ أو تنتهي.
هواجس عمان التي وضعت على طاولة بلينكن تطرقت أيضا إلى مكاسب كبيرة تحظى بها إيران ومحور الممانعة بسبب طبيعة تصرفات اليمين الإسرائيلي مع التحذير من ان بقاء الحصار على أهل قطاع غزة ووضعهم المعيشي الكارثي يخدم المتشددين في حماس والمقاومة فقط.
بكل حال سعت عمان للاستثمار جيدا في زيارة بلينكن على أمل ان تمهد وفي إطار الاشتباك الدبلوماسي لزيارة مؤجلة كان يخطط لها إلى واشنطن الملك عبد الله الثاني شخصيا.
ثمة ملفات كثيرة وضعها الأردنيون على طاولة الوزير الأمريكي في سباق لاستثمار وقت الزيارة بعد الغياب الدبلوماسي الأردني عن اتصالات ومشاورات التهدئة ووقف إطلاق النار واستبقت استقبالات بلينكن ووفده بعد احتفالات عيد الاستقلال بتربيط وتشبيك القيود مع القيادة المصرية حيث حضر الوزير الخارجية المصري سامح شكري لعمان في إطار التنسيق وطلب منه التحدث مع الوزير بلينكن بلسان واحد وبلهجة موحدة قدر الإمكان خصوصا في العناوين العريضة للقضية الفلسطينية.
يأمل الأردنيون بان تصبح نقاشاتهم مع بلينكن ليس فقط فرصة للتشاور أو لتلقي التعليمات والمعلومات بل فرصة أكبر لتنسيق يتميز بالديمومة. فحسب المحلل الاستراتيجي الأردني الدكتور عامر السبايلة، عناصر الحضور والغياب والاشتباك فيها خلل وقصور دبلوماسي واضح عند الحكومة الأردنية والوقوف فقط على قاعدة التصريحات سواء كانت متشددة أو فيها ليونة ليس بديلا عن الاشتباك في الدور والبقاء ضمن مساحات الفعل والتأثير.
يقترح السبايلة أن بلاده ولأسباب متعددة في منطقة أبعد من المعتاد والمطلوب في التأثير بالأمريكيين والإسرائيليين جراء مجازفات في إطلاق تصريحات لا تقرأ الواقع الموضوعي.
وقبل ذلك كانت «القدس العربي» قد سمعت تقييما من وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر يعتقد فيه بأن البقاء في هامش المناورة الإعلامية لا يحقق المصالح المطلوبة مقرا بأن ترديد عبارة حل الدولتين لا يعني شيئا الآن وبأن عمان ليست موجودة سياسيا ودبلوماسيا على الأرض وفي الميدان الفلسطيني، وتلك مسائل ينبغي حسمها وطنيا قبل الخوض بأي نقاش منتج مع الأمريكيين أو غيرهم.
لذلك وبعيدا عن ما يؤشر عليه السبايلة والمعشر توفرت بزيارة بلينكن معطيات تسمح لعمان بسرد قصتها من زاويتها مع تكرار الثوابث وما يراه سياسيون خبراء ان الطاقم الذي يفترض ان يدير الاتصالات مع بلينكن وطاقمه لم يكن جاهزا، لأن الأمريكي لن يتأثر بترديد وتكرار ثوابت الموقف السياسي بل يتأثر كما يقترح سبايلة بهوامش المناورة ووضع الحلول والمعالجات ليس نظريا فقط، الأمر الذي يعتقد بصعوبة تحقيقه حتى وان اهتم الأمريكيون بالإصغاء مع النخبة والأدوات التي تدير الشؤون محليا الآن.
بمعنى أخير يفترض ان لا تقف زيارة بلينكن عند حدود الإصغاء المتبادل، فالأردني اليوم مطالب بخطة مقنعة منتجة قابلة للإنجاز وعناصر الحراك الدبلوماسي الأردني مقيدة باعتبارات أمنية أحيانا ومتكلسة أحيانا أخرى جراء النقطة المهمة جدا التي يلفت الدكتور المعشر النظر لها وهو يناقش المشهد مع «القدس العربي» بعنوان غياب الفعل الأردني في عمق الميدان والأرض الفلسطينية.