مقاهي بيروت القديمة: حين يتحول التاريخ إلى معالم وذكريات

عبد معروف
حجم الخط
0

بين الأمس واليوم اختلفت الحياة اختلافا كليا في بيروت، وتبدلت المعالم القديمة وأصبحت ذكريات يرويها أهل بيروت ومن عاش فيها أو تمكن من زيارتها، بعد أن تمكن مسار الحياة من مسح الكثير من المعالم والعادات والتقاليد، لتحل مكانها أخرى طاردة.
ومن بين المعالم التي طالها التغيير والتبديد، مقاهي بيروت القديمة التي تحولت إلى ذكريات يصفها أهل بيروت بـ»الجميلة». فهي اليوم ليست كما كانت في الأمس، وإذا كانت مقاهي بيروت خلال عقود مضت شعبية للترويح عن النفس بعد عناء العمل واللقاء مع الأصحاب، والأركيلة، ولعب الطاولة والورق ومناقشة أمور حياتية مختلفة، وأيضا نواد ثقافية للأدباء والصحافيين والمثقفين والفنانيين، فقد تحولت اليوم إلى أماكن سياحية وللمتباهين بقدرتهم المالية على دفع ثمن فنجان القهوة.
وثقافة المقاهي في بيروت قديمة كما يشير كتاب صدر حديثا عن دار النهار عنوانه «مقاهي بيروت الشعبية» لمؤلفه شوقي الدويهي أستاذ مادة الأنثربولوجيا في الجامعة اللبنانية. ويستعرض الدويهي في كتابه في سوسيولوجيا المقاهي البيروتية، التسليات القديمة التي كانت تشهدها المقاهي، لحين ما استغنى الزبون عن تلك التسليات واكتفى بمطالعة الصحف والمجلات وتبادل الأحاديث. والتطور بدأ ضمن زمن ثقافي منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، وتزامن هذا التطور مع حاجات اقتصاديات السياحة، فكانت أسماء مثل «الهورس شو» و»الدولشفيتا» و»ألدواردو» و»الحاج داوود» وغيرها قد سكنت الذاكرة وجعلت من بيروت حلما من أحلام اللبنانيين والعرب.

مرتادوها ومستوياتهم

تغيرت الحياة كثيرا في بيروت وتغيرت المقاهي التي كانت من أبرز معالمها التراثية ونواديها الثقافية.
كانت قيمة مقاهي بيروت في ما مضى، بمرتاديها ومستوياتهم في المجتمع، أهل الثقافة والصحافة والسياسة والفكر والأدب، كانت مقاهيهم قهوة الحاج داوود في شارع الحمرا، والقزاز في الجميزة، والكوزموس في باب ادريس، والدولشي فيتا ودبيبو مقابل صخرة الروشة، والانكل سام قرب الجامعة الأمريكية والاكسبرس أول شارع الحمرا، والهورس شو وكافيه دو باري، وويمبي، والمودكا، كان للزبائن الدائمين طاولاتهم وجلساتهم، ولا يمنع أن يدخل المقهى السياح والعابرون من المارة.
وكان رواد المقاهي القديمة خاصة بداية الستينيات من القرن الماضي هم من القوميين العرب، والبعثيين، والناشطين اليساريين.
والمقاهي الشعبية تقليد عثماني نشأ في القرن التاسع عشر وتطورت شعبيا مطلع العشرين إلى أن تحولت إلى نواد ثقافية في النصف الثاني من القرن الماضي بعد نمو الحركة القومية واليسارية في المنطقة وانطلاقة الثورة الفلسطينية وتطور نشاط الحركة الوطنية اللبنانية.
وكان من أبرز رواد المقاهي البيروتية القديمة، الأخطل الصغير وأمين نخلة ومحمد شعيب العاملي، ورئيف خوري وأحمد الصافي النجفي، ومحمد مهدي الجواهري خلال زيارته لبيروت، وخليل حاوي، وتوفيق صايغ، وكمال ناصر، وشفيق الحوت، ومن الشعراء محمود درويش، ومحمد علي شمس الدين، وشوقي بزيع، وعصام العبد الله، ومحمد الماغوط، وعاصم الجندي وأدونيس وآخرين .

منذ العهد العثماني

يؤكد الأستاذ في كلية الإعلام الدكتور فاروق الجمال الباحث في تراث بيروت، أن المقاهي الشعبية كانت معلما تراثيا عرفه أهالي العاصمة منذ العهد العثماني، وشكلت منذ ذلك الوقت مكانا يجتمع فيه أهالي بيروت، كما شكلت المقاهي بعد منتصف ستينيات القرن الماضي نواد ثقافية اجتمع فيها المثقفون والشعراء والأدباء والسياسيون لمطالعة الصحف والمجلات ولتبادل الأحاديث والمناقشات السياسية والفكرية.
لذلك فإن المقهي كما يقول الجمال لـ»القدس العربي» هو رمز شعبي وثقافي مديني، ويتابع «لا نبالغ حين نقول أن المقهى رمز ثقافي، بل إن المقهى في الحقيقة هو أكثر من ذلك».
أما الشاعر عصام العبد الله فيشبّه المقهى في بيروت بـ «ملعب الكلام، لأننا (حكوجيون) وعملنا هو الكلام والحكي، والمقهى هو ملعب والطاولة مثل ملعب الفوتبول، وكرتنا بدل الطابة هي الكلام الذي نعيش على تبادله».
ويضيف «المقهى طاحونة فعلاً، طاحونة للوقت والأفكار والسجال، طاحونة بالمعنى الإيجابي طبعاً. لكن مع إقفال المقاهي في هذا الشكل المريب، يبدو أن ثمة طاحونة أخرى عملاقة ومتوحشة قررت أن تأتي على مقاهي المدينة ومثقفيها».
من جهته، يوضح جورجيو غي طراف من جمعية «انقذوا تراث بيروت» أن المقهى جزء من التراث، والتراث ليس دائما حجارة جميلة وعتيقة، الناس تراث والذكريات تراث والأماكن تراث.
ورغم كل تلك الشهادات حول أهمية المقاهي التراثية والشعبية والثقافية إلا أن مقاهي بيروت تلقت ضربات موجعة، حولتها إلى أماكن مهجورة، أو إلى أماكن تجارية. مقاه كثيرة على أرصفة الطرقات وعند أطراف الميادين العامة أقفلت في بيروت، أماكن تتذكر روادها، وتحلم بهواء طلق يعيد لها الحياة ويرفع عنها كابوس الانهيار الفكري والاجتماعي والمالي والأخلاقي الذي تتعرض له.

جبروت رؤوس الأموال

مقهى القزاز في العاصمة اللبنانية صمد لمدة 90 عاما في وجه حروب وأحداث عاصفة لكن زجاجه انكسر في الأخير أمام جبروت رؤوس الأموال.
في العاشر من كانون الثاني/يناير، اقفل «مقهى القزاز» أقدم مقهى في حي الجميزة التراثي القديم، أبوابه للمرة الأخيرة، وترحل عن 90 عاما من تاريخ بيروت وذكرياتها، بعدما صمد في وجه الزمن والحرب وسقط في معركة رؤوس الأموال.
وتقول انجيل ابي حيدر، صاحبة المقهى الذي ورثته عن والدها وجدها، ان «تاريخ القهوة (مقهى بالعامية) جزء لا يتجزأ من تاريخ بيروت».
وتضيف «كان يقصدها صائب سلام وبيار الجميل وكميل شمعون (من الزعماء اللبنانيين الراحلين). وشهدت ثورة 1958 البيضاء ومحاولة الانقلاب في 1961» على الرئيس السابق فؤاد شهاب.
ويقع مقهى القزاز عند زاوية مبنى قديم في شارع كان تاريخيا معبرا رومانيا وتختلط فيه اليوم المنازل ذات الحجر الأصفر العتيق بالأبنية الحديثة العالية. وقد تم تجميله وتشييد عدد من القصور فيه خلال عهد الانتداب الفرنسي، عندما سكنه حكام فرنسيون وأبرزهم الجنرال غورو، حتى أصبح الشارع يعرف باسمه.
وتضيف ان المقهى «لم يقفل يوما واحدا خلال سنوات الحرب الطويلة (1975-1990). وكان والدي يردد باستمرار يتطلب الأمر أكثر من حرب لتغيير الروتين في القهوة. الحرب العسكرية لم تغير الروتين، لكن حربا من نوع آخر كسرته هي حرب رؤوس الأموال».
وحتى 2001 كان المقهى يتربع وحده في الشارع بواجهاته الزجاجية العريضة، مقدما لزبائنه القهوة العربية والنرجيلة والمازة اللبنانية البسيطة، قبل ان تبدأ الملاهي الليلية والمطاعم التي تقدم خصوصا الأطباق الغربية بالانتشار من حوله كالفطر.
وتواصل ابي حيدر سرد ذكرياتها. «عندما كنت طفلة، كنت أدخل خلسة المكان الذي كان يعج بالناس باستمرار، وبأصوات طاولات الزهر (النرد) والنراجيل والزبائن».

وداعا مقهى الجميزة

على جدران الأبنية في حي الجميزة، علقت ملصقات كتب عليها بالانكليزية «غود باي كافيه جميزة» (وداعا مقهى الجميزة) مع صورة فنجان قهوة تنزل منه دمعة حمراء ودعوة للمشاركة في المقهى في «آخر فنجان قهوة في الخامس من كانون الثاني/يناير».
وفي شارع الحمرا، أصبح مقهى «الهورس شو» مقهى لشركة عالمية في إشارة إلى علامات التحوّل في المدينة.
وحين أقفل «المودكا» في 28 شباط/فبراير العام 2003 حدث ما يشبه التظاهرة الثقافية دفاعاً عن بقائه، لكن صاحبه استسلم لإغراءات الاستهلاك ومحال الألبسة والماركات العالمية. كتب الكثير عن ذلك، وبدا الشاعر بول شاوول كأنه يعيش زمن الشتات، يومها، نزل عشرات الشبان والشابات إلى رصيف المقهى في تظاهرة صغيرة كان الهدف منها محاولة منع اقفاله وشكّل المحتجون على الإقفال لجنة سموها «لجنة متابعة إنقاذ المودكا».
ولم يلبث أن لحق به مقهى «ويمبي» في 4 شباط/فبراير 2007. يومها أيضاً، امتلأت صفحات الجرائد والمجلات بتغطيات وتحقيقات ومقالات، إما تندب المقهى والشارع وتتحسر على أيام عزّه وشبابه، وأما ترثي الإقفال بكثير من الحنين والانحياز.
و»كافيه دو باري» وسط شارع الحمرا في بيروت، أقفل تماما، تبعثرت طاولاته واتشحت بالغبار والصدأ، كما ظهر من زجاج الواجهة. و»كافي دو باري» الذي سقطت لافتته، وُضعت على بابه عبارة «ملغى» باللغة الإنكليزية .
بذلك، طوى شارع الحمراء في بيروت، صفحة مقاهيه العتيقة. الشارع الذي تحوّل قبلة المثقفين اللبنانيين والعرب منذ خمسينيات القرن الماضي، صمدت فيه ثلاثة مقاهٍ بعد انتهاء الحرب شكّلت ثلاثياً ذاع صيته في لبنان والعالم العربي. لكن بداية النهاية كانت مع إغلاق مقاهي «مودكا» و»ويمبي» و»كافيه دو باري» وبهذه النهاية، انتهت قصة المقاهي في شارع الحمراء التي شكلت نقطة استقطاب الأدباء والمثقفين والسياسيين اللبنانيين والعرب.
ويعتبر أحمد العشي، المدير السابق للبرامج في إذاعة بيروت انه «بإقفال مقهى قديم أو مكان عام يقفل شيئا من الذاكرة» ويعبر العشي لـ»القدس العربي» عن حزنه وأسفه لما أصاب بيروت وما أصاب المقاهي العتقية التي كانت تتوزع في أحياء وشوارع العاصمة.
واعتبر أن المقاهي القديمة في بيروت كانت متنفسا، وفضاءات للحرية واللقاءات والأحاديث الشعبية وللمفكرين والأدباء والفنانيين.
وقال: «شعرت بموت المدينة عندما بدأت أتابع مسلسل إقفال المقاهي التراثية القديمة».
ليس من الممكن إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، بعد أن تحول التاريخ إلى معالم وذكريات، لكن مقاهي بيروت القديمة وتاريخها وروادها تحولت إلى تراث شعبي وثقافي، ليس من السهل تجاوزه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية