حطَّ وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الرحال في المنطقة من خارج الروزنامة السياسية للإدارة. فالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ما كان يحتل مكاناً متقدماً في سلم أولويات الرئيس الديمقراطي جو بايدن. استدعت معركة «سيف القدس» الإسرائيلية تعديلاً في تلك الأولويات الأمريكية، وتسريعاً في مجيء رأس الدبلوماسية الأمريكية إلى المنطقة.
على أن الرجل لا يحمل أجندة سياسية بطروحات تفاوضية مؤطرة في خطة عمل أو خريطة طريق، فتلك مسألة من المبكر اعتبارها هدفاً راهناً. الهدف الأول يتمثلُ بتثبيت وقف إطلاق النار الذي جرى التوصّل إليه بعد أحد عشر يوماً من الحرب بين إسرائيل وقطاع غزة الخاضع لسيطرة حركة «حماس» ذلك أن اتفاق التهدئة يستمر هشاً ما دام يقتصرُ على نطاق أمني من دون بلورة الأسس السياسية التي يقوم عليها. وهي أسس لم تنضج بعد بشكل كليّ لدى الدول الإقليمية المكلفة أمريكياً للتحرّك في هذا الإطار.
شركاء أمريكا في المهمة عديدون، وعلى ضفاف متقابلة إذا صح التعبير: مصر والأردن على ضفة، وقطر وتركيا على ضفة أخرى، والسلطة الفلسطينية في المنتصف. لاعبون قد تتناسق أدوراهم حيناً وقد تتصادم حيناً آخر على الطريق نحو ضمان الهدنة التي ستُحددُ آفاقها وأبعادها المستقبلية عوامل عدة، وفي مقدمها الاتفاق الأمريكي – الإيراني حول النووي ونتائجه على مستوى نفوذ طهران في المنطقة.
حين عدَّد الأمين العام لـ»حزب الله» نتائج معركة غزة، تحدّث عن دخول القطاع بقوة على معادلة حماية المدينة المقدسة والمسجد الأقصى وخصوصاً حيّ الشيخ جراح، وأن المحك الأساسي هو تثبيت هذه المعادلة من قبل المقاومة أمام محاولة العدو لإسقاطها. ورأى أن هذا يعني أيضاً دخول القطاع على كل المعادلة الفلسطينية من جديد، وانتهاء عزل غزة عن مجمل القضية والمشروع والصراع، بعدما خرجت من دائرة الدفاع عن النفس إلى دائرة الهجوم، والحضور في المعادلة، وهذا يُشكّل ضمانة كبيرة وتطوراً عظيماً في المعركة الدائرة.
«الحضور في المعادلة» هو بيت القصيد. إيران التي شكرها رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية على المال والسلاح والتقنيات تقطف ثمار الاستثمار في «المحور». نقلتْ تكنولوجيا صناعة الصواريخ إلى ساحات نفوذها، إلى داخل لبنان واليمن وغزة. وأدى كل ميدان وظيفته كحقل للاختبار والتطوير والرسائل والنتائج. تُراكمُ على أن أمريكا عازمة على الخروج الناعم من المنطقة، فتجمع المزيد من أوراقها وتعززها على درب تكريس مشروعها التوسعي – العقائدي. في تعبيراتها السياسية، تعتبر أن الاتفاق النووي هو اتفاق الاعتراف بالتمدد الفارسي في المنطقة، هكذا كان في زمن أوباما، وهكذا عليه أن يكون في زمن بايدن.
في رأي منظري «المحور» أن أمريكا تريد احتواء النتائج السياسية لمعركة «سيف القدس» وإعادة منظومة التحكم والسيطرة إلى يدها لما قبل الاشتباك الأخير. ما نقلته واشنطن عبر أكثر من مسؤول أمريكي إلى قادة إسرائيل ان إدارة بايدن تتعاطى مع ما يمثله الأمن القومي الإسرائيلي، ولا تعنيها مصالح رئيس الحكومة. وهي ضغطت بقوة لمنع انفلاش الحرب وتوسّعها لتشمل جبهات المحور، فيما هي تضع نصب أعينها التوصل إلى اتفاق مع إيران.
المعركة راهناً انتقلت إلى وسائل الضغط السلمي بغية توسيع اتفاق التهدئة: تثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق جهود إعادة إعمار غزة هي المدخل، لكن التعقيدات تكمن في التفاصيل، وفي تحديد الآليات والضمانات والشروط، فضلاً عن الرغبة والقدرة على الاستجابة من الأطراف المعنية سواء على خطيّ المواجهة أو على ضفاف الشركاء.
منذ أن دخل الديمقراطيون إلى البيت الأبيض، بات يمكن الرهان على خفوت «صفقة القرن» ونفض الغبار عن أسس السلام الذي يقوم على حل الدولتين. سرَّع تشابك أحداث القدس والمسجد الأقصى ودخول غزة على المشهد وتحرّك الضفة ومناطق 48 وتيرة التحرّك الدبلوماسي والحاجة إلى إعادة إحياء الحلول السياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ثمة مَن يعتقد بوجود فرصة حقيقية يمكن من خلالها النفاذ نحو حل الدولتين على أنقاض خريطة الطريق التي خطّها دونالد ترامب وصهره. غير أن السؤال يكمن في مدى رغبة إسرائيل بالذهاب إلى هكذا حل، والتخلّي عما حققته على يد الرئيس الأمريكي السابق من مكاسب. رقصة «التانغو» تحتاج اثنين. فإذا كان الفلسطينيون راغبين بذلك، وإذا نجحوا في توحيد البيت الداخلي، فإن الإسرائيليين لا يعبّرون عن مزاج مماثل، لا بل يتغلّب عليهم، منذ سنوات، التشدّد ويتعاظمُ دور اليمين عندهم.
كان لافتاً كلام نصر الله، في إطلالته الأخيرة، عن «السلام الحقيقي وليس السلام الكاذب، وليس سلام الذئاب والضباع مع المساكين والخراف، بل سلام الليوث، سلام الأعزاء، سلام المقتدرين». هي ملامح لغة مختلفة، مفاهيم تُسوَّق للمرة الأولى، ربما لحاجة التفاوض الأمريكي-الإيراني، وربما لاستدراج عروض في ظل ما يتسرّب عن ملامح لعبة «صولد» تُطل في الأفق!
فالحسابات في «المحور» تأخذ في الحسبان التحوّلات التي يمكن أن تطرأ على المشهد الأمريكي، مع استحقاق الانتخابات النصفيّة في الكونغرس بعد أقل من سنة ونصف السنة، وموقع ترامب في الحزب الجمهوري الذي لا يزال رقماً صعباً فيه، وسط مواصلة ضغط الجمهوريين على بايدن لعدم العودة إلى الاتفاق النووي بنسخة الـ2015 ورفع العقوبات عن إيران، ومحاولة تقييده في الكونغرس، وتهديدهم – إذا أقرّ الاتفاق من دون موافقتهم – بالانسحاب مجدداً منه في حال وصولهم مجدداً إلى «البيت الأبيض». لعبة «شدّ الحبال» تسيرُ بوتيرة متسارعة، لكن خط النهاية لا يزال بعيداً وشائكًا.