من بين عبارات بشار الأسد العالقة في الذاكرة قوله «وسّعوا الزوم». جاءت العبارة إثر تظاهرات لبنانية مناوئة لعهد الوصاية قبل حوالى خمسة عشر عاماً، قالها ساخراً مقهقهاً، على عادته في أشدّ أحواله سوءاً، مشككاً عبرها بزخم تلك التظاهرات، معتبراً أن التلاعب بالكاميرا هو ما يظهرها على ذلك النحو الهائل البادي على الشاشات.
عبارة هي أكثر ما يخطر على البال اليوم إزاء الاحتفالات التي يحرص إعلام النظام السوري على بثّها على مختلف الشاشات والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، تحضر، لا للتشكيك في أرقام المحتفلين والناخبين وحسب، بل من أجل رؤية أدقّ، وأوسع، لحال البلد؛ وسّعوا الزووم كي تروا أي بلاد خلّفتها حنكة بشار الأسد السياسية؛ كل هذا العدد من المهجّرين والمدن المدمرة، كل هاتيك الثكالى واليتامى وأطفال الشوارع، المقابر، سوريا المقسمة، يضاف إليها وعود ما بعد النصر الكاذبة، النازحون المخدوعون الذين لم يتمكنوا حتى الساعة من العودة إلى بيوتهم (انظر مخيم اليرموك) انقطاع التيار الكهربائي، الصحة، التعليم، الحرية الأسوأ من قبل بمرات مضاعفة بدليل اعتقالاتٍ لموالين مثابرين على افتداء النظام فقط بسبب شكاوى من الأحوال المعاشية.
وسّعوا الزووم كي تروا أي بلاد خلّفتها حنكة بشار الأسد السياسية؛ كل هذا العدد من المهجّرين والمدن المدمرة، كل هاتيك الثكالى واليتامى وأطفال الشوارع، المقابر، سوريا المقسمة، يضاف إليها وعود ما بعد النصر الكاذبة!
لا مانع أن تدقق الكاميرا قليلاً في كيفية سوق الناس إلى صناديق الانتخابات، للدبكة حول خيامها. لكن حتى هذه (الكاميرا) هي تحت سقف النظام، تساق مثلهم للدبكة.
إنها هناك بإمرتهم، حتى لو كانت باسم الصحافة الأجنبية، ليس بإمكانها إلا أن تعنون هكذا: «فوز الأسد بولاية رابعة بنسبة 95 في المائة من أصوات الناخبين». فيبدو وكأن الانتخابات حقيقية، ونسبة الناخبين كذلك.
وسّعوا الزوم إذاً، إن استطعتم إلى ذلك سبيلا، فحين نقدر على ذلك يعني أننا بتنا في سعة في إمكانية القول الحق، والصورة الأدق، والحياة الأرحب.
سلّم السفير الفلسطيني في إسبانيا دفّة مقابلة أجريت معه لقناة إسبانية بخصوص العدوان الأخير على غزة لمترجم يبدو أنه أحد العاملين في السفارة. حاول السفير الإجابة، إلا أنه سرعان ما استنجد بالمترجم ليكمل عنه عند أول تلعثم. المترجم لم يكتف بالترجمة، بل بات هو الضيف، مع جرعات خفيفة من كلام السفير الجاثم إلى جواره.
أكثر من سبعين عاماً هي عمر السفير، وتجربة مديدة في العمل الدبلوماسي في أكثر من بلد عربي وأجنبي ناطق بالإسبانية، خمسة عشر عاماً منها في إسبانيا، ولم تسعفه اللغة، في وقت عصيب لعلّه ذروة في العمل الدبلوماسي.
ما يزيد الطين بلّة أن تنعطف المذيعة بعد السفير إلى الناطق باسم الخارجية الإسرائيلية، ليتحدث بالإسبانية من غير وسيط، ومن دون تلعثم، لتبدو المفارقة على أشدّها بين صاحب حق متلعثم، لا يلوي على لغة، ومحتل لديه اللغة والوقت ليستأثر بالرواية على هواه.
هذه المرة ليس المترجم هو الخائن، إذا استعرنا هذا المجاز الذي يقع في صلب وظيفة الترجمة، إنما السفير.
مجدداً تتحفنا مذيعة «فرانس24» ميرنا الجمال بمقابلة من عيار ثقيل الظل، تتحدث إلى النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أحمد الطيبي، ليتحدث عن «ارتدادات الحرب في غزة» و»مشكلة حيّ الشيخ جراح التي لم تحلّ بعد» و»الاعتقالات في صفوف فلسطينيي الداخل والضفة الغربية».
لا بأس في الحديث عن كل ذلك، لكن تأبى مذيعة الياسمين الدمشقي إلا أن توجّه أسئلة تسميها هي نفسها شخصية: «في حال قيام دولة فلسطينية، هل سيختار الطيبي الجنسية الإسرائيلية أم الفلسطينية»!
أحمد الطيبي: الهوية الوطنية هي انتماؤنا لأبناء شعبنا، لا يتأثر بلون الهوية وجواز السفر. نحن مواطنون في إسرائيل، ولكننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني،.. نحن أصل الأصل.
عدا عن أن السؤال شخصي، كما قالت، ونافر عن مَحاوِر المقابلة، نجد فيه شيئاً من الإحراج، إن لم نقل التوريط، ولا ندري إن كان الطيبي تقصّد أن يأتي جوابه لاذعاً: «هذا سؤال يسأله عادة الصحافيون الإسرائيليون للفلسطينيين في الداخل». وعلى أي حال، فلقد قدّم النائب المتمرّس بالسياسة والحوار والظهور الإعلامي جواباً كافياً، يدفع الحرج، ولا يتنصّل من هويته: «نحن نعيش في وطننا، في الجليل والمثلث والنقب. الهوية هي جنسية، قضية مدنية، ولكن الهوية الوطنية هي انتماؤنا لأبناء شعبنا، لا يتأثر بلون الهوية وجواز السفر. نعم، نحن مواطنون في إسرائيل، ولكننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، ونطالب بإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس كجزء من حق تقرير المصير. نحن أصل الأصل».
دورة ثانية من «أسبوع سينما المقاومة والتحرير» أقيمت أخيراً في تونس، مهد الربيع العربي. الأنباء أوردت ستة أفلام مشاركة: «السر المدفون» للمخرج الإيراني علي غفاري، و»حظر طيران» للمخرج الإيراني أمير داسارجر، و»خلّة وردة» للمخرج اللبناني عادل سرحان، و»رد القضاء» للسوري نجدت أنزور، و»أمينة» لأيمن زيدان، بالإضافة إلى الفيلم التسجيلي الفلسطيني «أرض الحكاية» لرشيد مشهراوي.
لماذا تجاهل عشرات الأفلام السورية اللامعة التي اشتُغلت على حافة الموت والخطر، في «مقاومة» أكثر الأنظمة توحشاً في التاريخ. بل لماذا تجاهل أفلام إيرانية عظيمة صنعت في مواجهة النظام الإيراني؟!
مع اختيارات كهذه بالإمكان فهم اتجاه التظاهرة، فهي خرق إيرانيّ صريح لتونس. واضح أن المقياس ليس مقارعة إسرائيل، كما اعتدنا أن تشير كلمة «مقاومة» وعلى سبيل المثال فإن فيلمي أنزور وزيدان يتعلقان بمجريات الأحداث السورية، وعلى ذلك يمكن سؤال منظمي الفعالية لماذا تجاهل عشرات الأفلام السورية اللامعة التي اشتُغلت على حافة الموت والخطر، في «مقاومة» أكثر الأنظمة توحشاً في التاريخ. بل لماذا تجاهل أفلام إيرانية عظيمة صنعت في مواجهة النظام الإيراني، وكان لها هي بالذات الفضل في سمعة السينما الإيرانية.
المقياس على ما يبدو هو تكريس الاختراق الإيراني الرسمي، تحت هذه اليافطة أو تلك، في كل بقعة يمكن أن تصل إليها أياديهم. حمى الله تونس من كل أذى.
كاتب فلسطيني سوري