باسم النبريص: الهديّة وصلت
رشاد أبوشاورباسم النبريص: الهديّة وصلتلو كان في فمي اختياري لاخترت صوت البرقلكنّ زوجتي وابنتي وجاريلكنّ هذا الشرق…من إذاعة فلسطين في القاهرة، اعتدنا سماع برقيات مشفّرة، موجّهة (لخلايا) الفدائيين في الضفة، والقطاع، تبدأ: من (…) إلي (…)، نعلمكم أن البرتقال في الطريق إليكم… كنّا نحن أبناء الجيل المنكوب بحزيران (يونيو) 67 ـ كأنما لم تكفنا نكبة 48 ـ نخفف أوجاعنا، وقهرنا، بتفسير كّل كلمة في تلك البرقيّات، ونتوقّع حدوث عمليّات، وانفجارات، تعوّضنا عن مهانة الهزيمة، وتفتح باباً للأمل في الزمن الفدائي…من تلك البرقيّات التي كنّا نسمعها تتردّد: من (…) ـ وطبعاً يتّم ذكر اسم معيّن ـ و..الهديّة وصلت.والذي وصل بالتأكيد إمّا (قنابل)، أو بنادق، أو بعض المال لشراء ما يلزم!.صديقي الذي لا أعرفه، الشاعر باسم النبريص، الغزّي، من خان يونس المدينة الفلسطينيّة العريقة، جارة البحر، التي كما هو شأن كثير من المدن الفلسطينيّة وقعت فيها مذبحة مروّعة ـ وصفها ربعي المدهون في كتابه (طعم الفراق)، والسيّدة مروة جبر في كتابها (نداء السنونو) ـ والذي بدأت معرفتي به منذ قرأت له أوّل مقطوعات شعريّة فلفت انتباهي جدّاً، ودفعني للسؤال عنه، وطلب ما صدر له. أرسل لي باسم أعماله الشعريّة والتي ضمّها كتاب واحد بعنوان (الأعمال الشعريّة)، وهي طبعاً ليست أعماله الشعريّة الكاملة، فهو ما زال شّاباً، ونوافذ عمره مفتوحة علي فضاءات شعريّة لا تكبحها قذائف الدبابات، والحصار، ودوّي الآباتشي، وضيق العيش.في معبر رفح بين مصر وفلسطين، تحديداً بين قطاع غزّة ومصر، التقي أفراد من أسرتي بالشاعر باسم النبريص، وكان (يعبر) إلي مصر للالتقاء بشقيقه الذي لم يره منذ سنوات، حيث كان لسنوات غير مسموح له بدخول مصر إلي أن حصل علي إذن بالسماح له بدخول مصر، وزيارة القاهرة،والتجوّل في شوارعها، وحمل بعض الكتب و..العودة إلي القطاع لاستئناف حياته مع أهله في جحيم القصف، والحواجز، والصواريخ التي توجّه بتكنولوجيا متطوّرة لتبيد ما أمكن من الفلسطينيين، وتهدم بيوتهم فوق رؤوسهم.أرسل لي الشاعر أعماله الشعريّة بإهداء أعتّز به، وأحتفظ به لنفسي، مع ملاحظة لا تحتاج لتفسير:معبر رفح البرّي، بالصدفة…بالصدفة كان هناك أفراد من أسرتي، فأرسل لي الشاعر كتابه الذي لا يعرض في واجهات المكتبات في المدن العربيّة.لولا الصدفة لما اطّلعت علي أعمال باسم النبريص الشعريّة، لأن ما يكتبه الفلسطينيّون في الضفّة والقطاع لا يصل بسبب الحدود، والرقابات، ولعدم وجود وسيلة جديّة عمليّة لتجاوز هذه الموانع، تستند إلي عمل جماعي مبدع، ومخطط له.باسم النبريص شاعر القصيدة المركزّة ـ ولا أقول القصيرة حتي لا يبدو أنها قصيدة تعاني من تشوّه خلقي ـ المقطرّة، الأنيقة، بينه وبين الشاعر محمّد لافي (قرابة) شعريّة، وإن كانا يعيشان في مكانين متباعدين، ولم يلتقيا من قبل، وقصيدتهما تختلف بحكم التجربّة…بعد جيل القيسي، دحبور، المناصرة، فوّاز عيد ـ خالد أبوخالد حالة خّاصة ـ مريد البرغوثي، كان صعباً بروز شعراء يضيفون جديداً للشعر الفلسطيني. ولكن الإبداع لا ينضب، ولا تحول دون تفجّر ينابيعه، معوّقات مهما كانت، والشاعر الأصيل كالجواد الجموح يقفز فوق الحواجز وينطلق في البراري، فتري إلي تجلياته، وإيقاعات ركضه في براريه، وتكويناته الشكليّة والروحيّة، وجمالياته التي تنعش الروح، وتحبّب بالحياة، وتجعل النفس تشّف وكأنها في الحضرة…شعراء كثيرون ظهروا بعد ذلك الجيل الذي عاش تجربة المقاومة، والثورة، والنفي، وعايش تطوّر القصيدة العربيّة، وشارك في صنع حضورها… يمكن القول إن باسم النبريص ينتمي للجيل الشعري الثالث، بعد الجيل الأول: جيل هارون هاشم رشيد، ومعين بسيسو، ويوسف الخطيب، فدوي طوقان، كمال ناصر، والجيل الثاني جيل شعراء زمن الثورة والمقاومة… مثل محمّد لافي ـ ومريد البرغوثي من الجيل السابق، في واحدة من مراحله الشعريّة ـ اشتغل باسم النبريص علي القصيدة المكثّفة، المركزّة، المشحونة، المكتنزة بغنائيّة تمتح شجنها من التجربة المعاشة، وإن اختلف الشاعران من حيث التجربة، فباسم في غزّة، ومحمد لافي تنقّل بين عمّان، وبيروت، ودمشق، واحد تحت الاحتلال، والآخر في معمعان الثورة وما حاق بها…لا ينتمي النبريص للمدرسة الشعرية الفلسطينيّة التي ازدهرت في زمن المقاومة، وعبّرت عنها بشعر تفاعل مع حركة الشعر (الحّر) ـ وهو ما اصطلح علي تسميته بشعر التفعيلة ـ وقصيدة النثر، ورفدها بدم جديد…شاعر محاصر مع أهله في قطاع غزّة، أقام في القاهرة لفترة محدودة، لم ير العالم عن كثب، اللهم سوي عبر شاشات التلفزيون، وما يقرأه في المجلاّت والصحف، يتأمل هذه الدنيا من المكان الضيّق (قطاع غزّة)، ومع الوقت تصير قصيدته مثل مكانه: صغيرة حجماً، متفجّرةً، فسيحة بما تحويه من رؤية إنسانيّة عميقة ورحبة. يتأمل باسم النبريص بحراً يصادره المحتّلون، ويقطعون طرقاً تصل الفلسطينيين ببعضهم، ويحوّلونها مصائد موت، فيضطّر الفلسطينيّون الي أن يسلكوا مسارب مرهقة بجوار البحر، سيراً علي الأقدام، ساخرين غاضبين، لاعنين، مؤمنين بان هذا الحال لا يجب أن يدوم، وأنهم بصبرهم، وفعلهم، يكبرون علي شروط حياة بائسة فيزفر موجوعاً:تكشف نهديها البيتيين: ندي، وتنوحتنشج في الريحتدعو غفّار ذنوب البشر الخطائينمنّاح الصبر الطيّب والنسيان العذبأن ينصر هذا الشعب أو يسخط هذا الشعب فلقد ملّ القلب ولقد شاخ القلب!…(ندي ص174)من يحتّك بالفلسطينيين، سيسمعهم يرددون عبارات مثل: لجهنم في هكذا عيشة، ربنا سخطنا فوق ما كنّا مسخوطين، ناهيك عن الأمثال: قال يا سعدان بدّي أسخطك، قال: سعدان و(ط…) حمرا!والشاعر في قصائده المشفّرة، وسهلة الحّل والتلقّي، يذيب آهات، وأوجاع شعبه، وغضب شعبه، ونزق شعبه، وقوّة روح شعبه وصبره، في دفقات شعريّة يطرّزها بأناة: أيها البرق تكلّم لغةً غير أن تلمع في الليل الخداجأيها البحر تحرّ صفةًبين شطّيك سوي الملح الأجاج!أيها الأرضاستطيلي واعرضيقبل أن نعرض عنك …أيا خمّ الدجاج!في صوت باسم غضب هو بغضب شعبه، رفض لشروط حياة يفرضها الغزاة:لست من طينة آدم إنني نار ومن نار أتيتفلماذا أتحرّي مثلكم زوجاً وبيت ولماذا أتفاهم بل لماذا لا أخاصم بشراً،وهم اللعنة في مطلق وقت!(قصيدة نار ص55)المعاناة مركزّة في قصيدة بحجم سلاميّة إصبع:أصيخ سمعي،أطبق الهدبين:خرير ماء في السحب ودبّة النملة ألقطها ما بين طلقتين!المشكلة في هذا الشعر أنه لا يشرح، لا يفسّر، لا يعلّق عليه، لأنه يفسد بأي كلام حتي لوكان مدحاً حاذقاً، إنك تتلقّاه، تتأثر به، تنفعل، تتفاعل و.. تبحر في نفسك…أنت تقول لنفسك ـ اقصد أنا ومن هم مثلي: هذا شعر يفتح المدي لقول شعري فلسطيني يضيف جديداً للشعر الفلسطيني، بله العربي…الشعر والخوف لا يلتقيان، فالشعر جناحان للتحليق، فضاءات، حريّة بلا ضفاف، والاحتلال رصاص، حرمان من القراءة، إطفاء للنور، تخويف، محو للعقل والإرادة:أطفئ النور لن أطفئ النور ألا ترعوي؟إنّ طخّ الرصاص اقترب!فليكن وليكن!إنّ بي جرباً للقراءة مثلما فيكم الآن مقتلةً للهرب مدمن القراءة يرفض إطفاء النور رغم الخطر لأنه يريد أن يقرأ، فما الحياة بدون كتاب؟ وكيف تكون القراءة والكتابة بدون النور؟ والاحتلال عدو القراءة، للمعرفة، ونقيض النور…قصيدة النبريص قد تتقطّر في سطر واحد، أو بضع سطر:آخر ما ينام في (الأعمي) يداه والنوم عند باسم، وهو من شعب (لا ينام)، لا لأنه راغب بالسهر إلي مالا نهاية، ولكن لأن أعداء النوم يحرمونه من أحد حقوقه الطبيعيّة: النوم!ولأن النبريص شاعر فإن له في (قلّة النوم) أسبابّاً داخليةً خاّصة، قلقاً تسببه القصيدة هذه التي يعبّئها في قارورة بحجم الإصبع، أو حتّي سلاميّة الإصبع، أو بحجم (الزفرة)، تعوي وتجوحلن تعرف نوماًلن تعرف هدأة نومإلاّ أن تسكت ذئبة هذي الروح يمّل الشاعر من الكتب، فالحياة ليست كتباً، بالأحري: ليست كتباً، وآباتشي، وشهداء سرق شبابهم، ودموع أمهّات:أيها الله أعطني فرسخين من النوم أعطيك مكتبتي كاملة (أرق ص 114)أهو أرق الكتابة، أم أرق يسببه كل ما يبدد أيّام حياته، يسرقها منه، يحيلها جحيماًً؟ وبماذا تختلف حياة الشاعر عن حياة أهله؟في قصيدة (أدونيس) التي تنّم عن احترام وإعجاب بهذا الشاعر الكبير، يرتفع صوت النبريص من قطاع غزّة: شيّبته الصفاقة في الناسفاتركوه…اتركوا الشيخ يحمل أثقالهوحده…واتركوه ليصعد رأس الجبلباسم النبريص شاعر يعيش في منطقة من فلسطين لا جبال فيها، ولكنها صعدت كثيراً، من قبل التاريخ الميلادي وهي تصعد، وهي كجارة حميمة للبحر سافرت كثيراً، وإن كان ناسها الآن محاصرين…هذا شاعر يوسّع الفضاء حول روحه، يغزل قصائده بمفردات منتقاة ملائمة موحية، يسهر كثيراً كونه انتدب نفسه لحراسة أحزان أهله، ويوصل العيش تماماً كذلك الذي دفع الصخرة كلّما سقطت: سيزيف… ـ باسم النبريص شاعر فلسطيني ولد في مخيّم (خان يونس) عام 1960، درس في جامعة القاهرة الكمبيوتر وتخرّج عام 83…من أعماله: ـ تأملاّت الولد الصعلوك، صدر عام 90 عن اتحاد الكتّاب الفلسطينيين. ـ قصائد العقل الخالص (لم يحدد سنة صدوره، أو الجهة الناشرة).ـ الجلوس في عتمة البيت… وصدرت جميعها في كتاب واحد بعنوان (الأعمال الشعريّة)، عن منشورات المؤسسة الفلسطينيّة للإرشاد القومي، عام 2003.0