فيلم»شيكاغو 7» للمؤلف والمخرج آرون سوركين، إنتاج 2020 يستعيد جانبا ساخنا من تجليات المشهد السياسي الذي شهدته أمريكا في حقبة ستينات القرن الماضي، ولعل أبرز ما اتسمت به تلك الفترة، انها كانت زاخرة بتحولات عميقة على المستوى الفكري في ميادين السياسة والمجتمع، ليس في أمريكا وحدها إنما في عموم المجتمع الغربي، وسيناريو الفيلم حاول ان يجد مقاربة فنية لتلك الفترة،عبر اهتمامه بحدث مركزي تدور تفاصيله داخل محكمة تتعلق بسبعة شبان وجهت إليهم تهمة قيادة تظاهرات كبيرة بدأت في 28 اب (اغسطس) 1968 احتجاجا على التورط الأمريكي في الحرب الفيتنامية، وقد صاحبتها أحداث عنف نالت من المحتجين وعناصر الشرطة. وقد أصبحت هذه المجموعة تُعرف باسم «شيكاغو 7 « كما هو عنوان الفيلم.
من العناصر الفنية التي أكسبت الفيلم أهميته وحضوره المؤثر، انه أعاد للحياة وبتركيبة درامية جذابة معظم الشخصيات التي لعبت دورا فعالا في تلك الفترة المهمة من تاريخ الولايات المتحدة، خاصة في هذه القضية التي شغلت في حينه الرأي العام في الفترة التي استغرقتها المحاكمة، قبل ان يصدر الحكم بالبراءة على جميع المتهمين، باستثناء تهمة ازدراء المحكمة التي طالت عددا منهم، بمن فيهم المحامي وليم كونستلر الذي تولى الدفاع عنهم (مثل شخصيته الممثل مارك ريلانس) حيث سخروا من القاضي الذي أدار المحاكمة.
هذه الاستعادة الدرامية للشخصيات ونجاح الفيلم في تقديمها، إضافة إلى حوار مكتوب بطريقة ذكية، ومعبرة عن طبيعة الشخصيات، وضعت العمل في إطار السؤال الذي يبحث حول اشكالية العلاقة بين الدراما والحدث الواقعي، ولاشك في ان السيناريو سعى إلى الخروج ببنية فنية تتحرك في مساحة من الفضاء الدرامي تقع بين الخيال والحقيقة التاريخية، وهي المنطقة الحيوية التي يتحرك فيها العمل الإبداعي عندما يختار الاقتراب من الواقعة التاريخية، وكان الهدف من وراء ذلك ممارسة استجواب للتاريخ بهدف فضحه، وليس استنساخه.
من الناحية التاريخية تشير المصادر الصحافية حول ماجرى في تلك الواقعة إلى ان قادة التظاهرات السبعة الذين يترأسون منظمة «Yippies» أو لجنة التعبئة الوطنية لإنهاء الحرب في فيتنام، كانوا قد دعوا الشباب إلى ان يتجمعوا ويخيِّموا في متنزه كبير في مدينة شيكاغو يقع بالقرب من القاعة التي كانت تشهد اجتماعا عاما لأعضاء الحزب الديمقراطي، وكان هدف المتظاهرين اعلان احتجاجهم ضد الحرب الفيتنامية، ولأجل ذلك رفعوا لافتات كتبوا عليها شعار «أوقفوا الحرب».
لجأت الحكومة المحلية من خلال عمدة مدينة شيكاغو إلى رفض جميع تصاريح الموافقة على التظاهرات، في إطار منهج الحكومة الأمريكية قمع الأصوات المعارضة للحرب، وبناء على ذلك انتشرت في المدينة وقبل موعد عقد المؤتمر قوات عسكرية، إلاّ ان هذه الإجراءات رغم ضخامتها، لم تتمكن من ان تكون مصداً قويا يمنع العنف من ان ينفجر بين الشرطة والمتظاهرين، خاصة بعد ان تجمع أكثر من 1500 شخص في بارك لينكولن تحديًا لحظر التجوال الذي فرضه رئيس البلدية، ولما حاول المتظاهرون السير إلى موقع مؤتمر الحزب الديمقراطي المقام في فندق هيلتون، اوقفتهم الشرطة ومنعتهم من الوصول، فهتفوا «العالم يراقب». ومِن بعدها اندلع الصراع على مدار أربعة أيام، ولم يتردد عناصر الشرطة ليستخدموا الغاز المسيل للدموع والهراوات، ورد عليهم المتظاهرون بإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة على المراكز الخاصة للالتحاق بالجيش، وعلى اثر المواجهات العنيفة تم اعتقال أكثر من 600 متظاهر، وجرح ما يقرب من 1000 شخص، كما أصيب ما يقرب من 200 ضابط شرطة، وتعرض الصحافيون للضرب بالهراوات وصودرت أفلامهم.
وبناء على تداعيات ما جرى، أوعزت إدارة الرئيس نيكسون الجديدة في الأيام الأخيرة من اذار/مارس عام 1968 إلى البدء بمحاكمة الزعماء السبعة لقادة التظاهرات، وكانوا في الأصل ثمانية، لكن عددهم أصبح سبعة بعد ان تم التأكد من عدم وجود أي صلة تجمع بوبي سيل، الناشط الثامن الأسوَد الذي كان يتزعم حزب الفهود السود (مثل شخصيته يحيى عبد المتين) وقد تم التعامل معه بعنصرية واضحة من قبل القاضي يوليوس جينيغر هوفمان (مثل شخصيته فرانك لانجيلا) حيث رفض طلبه بتأجيل المحاكمة إلى ان يتمكن محاميه تشارلز غاري من تمثيله بعد ان تعذر حضوره بسبب المرض، كما رفض السماح له بتمثيل نفسه، وهذا ما دفعه إلى ان يصف موقف القاضي بالعنصري، ولكي يبقيه صامتا طيلة فترة المحاكمة، ويمنعه من الاحتجاج على المعاملة السيئة التي عامله بها، أوعز للحراس بأن يقتادوه إلى غرفة جانبية خارج قاعة المحكمة، وأن ينهالوا عليه بالضرب، ثم أعادوه إلى داخل القاعة وعملوا على تكميمه وتقييده بالسلاسل إلى الكرسي الذي كان يجلس عليه، وهنا استعرض لنا الفيلم رد فعل المتهمين السبعة والمحامي الذي تولى الدفاع عنهم، فقد عبروا عن دهشتهم وغضبهم من سلوك القاضي، وبسبب ذلك عمد المتهمان آبي هوفمان (مثل شخصيته ساشا بارون) وجيرمي روبن (مثل شخصيته جيري سترونج) إلى ازدراء طريقته في إدارة المحكمة فلجأوا إلى السخرية منه وبنفس الأسلوب الذي اعتادوا على تقديمه في نقد الأوضاع العامة كل ليلة لتسلية الجمهور في مسارح صغيرة، فقارنوا بينه وبين شخصية ادولف هتلر. أما الصحافة الأمريكية التي تابعت يوميات المحاكمة فقد وصفتها بانها مسرحية مثيرة للجدل.
بنية الفيلم
اختار المؤلف والخرج سوركين ان تكون البداية ذات منحى سردي سريع اعتمد فيها على لقطات وثائقية، كلها إشارت إلى ان الفترة التي عقد فيها المؤتمر العام للحزب الديمقراطي في شيكاغو عام 1968 كانت ساخنة جدا، حيث شهدت أحداث عنفٍ، خلَّفت تداعيات سيئة على الصراع المجتمعي القائم في أمريكا، فأبرزت اللقطات حادثة اغتيال الزعيم الأسود مارتن لوثر كينغ في 4 نيسان(أبريل) وكذلك اغتيال بوبي كينيدي الذي كان مرشحا لانتخابات الحزب الديمقراطي، على خلفية مشهد التورط الأمريكي في الحرب الفيتنامية.
الزمن والمونتاج
كانت المقاربة البنائية للسيناريو قد اخذت منحى متشظيا في كيفية التعامل مع الزمن السردي للأحداث، بمعنى انه قد ابتعد عن المسار الأفقي للزمن، وانحاز إلى التعامل معه في إطار لعبة فنية، بطلها المونتاج، حيث تتقاطع الأحداث اعتمادا على تقابلاتها الدرامية التي لا تلتزم بشرط التسلسل التاريخي، بل بقدر انسجامها مع تعدد وجهات النظر للشخصيات التي كانت تبدي شهادتها حول الأحداث، وقد ارتبط هذا الأسلوب المونتاجي بما كان يتقصده المؤلف والمخرج من ايجاد الوشائج اللامرئية التي تربط الأحداث، بالتالي تاخذ المتلقي إلى منطقة التساؤل لأجل ان يبحث هو الآخر عن الدوافع وان لا يكتفي بموقف المتفرج .
بين الأمس واليوم
ليست مصادفة ان تتشابه الأحداث التي استعرضها الفيلم مع ما شهدته أمريكا خلال الفترة القريبة الماضية من أحداث شغب احتجاجا على الممارسات العنصرية ضد أمريكان من أصول أفريقية، وقد بلغت ذروتها بقتل جورج فلويد في 25 ايار (مايو) الماضي.
ثمة تفاصيل كثيرة سردها سيناريو الفيلم، فيها ما يكفي من الأدلة ما تؤكد على ان القضايا التي كان قد خرج ضدها المتظاهرون في ستينات القرن الماضي، لم تطو ملفاتها بعد، فالاحتجاجات على التمييز العنصري ضد السود، والانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل، والعنف المفرط لدى أجهزة الشرطة، والتدخل من قبل السلطات الحكومية لتحريف سير المحاكمات التي يخضع لها الناشطون، وعمليات الاغتيال السياسي للأصوات التي تغرد خارج سرب الخطاب الرسمي، والتنصت على المكالمات الهاتفية، وتجنيد عناصر من الشرطة ليخترقوا صفوف المتظاهرين، كل هذه القضايا ما زالت تمثل ملفات ساخنة تفرض نفسها على المشهد السياسي، بما يعني ان الديمقراطية في أمريكا التي تقدس الحرية الفردية مجرد غطاء هش يخفي وراءه مشهدا معقدا، وفي محصلته النهائية يشير إلى ان حرية الإنسان مكبلة .
سؤال جوهري
يبقى السؤال الجوهري مطروحا: إلى اي مدى كان الخيال غير متورط في التلاعب بالوقائع التاريخية طالما لم يخضع العمل الفني بالنتيجة إلى سطوة التاريخ؟
وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ان السيناريو لم ينسق مع المسار الذي عادة ما يركن إليه المؤرخون في سردهم للأحداث، إنما ذهب باتجاه ترميم الثغرات المنسية في عملهم المنهجي اعتمادا على قدرة التخييل لدى الفنان في سرده للمناطق التي تتكثف فيها الظلال القاتمة، فإننا نجد بان المؤلف والمخرج سوركين عندما حاول ان يعيد صياغة تفاصيل الأحداث التي جرت داخل قاعة المحكمة، وضع في نظر الاعتبار مساءلتها، بعد تعرية ماهو مخفي بين سطورها، خاصة وانها اعتبرت من أكثر المحاكمات دراماتيكية في التاريخ الأمريكي، لكونها اتسمت بارتفاع ملحوظ في منسوب الكراهية والعنصرية لدى القاضي الذي تولى إدارة المحاكمة، وفي هذه الناحية اعتمد سوركين بنية درامية عميقة مكنته من إماطة اللثام عن خلفية الصراعات التي تركت أثرها على وقائع المحكمة، فكانت الحبكة الدرامية معاينة نقدية للواقع الذي يحكم المؤسسات السلطوية في أمريكا، ونفوذها البوليسي الذي تمارسه على الشخصيات الحكومية لأجل تعطيل العدالة، وهذا ما بدا واضحا في المشهدين الوحيدين اللذان ظهر فيهما الممثل مايكل كيتون، الذي ادى شخصية رمزي كلارك الذي كان يشغل منصب النائب العام، لكنه آثر ان يعلن استقالته ما ان تسلم نيكسون إدارة البيت الأبيض، وبالإضافة إلى الأداء الرائع لكيتون، فإن هذين المشهدين فضحا محاولات السلطة فرض إرادتها على الساسة لأجل ان لا ينحازوا إلى جانب الحقيقة، حتى لو اقتضى الأمر ان يكونوا شهود زور.
في وقت لاحق من العام 1970 وفي إطار إعادة تقييم ما جرى في هذه القضية أجرت اللجنة الوطنية الأمريكية مراجعة شاملة للأحداث، لمعرفة أسباب العنف، فكانت النتيجة التي توصلت إليها ان الشرطة هي التي تتحمل المسؤولية، وأطلقت على الحادثة اسم «شغب بوليسي».
فيلم «شيكاغو 7 «كان ضمن قائمة الأفلام الثمانية المتنافسة على جائزة الاوسكار لعام 2021، لكنها ذهبت إلى»Nomadland» في المقابل نال عدة جوائز هامة.