«هيومن رايتس ووتش»: خطط إغلاق المخيمات في العراق غير ملائمة

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، أمس الخميس، إن عمليات إغلاق المخيمات التي جرت مؤخرا في العراق، حرمت آلاف النازحين من الخدمات الأساسية خلال تفشي فيروس “كورونا”، عازية السبب في ذلك، إلى الخطط الحكومية غير الملائمة لإعادتهم إلى ديارهم.
وقالت المنظمة الحقوقية في تقرير لها، إن “لن تنجح خطة الحكومة العراقية لإنهاء التهجير المطوّل للعائلات التي اقتلعت من ديارها بسبب القتال بين تنظيم الدولة الإسلامية، والقوات المناهضة له، إلا إذا ضمنت الحكومة عودة العائلات التي أُجليت مؤخرا من مخيمات النازحين بأمان إلى منازلها السابقة، أو انتقالها إلى ملاجئ جديدة، مع إمكانية الوصول الكامل إلى الكهرباء والمياه وخدمات الرعاية الصحية”.
وقالت بلقيس والي، باحثة أولى في قسم الأزمات والنزاعات في المنظمة: “بعد سنوات من الإهمال، من الإيجابي أن تحاول الحكومة تأمين حلول دائمة للعائلات النازحة بسبب القتال. لكن هذه الاستراتيجية لن تنجح إلا إذا كانت تعتمد على الدروس المستفادة من عمليات إغلاق المخيمات السابقة والعودة القسرية التي قُطِعت فيها المساعدات الإنسانية وتُرك الناس ليتدبروا أمورهم بأنفسهم”.
وحسب التقرير، في مارس/آذار 2021، صادقت الحكومة العراقية على “الخطة الوطنية لإعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية المحررة” والتي وضعتها وزارتي التخطيط والهجرة والمهجرين. لكن الحكومة أغلقت 16 مخيما على مدى الأشهر السبعة الماضية، وتركت ما لا يقل عن 34,801 نازحا دون ضمان قدرتهم على العودة إلى ديارهم بأمان، أو تأمين مأوى آمن آخر، أو الحصول على خدمات ميسورة التكلفة. وهناك مخيمان لا يزالان مفتوحين فقط في الأراضي الخاضعة لسيطرة حكومة بغداد، واحد في نينوى والآخر في الأنبار، ومن المقرر أيضا إغلاق هذين المخيمين.
وذكر أن، في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2020 أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين عن عمليات الإغلاق، وبحلول يناير/كانون الثاني 2021 أغلقت 16 مخيما. العديد من سكان المخيمات كانوا من عائلات تعيلها نساء ونزحت بسبب القتال بين التنظيم والجيش العراقي من 2014 إلى 2017، والعديد من هذه الأسر كانت مصنفة على أنها تابعة للتنظيم. لم تُغلق حكومة إقليم كردستان العراق المخيمات في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
واستمرت عمليات الإغلاق هذه رغم التفشي المستمر لفيروس كورونا، والذي فرضت الحكومة في خلاله العديد من عمليات الإغلاق وقيود أخرى على الحركة. في 2020، قتل كورونا أكثر من 12,526 شخص في العراق واستمر الوباء في التفشي في البلاد في 2021 حيث وصل عدد المتوفين إلى 16,267 حسب المنظمة.
ورغم أن الهدف المعلن للحكومة كان إعادة النازحين إلى ديارهم، إلا أن العقبات الإدارية تمنع العائلات التي يُعتقد أنها تنتمي إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” من الحصول على الوثائق، بما في ذلك بطاقات الهوية وشهادات الميلاد والبطاقات التموينية، مما يعيق عودتهم الآمنة إلى منازلهم وحصولهم على مزايا الرعاية الاجتماعية والخدمات الحكومية.
وتبعا للتقرير، تُصنف السلطات والمجتمعات الأشخاص على أنهم منتمون إلى التنظيم بناء على شكوك في أن أحد أقاربهم انضم إلى التنظيم أو كان متعاطفا مع الجماعة. غالبا ما تُطبق هذه التصنيفات في غياب أي دليل على أن هؤلاء الأشخاص أبدوا أنفسهم تعاطفا مع التنظيم، أو انضموا إليه، أو ارتكبوا جريمة. لا توجد طريقة لهؤلاء الأشخاص له للطعن في هذا التصنيف.

طريقة تمييزية

وتُطبق بعض السلطات المحلية أيضا “القانون رقم 20″، الخاص بتعويض المتضررين جراء العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية في 2009، بطريقة تمييزية، وفق المنظمة، حيث تستثني العائلات ذات الانتماء المتصوّر إلى تنظيم “الدولة”. يٌفترض بالقانون أن يعوّض أي شخص تعرض لتدمير ممتلكاته أو لإصابة وخسائر في الأرواح، في حال حصل الدمار بسبب القتال، بغض النظر عن السبب أو الطرف المتحارب الذي دمرها.
ومع أن العديد من العائلات تقدمت بطلبات للحصول على التعويض ولم تتلقَه بعد، تمنع السلطات بعض العائلات ذات الانتماء المفترض للتنظيم من تقديم الطلبات. نتيجة لذلك، لن يكون لدى العديد من هذه العائلات الموارد اللازمة لإعادة بناء منازلها.
ويسلط تقرير نُشر في ديسمبر/كانون الأول 2020، بناء على مقابلات أجرتها مجموعة من المنظمات الإنسانية الدولية مع 2,764 أسرة، الضوء على محنة العائلات. وأجريت المقابلات في الفترة من سبتمبر/أيلول 2019 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2020 في الأسبوعين التاليين لإخلاء هذه الأسر. وقال ما يقرب من ثلث العائلات إنهم لم يرغبوا في مغادرة المخيم، وبين أكثر من ثلثهم بقليل إنهم لم يعودوا إلى مناطقهم الأصلية، وقال معظمهم إن هذا بسبب تدمير ممتلكاتهم.
ومن بين الذين عادوا، كان ثلثهم فقط يعيشون في منازلهم، بينما كان الباقون مستأجرين، أو يستضيفهم آخرون، أو يسكنون مبانٍ غير مكتملة ومهجورة.
وقال 20 %إنهم كانوا يخشون طردهم من قبل القوى الأمنية أو مجتمعاتهم المحلية بسبب انتمائهم المفترض إلى التنظيم. قالت نصف العائلات التي أُجلِيَت إنها لا تحصل على ما يكفي من الطعام لتلبية احتياجاتها الأساسية، وقال أكثر من ثلثها إنهم لا يحصلون على مياه كافية للشرب.
وبين نوفمبر/تشرين الثاني 2020 إلى مايو/أيار 2021، قابلت “هيومن رايتس ووتش” 14 شخصا من محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار كانوا يقيمون مع عائلاتهم في المخيمات منذ 2016، وكلهم على صلات متصورة بالتنظيم وتم إخلاؤهم. وأثارت العائلات بواعث قلق مماثلة. ولم تتمكن أي من العائلات من العودة إلى منازلها القديمة، وقالت ثمانية منها إنها لم تتمكن من العودة إلى مناطقها الأصلية خوفا من التعرض للتهديد أو الاعتقال أو الأذى الجسدي واضطرت إلى استئجار منازل في مكان آخر. قالت العائلات إنها قلقة من عدم تمكنها من دفع الإيجار في الأشهر المقبلة.
وقالت امرأة لديها خمسة أطفال تشترك في إيجار شقة بغرفتين مع ثلاث عائلات أخرى، وعددهم الكلي 15 شخصا: “لا يمكنني حتى دفع حصتي من الإيجار. أعتمد على ما يقدمه لي الناس والجمعيات الخيرية لدفع حصتي. أنا أرملة ولا يوجد ذكر بالغ في عائلتي، لذا يصعب عليّ العثور على عمل. أخشى دائما أن يتم طردنا”.
والعائلات التي تمكنت من العودة إلى مناطقها الأصلية، هي من قضاء الشرقاط وناحية يثرب في صلاح الدين، وهي محافظة تحظى بدعم أقل بكثير من المنظمات الدولية غير الحكومية للعائلات النازحة. وقال رجل إن منزله تحتله عائلة أخرى في قريته، وبسبب صلاته المتصورة بالتنظيم، لم يتمكن من إقناع السلطات بإخراج الأسرة من منزله.
وقال العائلات الست الأخرى إن منازلها دمرت بالكامل وإنها لم تتمكن من تحمل تكلفة إعادة بنائها. وكانوا يعيشون في خيام أو منازل أقارب، أو في حالة واحدة انتقلوا إلى مدينة أخرى لاستئجار منزل. وكانوا جميعا يكافحون من أجل تزويد أسرهم بما يكفي من الطعام والماء والكهرباء والرعاية الصحية.

لجنة

في خطوة إيجابية في المخيم الوحيد المتبقي في نينوى، جنوب الموصل، في مارس/آذار 2021، أنشأت “مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” و”المنظمة الدولية للهجرة” و”منظمة إنترسوس” غير الحكومية ووزارة الهجرة والمهجرين، لجنة لمناقشة العوائق التي تمنع العائلات النازحة من العودة إلى منازلها ومساعدة هذه العائلات في إيجاد حلول دائمة تسمح لها بمغادرة المخيم.
وقالت “هيومن رايتس ووتش” إن “على الحكومة العراقية ألا تُغلق المخيمات المتبقية ما لم تكن السلطات قادرة على ضمان الوصول إلى حلول دائمة، بما في ذلك توافر تدابير التخفيف الأساسية من تفشي فيروس كورونا، مثل المأوى المناسب والمياه”.
وأكدت أن، في غضون ذلك، وكجزء من الاستراتيجية الوطنية الجديدة، ينبغي للسلطات التواصل مع العائلات التي تعيش في حالة نزوح مطوّل في المخيمات وأماكن أخرى لمساعدتها في الحصول على أي وثائق لها لا تزال مفقودة، وفهم سبب عدم تمكنها من العودة إلى ديارهم وأين يريدون العيش، والتأكد من أن، وبغض النظر عن المكان الذي ستستقر فيه، ستتمتع بإمكانية الوصول إلى المأوى والخدمات الأساسية بأسعار معقولة. وعلى الحكومة التحقيق في مزاعم التمييز من قبل السلطات العامة، بما في ذلك التطبيق التمييزي لقانون التعويض لسنة 2009.
قالت والي: “إذا كانت الحكومة تريد حقا (إغلاق ملف النزوح)، عليها أن تبدأ العمل على التأكد من أن العائلات النازحة لديها القدرة على أن تستقر من جديد بأمان، سواء بالعودة إلى منازلها أو في أي مكان آخر. هذا يعني ضمان حصولها على الأساسيات – الطعام والماء والمأوى”.
وفي العديد من المناطق التي كان فيها تواجد للتنظيم في السابق، وضعت السلطات نظاما لـ”التصاريح الأمنية” يفرض على جميع السكان الحصول على ختم من قوات الأمن في منطقتهم قبل التمكن من تقديم طلب للحصول على وثائقهم المدنية المفقودة. ينطبق ذلك على معظم العائلات التي عاشت تحت حكم التنظيم لفترة طويلة.
وحسب التقرير، تمتنع السلطات الأمنية بشكل روتيني عن إعطاء الختم للأشخاص إذا اشتبهت قوات الأمن أو المجتمع المحلي بانضمام أحد أفراد العائلة إلى التنظيم أو يتعاطف مع التنظيم، وتُدرَج أسماؤهم في قائمة المطلوبين. في بعض المناطق، تطلب من العائلات تقديم شكوى قضائية ضد الفرد المُدرج للحصول على الختم. لا يبرر القانون العراقي منع هذه العائلات من الحصول على وثائقها، ويعذّ ذلك شكلا من أشكال العقاب الجماعي. لا توجد عملية للطعن في هذا الحرمان.
ولن تتمكن العائلات التي لم تحصل على الختم من تجديد وثائقها وبالتالي لا يمكنها غالبا العودة إلى ديارها. يُطلب عادة من الأشخاص إظهار وثائقهم عند العديد من نقاط التفتيش في جميع أنحاء العراق. اعترافا منها أن ذلك يُعدّ عائقا، وبعد سنوات من التقاعس عن العمل، سرّعت السلطات من إجراءات حصول العائلات على وثائقها في اثنين على الأقل من المخيمات التي أُغلقت.
ومع ذلك، أوضح ثلاثة ممن قابلتهم المنظمة، إنهم ما زالوا يفتقرون على الأقل إلى بعض وثائقهم وذلك بعدما طردتهم السلطات من المخيمات. قال أب إنه وبسبب اتهام السلطات لقريبه بصلاته بالتنظيم، كان قلقا من مغادرة قريته للبحث عن وظيفة في بلدة أكبر خوفا من أن تجد قوات الأمن اسمه في قائمة المطلوبين وتعتقله.
ولم يتمكن الأفراد الثلاثة من الحصول على بطاقاتهم التموينية التي تسمح لهم بالوصول إلى برنامج حكومي يوفر المواد الغذائية لجميع العراقيين تقريبا. قال الأب إن السلطات رفضت تجديد بطاقات عائلته التموينية. قال: “ليس ذنبي ولا ذنب أولادي أن قريبي انضم إلى داعش. لماذا نُمنع من الحصول على التموين كأي عراقي آخر؟”.
وبينت، امرأة من قرية في صلاح الدين وتقيم في محافظة كركوك إن عائلتها لم تتمكن من العودة إلى صلاح الدين لتجديد بطاقاتهم التموينية لعدم امتلاكهم وثائق مدنية صالحة للمرور عبر نقاط التفتيش العديدة. لم يتمكن زوجها من العثور على عمل في القرية التي يعيشون فيها، وقالت: “لا أعرف كيف سأحصل على الطعام لأولادي عندما ينفد الطعام الذي نملكه الآن”.
وأوضحت، امرأة أخرى إنها ومنذ عودتها وعائلتها إلى قريتهم الأصلية لم يتمكنوا من الانتقال إلى مكان تتاح فيه خدمات وفرص عمل أفضل إذ أنها لم تتمكن من الاستحصال على التصريح الأمني الضروري للحصول على وثائق لأطفالها الصغار الثلاثة.
وأضافت: “تبدو القرية هنا كصحراء، لا كهرباء ولا فرص للوصول إلى الغذاء أو مرافق صحية. لم نتلق أي مساعدة منذ وصولنا ولم نتمكن من الحصول على أي تموين من الحكومة. ترفض السلطات المحلية تجديد بطاقاتنا التموينية إذ يزعمون أن لنا صلات بداعش”.
إلى ذلك، كشف محافظ نينوى، نجم الجبوري، أمس الخميس، عن قرب غلق ملف النزوح في عموم محافظة نينوى، فيما بدأت اللجنة المختصة بتعويض متضرري المحافظة، توزيع دفعة جديدة من المبالغ بعد استكمال معاملاتهم وتدقيقها.
وقال المحافظ في مؤتمر صحافي، إن “محافظة نينوى جادة بعودة ما تبقى من النازحين جراء الاعمال الارهابية التي خلفها داعش وأدت إلى نزوح آلاف الأسر الموصلية”.
وأضاف أن “نينوى سجلت اعلى نسبة في عودة النازحين بفضل إعادة الخدمات التربوية والصحية والسكنية التي وفرتها الحكومة المحلية”.
من جانب آخر، أوضح رئيس اللجنة المختصة بتعويض متضرري المحافظة عمار سعيد في بيان، أن “لجنة التعويضات بدأت بصرف مبالغ نحو (420) متضرراً كانوا قد قدموا طلبات للتعويضات بشأن ممتلكاتهم (منازل ومحال وسيارات) التي تضررت خلال سيطرة عصابات داعش في أيمن الموصل”.
وأضاف، أن “اللجنة الفرعية في المحافظة ستعلن خلال الأيام المقبلة عن وصول دفعات أسماء جديدة لاحقة من بغداد وسيتم أيضا صرف المبالغ التي يستحقونها من التعويضات للمتضررين جنوب الموصل”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية