حلا عمران: لم أعمل في غير حرفتي وتعلّمت في المسرح الأوروبي امتلاك حريتي أكثر

حجم الخط
1

ممثلة لمعت في الدراما السورية في أوج ازدهارها

بيروت-“القدس العربي”: عندما تداخل الرقص مع الغناء في حضور الفنانة السورية حلا عمران على خشبة المسرح، بدت وكأنها تنصهر بكليتها مع الحالة التي هي بصددها. وقوفها على المسرح يمثّل فعل جذب كبير، وبات سمة ملازمة لها في كل مرّة تعرض في بيروت من ضمن عائلة المسرحية للكوريغراف علي شحرور.

تعترف حلا عمران بأن مسرح علي شحرور أكد امكانات صوتها. ذاك الصوت اخترق المشاعر، عندما راح صوب الغناء العراقي الحنون في “ربيتك صغيرون حسن” وفي التهويدة السومرية “تعال يا نوم”.
الحديث مع حلا عمران ممتع بقدر المتعة التي تجنيها من عملها الفني، ومن تجربتها التي تبنيها بوعي في أوروبا. أما إجاباتها عن الديمقراطية وعن جدلية المثقف والسلطة، فهي وليدة رؤية من مسافة طبيعية، بدون تأثير العاطفة.
مع حلا عمران هذا الحوار:
*يناديك التعاون المسرحي مع علي شحرور. فهل يسير بوتيرة متصاعدة تمنحك مساحة تعبير مرضية لك كممثلة؟
**يمكنني الرد بنعم. هدفان أنشهدهما خلال العمل، الاستمتاع والتعلُم. الوتيرة متصاعدة بالتأكيد، ففي كل تجربة مع علي شحرور أبحث عن جديد أتعلمه. نحن في العرض الثالث معاً، ففي الأول “عساه يحيا ويشمّ العبق” سنة 2017 اكتشفت إمكانات لم أكن أعرفها عندي في الغناء، رغم غنائي في عروض سابقة. أكتشاف شكّل تحدياً كبيراً لي. وفي التعاون الثاني “ليل” سنة 2019 اكتشفت قدرة تعامل مختلف مع جسدي بجمع الرقص والغناء معاً، وصولاً إلى “كما روتها أمي” في 2021. ثمة ثمار متصاعدة أجنيها من هذه التجربة الفريدة، وهي ترضيني. دائماً أكتشف جديداً بنفسي مع علي شحرور، وأعمل لاحقاً لتطويره في أماكن فنية أخرى.


* لاحظنا مؤخراً في “كما روتها أمي” أن شعاع الإلفة يتواصل بين الفريق ـ العائلة في مسرح علي شحرور. ما هو انعكاسه على العرض؟
**شكّل محركه الأساسي، وهذا ما لمسه الجمهور. نحن معاً في التعاون الثالث. ففي الأول كنّا جميعاً نستكشف أحدنا الآخر، علي شحرور، وعبد قبيسي وعلي الحوت وأنا. في البروفا الأولى التي قمنا بها معاً تكوّن لدينا الإحساس بأننا نعمل معاً منذ سنوات. وهذا ما ساهم بتطوير عملنا وانتقاله للمتلقي. في التعاون الثاني اختلف الفريق، وفي “كما روتها أمي” ثمة حب حقيقي يجمع أسرة العمل. وكأننا جميعاً نقدم ما له صلة بحياتنا، ولسنا حيال عرض مسرحي. الصلة التي تربطنا عصبها الاحترام والحنان والحب والعطف. ليلى شحرور تخوض تجربتها الثانية مع علي شحرور، وإبنها عباس في تجربته الأولى. نحن عائلتان على المسرح تحملان اختلافات كثيرة، لكنها في الوقت نفسه تحمل الحب.
*في مسرح علي شحرور تشكل حركة الجسد صوتاً مضافاً إلى كل ما ينطق به الممثلون. هل السبب برأيك ناتج عن كونه كوريغراف؟
**بالتأكيد. يعمل علي على خصوصية كل من يؤدي دوراً في مسرحه. الرقص بالنسبة له ليس فقط حركة الجسد، بل التواجد على الخشبة من صمت وحركة وصوت وغير ذلك. لحظة التواجد على الخشبة بنظره تشكل عنصراً كوريغرافياً. من لمعة العين ونظرتها، ومن الصوت والحركة، جميعها تشكل جزءاً من الكوريغرافي وبعضه مخطط له.
*قرأت أنك تظهرين على مسارح غربية وبلغات أجنبية. ما هو الموضوع الذي يعنيك في المسرح الغربي؟
**ظهوري على المسرح ليس مرتبطاً بثيمة محددة أرغب بقولها، بل المتعة هي التي تجذبني. ما قدمته على مسارح أوروبا علّمني مزيداً من الحرية، بفعل المساحة المتاحة. وبتعبير دقيق بت أملك تلك الحرية بقوة أكبر. وهذا ما انعكس على عملي أينما كنت. ثمة أمور أخرى تُطرح حول التواجد في المسرح الغربي، كمثل العلاقة مع المتفرج وكسر الإيهام، وتقمص الشخصية غير المنتشر كثيراً في المسرح الفرنسي والألماني. “اللعب” على المسرح هو ما يعنيني بما قمت به في أوروبا.
*حضورك في المسرح الأوروبي يأتي بعد كاستينغ؟
**نادراً ما شاركت بكاستينغ للفوز بدور مسرحي. غالباً ما يراني بعضهم في عرض معين، فيطلبني لعرض في مكان آخر.
*هل من دور مرسوم للمؤدية/ي العربي في المسرح الغربي؟
**أكيد. فليس لهم إخراجنا من اللون والثقافة التي أتمسك بها شخصياً. نحن موضوعون مسبقاً ضمن قوالب كعرب أو أية اثنية أخرى. للعربي كادر خاص ومسبقاً، سواء في المسرح أو السينما. نادر ما نجد ممثلاً عربياً أو من أصول عربية يؤدي أدواراً بعيدة عن إرثه. نحن تماماً أمام معادلة تشبه السائد في السينما الأمريكية، فأسود البشرة لن يكون في دور من خارج لونه. المنطق نفسه يتحكم بالمكانين لجهة السينما والتلفزيون، وربما يتضمن المسرح مساحة حرية أكبر. أعرف ممثلاً ألمانيا صافياً، لكنه يمتلك بشرة تميل للسمرة وشعره أسود، وهو محترف كبير. أخبرني أنه يُطلب للمسرح في دور العربي أو اليهودي أو أية اثنية أخرى مصنّفة ثانية أو حتى ثالثة في المعيار الغربي. لونه يحرمه من تمثيل فاوست، وضعه ضمن إطار تسبب له بأزمة.
*ماذا قدمت لك تجربتك المهنية في أوروبا؟
**الكثير. على مدى سبع سنوات كنت أتنقل بين سوريا وباريس والدنمارك وايطاليا. حصّلت تجربة منوعة بين 2000 و 2007 قدّمت لي فهماً مختلفاً لفكرة اللعب على المسرح. وكذلك لفكرة العلاقة مع النص بعد أن مررت بمرحلة تُعلي الممثل والنص يأتي لاحقاً كتحصيل حاصل، رغم كوني أنتمي لبيئة مغرقة في الثقافة، فوالدي وشقيقتي شاعران. أيقنت بعد تجربتي في أوروبا مدى عظمة النص في العرض المسرحي، وكيف للممثل أن يكون حاملاً لهذا النص. وتعلّمت أيضاً بأني لا أمثل شخصية بل أنقلها. وكما سبق القول تعلّمت أكثر كيف أكون حرّة، والكثير من التقنيات وما له علاقة بجسمي وصوتي وحضوري، وغير ذلك.
*هل مكنتك أوروبا من أن تعيشي من عملك كممثلة؟
**إلى الآن نعم. تخرّجت من الجامعة في سنة 1994 ونحن الآن في 2021 وإلى حينه لم أعمل سوى في التمثيل، وهذا جيد. المهن الحرّة الفنية أو الأدبية، توفر المال لصاحبها يوماً، وفي آخر ينعدم وجوده. يضطر يوماً للإستدانة، وآخر يديّن الآخرين. لا أملك ثروة إنما أعيش سعيدة، رغم اللااستقرار الذي تتسم به هذه المهنة.
*وبماذا يحدثك هذا اللااستقرار؟ وهل يزعجك؟
**يزعجني دائماً. ودائماً أشعر باستحالة العيش دونه. وإن حصل هذا الاستقرار بالتأكيد سيكون الملل فظيعاً.
*ما الفرق بين خشبة المسرح وكاميرا المسلسلات الدرامية؟
**الفرق يكمن في العرض الحي وما نستمده مباشرة من الناس خلاله. تكنيك العمل يختلف قليلاً. بالعموم للكاميرا متعتها سواء تلفزيونية أو سينما.
*ماذا عن النجومية التي يحققها التلفزيون فهل أغرتك خاصة عندما كانت تلك الصناعة مزدهرة وفاعلة في سوريا؟
**أكيد. خاصة مع بدايات تخرجي الجامعي، لكنها قليلاً ما أخرجتني عن قناعاتي. شدني العمل في التلفزيون، وكنت في غاية الفرح، حصّلت الكثير من المال، وحققت الشهرة وتعلّمت. في تلك المرحلة لم أمتلك الرفض المبدئي ولم أقل نعم للمسرح ولا للتلفزيون، رغم انحيازي الشخصي للمسرح والسينما. في تلك الأوقات كان العمل ممتعاً، وهذا الاستمتاع كان يحرك بوصلتي، رغم تفاوته بين عمل وآخر. كل ما قمت به مسرحاً أو تلفزيوناً كان مفيداً جداً لي.
*هل توافقين رأي القائلين بأن الدراما السورية والعربية في تعثر؟
**ازدهار إنتاج الدراما الخاص في سوريا في مرحلة محددة كان مرتبطاً بظرف سياسي واقتصادي معين. كان إنتاجاً خاصاً ناجماً عن تبييض الأموال. فغالبية شركات الإنتاج التي قدمت أعمالاً في التسعينيات، وبدايات الألفية الثالثة مملوكة من مبيضي المال. فعلاً كانت تلك الدراما على درجة من القوة والأهمية، ومن صنعوها باتوا حالياً مبعثرين، فأنتفى شرط الإنتاج. بعضهم فارق الحياة، أو سُجن، أو سافر أو بقي.
*هل من تواصل بينك وبين المنتشرين من أهل الفن للبحث في عمل ما؟
**بعيداً عن التلفزيون فإن كنت بصدد عمل سينمائي درامي نحتاج برأي إلى مسافة زمنية عن المأساة التي يعيشها السوريون. من هاجروا مؤخراً فقط بدأوا يخرجون وبالتدريج من أزمة الرحيل واللجوء.


*كيف تقرأين في ديمقراطية وسائل التواصل الاجتماعي؟
**تضحك وتقول: تشبه الديمقراطية السائدة في العالم بمجمله. كلمة ديمقراطية جميلة جداً لكنها غير حقيقية، وهي نسبية. الديمقراطية كما نتمنّاها غير موجودة، ربما حققت سويسرا نسبة منها. وسائل التواصل غير ديمقراطية، هي خاضعة للرقابة الشديدة والإنحياز، نتيجة صلتها برأس المال.
*بالنظر إلى جدلية المثقف والسلطة فهل للود مكان بينهما أياً كانت السلطة؟
**إنها علاقة شائكة جداً. دائماً وأبداً وفي كافة المراحل والدول تسعى السلطة لاستمالة المثقف. والمثقف في لحظة ما ليس قادراً على الخروج من هذا الإغواء لحاجته له. ومن يرفض هذا الإغواء مصيره الهامش. أن يعيش هذا المثقف أو لا، فهذا بحد ذاته جدلية قاسية بالنسبة له. كثر اختاروا الهامش، ومنهم من نجح في الخروج نظراً لتبدل الظروف. نظرياً، ليس للمثقف أن ينحاز للسلطة. فتلك السلطة مهما كان نوعها تحمل ديكتاتورية.
*هل خاب أملك بالتغيير في العالم العربي أم لفلسطين أن تمدنا بجرعة أمل؟
**خاب أملي كما الكثيرين غيري، ونحن جيل كُسر. أميل للتفاؤل انطلاقاً من أنه لا ثابت مطلقاً في الوجود. في الجانب القدري الذي أؤمن به أشعر أن للتاريخ سيرورة وصيرورة حتما ما حدث، وما عشناه من خراب في المنطقة العربية في العشر سنوات الماضية كان حدوثه ضرورياً. خراب منطقتنا بدأ سنة 1948 ولدى زرع إسرائيل فيها مما أعطى الشرعية للديكتاتوريات العسكرية، وكذلك الشرعية للأنظمة الدينية لتكون المعادل للدولة الدينية المزروعة في فلسطين. الحل في فلسطين إذا كان إيجابيا سينعكس على الدول العربية الأخرى بالطبع.
*ما الذي ينادك في الشام؟
**”شوية” ذكريات وصور وروائح. إنها رائحة المدينة التي تسكننا ونعجز عن تفسيرها. تناديني حارتي ـ القصّاع حيث ولدت.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية