لماذا فضل ريال مدريد تعيين أنشيلوتي مدرباً على الجميع؟

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»:  رسخ الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي المثل الشعبي الشهير في بلاده «من يُتقن مهنته لا تتسخ يداه»، بحفاظه على مكانته وسمعته في السوق، كواحد من ألمع وأشهر مدربي كرة القدم منذ بداية الألفية الجديدة وحتى هذه اللحظة، تاركا نجاحاته المدوية في الدوريات الأوروبية الكبرى تتحدث عنه العقدين الماضيين، دليلا على أنه من طينة العباقرة الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف، بعدم التوقف عن تطوير وتحديث الأفكار لمواكبة العصر، أو بالأحرى ليبقى على قيد الحياة، بمجاراة المحدثين الجدد، في ما يعرفون بأساتذة كرة القدم الحديثة على رأسهم بيب غوارديولا وتوماس توخيل ويورغن كلوب ومن هم على نفس المستوى، ليجني ثمار الصبر والمثابرة في السنوات القليلة الماضية، بالعودة إلى بيته القديم والمفضل في «سانتياغو بيرنابيو».

هلا ميستر

قبل الإعلان الرسمي عن عودة ميستر كارليتو إلى ريال مدريد، كان واضحا من خلال تسريبات المحيط الإعلامي الذي يديره فلورينتينو بيريز بهاتفه، أن الأخير لا تروق له فكرة التوقيع مع رجل الغرينتا أنطونيو كونتي، لأسباب تتعلق بعدم توافق الأفكار، حيث قيل إن المدرب يشترط التوقيع مع صفقات «سوبر ستارز»، إذا كان الهدف من المشروع هو العودة إلى مناص التتويج في أسرع وقت ممكن، بعد الموسم الصفري غير المسبوق منذ سنوات، بينما القرش الأبيض لا يبحث عن هكذا نوع، بل يرغب في واحد من سفراء اللوس بلانكوس المستعدين للتضحية ولو بنسبة من الراتب السنوي، ليضع حجر أساس المشروع المستقبلي، أو كما يدور في ذهن الرئيس باستكمال ما توقف عنده زين الدين زيدان، بإتمام عملية «الإحلال والتجديد»، ببناء فريق تنافسي يكون قوامه الرئيسي من جواهر المستقبل، وذلك بطبيعة الحال على حساب دفعة لا يستهان منها من جيل «لا ديسيما». وفي نفس الوقت، يكون المدرب الجديد ملائما للتقاليد والمقدسات الثابتة في «فالديبيباس»، أقرب ما يكون للوجه الآخر لزيزو، حيث الجينات المدريدية والكاريزما اللازمة للتعامل مع الضغوط الإعلامية والجماهيرية من جانب، وللسيطرة على غرفة خلع الملابس من جانب آخر، وقبل هذا وذاك، تجنب تصدير أو افتعال الأزمات، المعنى الحرفي لمصطلح «مدرب غير صدامي»، ويبدو أن هذه الشروط لم يجدها المهندس الملياردير في مدرب أبطال الكالتشيو، ربما لباعه الموثق في افتعال المشاكل مع أنديته السابقة، بما في ذلك يوفنتوس وتشلسي وكذلك الاتحاد الإيطالي في تجربته القصيرة مع منتخب الأزوري، وآخرها اعتراضه على إستراتيجية الإدارة الصينية المستحوذة على الإنتر، بتقليل ميزانية الفريق لمساعدة النادي في تجاوز الأزمة المالية الطاحنة الناجمة عن خسائر كورونا الفادحة.
ومن الواضح أن بيريز لم يجد ما يبحث عنه في الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو، رغم ما تردد في الساعات الـ24 التي سبقت مفاجأة الكشف عن تعيين أنشيلوتي مدربا للريال في ولاية ثانية، حتى أن بعض المصادر زعم أن البوش أبلغ إدارة باريس سان جيرمان برغبته في الرحيل عن «حديقة الأمراء»، لعدم ارتياحه في عاصمة الضوء، بسبب الضغوط والطموحات الجماهيرية التي لم يتوقعها قبل موافقته على خلافة توماس توخيل في النادي الباريسي، ولم لا قد يكون السبب لحرص بيريز على علاقته القوية برجل الأعمال القطري ناصر الخليفي، ولو على المستقبل غير البعيد، بعد إتمام صفقة كيليان مبابي. ولأن التجارب السابقة أثبتت أن فلورينتينو لا يُحبذ المقامرة بكل أوراقه، فَضل إرجاء فكرة الاعتماد على الأسطورة راؤول غونزاليز لوقت آخر، منها سيواصل تمرس المهنة واكتساب المزيد من الخبرات المتراكمة، كما حدث مع زيدان نفسه، بإقحامه في «قلب المطبخ»، كرجل ثان لأنشيلوتي في موسم 2013-2014 ثم كمسؤول عن الكاستيا لمدة عام ونصف العام، إلى أن تم تكليفه بمهمة إنقاذ سمعة النادي بعد كوارث رافا بنيتيز مع بداية 2016، ومنها أيضا سيبقى صاحب القميص رقم 7 التاريخي بمثابة الورقة البديلة أو الرابحة للريال، في حال لم يوفق المدرب الجديد أو اضطر النادي لإقالته تحت أي ظرف. في المقابل استقر على أنشيلوتي، الذي يمكن اعتباره الخيار الأنسب والأكثر تطابقا للشروط المطلوبة في مدرب حقبة ما بعد زيدان وجيل «لا ديسيما»، ليس فقط لتاريخه الحافل وتمرسه على الألقاب طوال مشواره التدريبي، باستثناء آخر تجربتين مع نابولي وإيفرتون، بل أيضا لشخصيته وإرثه القديم في «سانتياغو بيرنابيو»، كمدرب لن يستغرق ثانية واحدة للتكيف مع نمط وحساسية منصبه المرموق. وإلى جانب ذلك يحظى باحترام وثقة متبادلة مع الجميع داخل المؤسسة، بداية من عمال النظافة حتى الرئيس، كيف لا وهو «عراب» الفرحة الأغلى في تاريخ النادي، حين قاد كريستيانو رونالدو وباقي الرفاق للفوز على أتلتيكو مدريد بنتيجة 4-1 في نهائي دوري الأبطال في لشبونة 2014، ليكسر عقدة الكأس «العاشرة» التي ظلت مستعصية على الريال لمدة 12 عاما.

ورطة زيدان

يعرف خصوم النادي الملكي قبل مؤيديه ومن يعرفون قانون العيش في «سانتياغو بيرنابيو»، أن هذا الكيان لا يعرف ولا يعترف في قاموسه سوى بالألقاب الكبرى، وهذه العقيدة التي تتربى عليها الأجيال داخل النادي، وأشار إليها زيدان في خطاب الوداع، بإرجاع سبب فض الشراكة إلى خروجه من الموسم بلا ألقاب، من منطلق أن الشعار داخل ريال مدريد «من لا يفوز بالبطولات عليه المغادرة»، أما النصف الآخر في بيان بطل أوروبا 3 مرات، فبدا مثل السم المدسوس في العسل، بالتعبير أولا عن امتنانه بالسنوات الطويلة التي قضاها في خدمة شعار «هلا مدريد» سواء كلاعب أو مدرب، ونفس الأمر بالنسبة لصداقته للرئيس بيريز، لكن بعد ذلك، تفنن في قلب الطاولة على الجميع، في ما وصفته صحيفة «ABC» المقربة من الرئيس، بتصفية الحسابات مع المسؤولين، باتهامهم على الملأ بـ»تسريب» أنباء إقالته «عن عمد» للمؤسسات الإعلامية المعروف انتماؤها للوس بلانكوس. والأخطر من ذلك، الرسالة الصادمة التي بعثها للأسماء المرشحة لخلافته في الدفة الفنية للفريق، بأنه رحل لغياب «الدعم والمساندة» من قبل الإدارة، وليس لشعوره بالتعب أو الإرهاق الذهني كما تم الترويج للأمر في وسائل الإعلام قبل وبعد قبول الاستقالة بشكل رسمي، كاعتراف ضمني بأنه طفح به الكيل من السياسة التقشفية، التي أجبرته أخلاقيا على مواكبة الظروف الاقتصادية الصعبة، بالموافقة على خوض حملة 2020-2021، بقائمة أقل جودة وكفاءة وخبرة من القائمة التي فازت بثنائية الليغا والسوبر الإسباني الموسم الماضي.
وما سبق عجل بانسحابه من المشروع، قبل أن يُجبر مرة أخرى على تحمل المسؤولية بعناصر لا تملك الإمكانات اللازمة لتحقيق طموحات وتطلعات الملايين في كل أرجاء المعمورة، كأسوأ انطباع تركه المدرب لكل المرشحين لخلافته في الفريق، والدليل على ذلك، التغير الكبير في صيغة ومحتوى التسريبات الخاصة بمفاوضات النادي مع المدربين المحتملين، بالكاد تجمدت التقارير التي كانت تتحدث عن التواصل مع بوتشيتينو وأنطونيو كونتي وباقي المرشحين، وفجأة ظهر اسم أنشيلوتي على الساحة، وفي غضون ساعات الليل، تم الإعلان الرسمي عن عودته، وهذا يعكس تأثير بيان زيزو العنيف على الأسماء التي كانت مرشحة، ويعطي ولو لمحة عما دار في أذهانهم بعد سماع هذه النصائح المريبة لمن سيأتي بعده، الأمر الذي قد يكون تسبب بشكل أو بآخر في وصول المفاوضات معهم إلى طريق مسدود، بعد انقلاب زيدان المفاجئ، الذي بعثر أوراق بيريز ومعاونيه، بالكشف صراحة عن النوايا الخفية والمصير المجهول بالنسبة لخليفته المنتظر، وذلك إما بقبول السياسة المتحجرة والتعهد تحقيق أعلى مستوى ممكن من الطموحات، الفوز ببطولة كبرى على أقل تقدير، وإما تحمل المطرقة الإعلامية والضغط الجماهيري ومن ثم المغادرة من أقرب باب مع أول تعثر، وذلك لاستحالة تحمل أي مبرر لخروج الريال بموسم صفري للعام الثاني تواليا. وعلى ما يبدو أن هذه التحذيرات جعلت كونتي وبوتشيتينو والبقية الكبار يعيدون النظر حول أحلام العمل في جنة «سانتياغو بيرنابيو»، لصعوبة حل معادلة تفادي «أنياب ومخالب» بيريز وضمان النجاح، وبالتالي في ظل الأسماء المتاحة في الوقت الراهن، لم يجد الرئيس خيارا أفضل من ميستر كارليتو، لاستعداده لتحمل المسؤولية تحت أي ظرف، وأثبت ذلك بشكل عملي للمرة الثانية، بالتخلي عن مشروعه المستقر مع إيفرتون، كما فعلها في العام 2013، حين ضحى بمنصبه في باريس سان جيرمان، ليحقق واحداً من أهم أحلامه على المستوى الشخصي بقيادة ريال مدريد، وها قد حالفه الحظ بتجديد الحلم بالحصول على ولاية ملكية ثانية، على أمل أن يُعيد أمجاد ماضيه السعيد، ببناء جيل «الرابعة عشرة»، كما فعلها في ولايته الأولى بصناعة ما يُعرف بجيل «العاشرة».

اقتباس توخيل

صحيح مرونة أنشيلوتي في المفاوضات وترحيبه بتنازلات بالجملة، منها على سبيل المثال العودة إلى النادي بدون ساعده الأيمن جوفاني موري، المعد البدني الذي عمل معه طوال مسيرته التدريبية، وكان من أسباب رحيله عن الريال في ولايته الأولى، بعد الاستقرار على إعادة المعد الأسبق أنطونيو بينتوس، إلى جانب خفض راتبه إلى 6.5 مليون يورو وشرط جزائي بدفع 12 شهرا في ما تبقى من العقد، لكن ما توقف عنده الجمهور المدريدي، ما قاله المدرب الجديد في مؤتمر تقديمه في «فالديبيباس»، باقتباس محتوى ما قاله منافس الأمس في الدوري الإنكليزي الممتاز توماس توخيل، حين تعهد في بداية مغامرته مع تشلسي ببناء فريق لا يتمنى أحد مقابلته في أوروبا، قبل أن تتحول مقولته إلى «اقتباس مأثور» بعد الفوز بدوري أبطال أوروبا، وهو تقريبا ما أشار إليه المدرب الإيطالي، بالتعهد بعودة الكرة والمستوى الراقي المفضل بالنسبة للمشجعين، من دون الابتعاد عن الهدف المنشود للجميع، الفوز بكل البطولات التي يشارك بها الفريق. وبالطبع هو يُدرك أكثر من غيره أنها لن تكون بالمهمة السهلة، خاصة بعد تغير ملامح الفريق الذي كتب معه المجد في 2014، بالخروج منه بأربعة ألقاب «الكأس العاشرة، كأس الملك، الكأس السوبر الأوروبية وكأس العالم للأندية»، وذلك بعد اعتزال ورحيل أسماء كانت مؤثرة في تشكيلته الأساسية، كالقديس إيكر كاسياس والأسطورة كريستيانو رونالدو وأنخيل دي ماريا، حتى من عاهدهم في الفترة بين عامي 2013 و2015. البعض منهم يستعد للخروج والبعض الآخر يعيش في أواخر خريف مسيرته الاحترافية، ما يعني أنه جاء للقيام بثورة تغيير داخل الفريق، بإفساح المجال أمام الجواهر التي أنفق عليها بيريز الملايين في السنوات الماضية، للهروب من حقيقة تضخم أسعار الصفقات «السوبر ستارز»، بدفع عشرات الملايين في المواهب الواعدة، بدلا من كسر حاجز الـ100 بعد أن يتحولوا إلى نجوم صف أول.
وستحدث هذه العملية، بإعطاء أسماء مثل فينيسيوس جونيور ورودريغو غوس وفيدريكو فالفيردي وإيدير ميليتاو وباقي الشباب دقائق لعب أكثر من أصحاب الخبرات. إلى جانب ذلك، سيحتاج الى حل شفرات المواهب التي لم تحظ بتقدير واهتمام زيدان، من نوعية لوكا يوفيتش ومارتن أوديغارد وجيزوس رينير وباقي المعارين، في حال تأجلت فكرة التوقيع مع «الغالاكتيكو» المستقبلي كيليان مبابي للصيف التالي بسبب الضائقة المالية، التي حولت ميركاتو 2020 إلى «سوبر ماركت» مجاني بامتياز، بتركيز جُل أندية العالم على اللاعبين المنتهية عقودهم مع أنديتهم، لكسر حدة خسائر كورونا الفادحة، أما غير ذلك، فيصعب التشكيك في كفاءة وخبرة أنشيلوتي، منذ أن ترعرع على يد الأيقونة أريغو ساكي، مرورا ببدايته الواعدة في مجال التدريب بقيادة ريجينا للصعود إلى الكالتشيو في منتصف التسعينات، ثم رحلة صعوده إلى هرم القمة مع الأندية الكبيرة التي تناوب على تدريبها في العقدين الماضيين، فضلا عن سيرته الذاتية شبه المثالية سواء على المستوى المهني أو الإنساني، شاملة فترته الذهبية مع الميرينغي. فقط يتبقى له الوصول للتوليفة السحرية التي ستحقق هدفه المشترك مع الإدارة والمشجعين، بتقديم ريال مدريد بنسخة مختلفة عن نسخة زيدان الدفاعية، كما فعلها في الولاية الأولى، بتحويل الريال من فريق دفاعي يلعب على الهجمات المرتدة في موسم جوزيه مورينيو الأخير، إلى فريق مخيف هجوميا، لنجاحه في إخراج أفضل ما لدى الثلاثي كريستيانو رونالدو وغاريث بيل وكريم بنزيما آنذاك، والسؤال الآن: هل سيكرر كارليتو نفس الأمر بتفجير مواهب وأسماء جدد لمساعدته على تحقيق ما جاء من أجله؟ هذا ما ستكشف عنه الشهور المقبلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية