مع ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 70 دولارا للبرميل، واستقرار أسعار الغاز في الأسواق الآسيوية فوق معدل 10 دولارات، وجدت شركات النفط الخليجية أن الفرصة قد حانت لضخ المزيد من الاستثمارات، للحاق بالزيادة المتوقعة في الطلب مع زيادة فرص التعافي الاقتصادي في الدول الصناعية المستوردة للطاقة. وبعد أن كانت الشركات قد اضطرت في العام الماضي لتخفيض الاستثمار بنسب تتراوح بين الثلث والنصف، فإنها تسعى الآن للحصول على أموال من سوق الديون العالمية لتعويض النقص في الاستثمار، وتحقيق انطلاقة جديدة في الأسواق العالمية بزيادة طاقاتها الإنتاجية. وتعتزم أرامكو وشركة قطر للبترول ومؤسسة النفط الكويتية وشركة نفط أبو ظبي وشركة النفط العمانية وغيرها، اقتراض مليارات الدولارات، خصوصا مع انخفاض تكلفة الاقتراض، وتحسن مالية حكومات الدول المصدرة للنفط، ومن ثم استقرار مستويات تصنيفها الائتماني داخل حدود إيجابية. مع العلم بأن هذا التحسن في مالية الحكومات وانخفاض العجز في ميزانياتها ما يزال أقل من أن يسمح للشركات بالاعتماد تماما على التمويل الحكومي. لكن الشركات تستفيد من تحسن مالية الحكومات بالحصول على قروض بأسعار فائدة أقل عندما ترتفع درجة التصنيف الائتماني للدولة.
أرامكو تقود الاتجاه
على الرغم من زيادة أرباحها خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة 30 في المئة، ما تزال أرامكو تعاني حتى الآن من انخفاض أرباحها في العام الماضي، وتراجع استثماراتها، حيث اضطرت للاقتطاع من الاستثمار للوفاء بتعهد توزيعات نقدية على الأرباح للمساهمين الذين اكتتبوا في شراء 1.5 في المئة من أسهم الشركة في كانون الأول/ديسمبر 2019. وتسير الخطة التمويلية الحالية في ثلاثة اتجاهات رئيسية، الأول تم الإعلان عنه مبدئيا في نيسان/أبريل الماضي ويتضمن بيع نسبة 49 في المئة من وحدة خطوط أنابيب نقل البترول، بنظام حق الانتفاع، إلى كونسورتيوم أمريكي، واستخدام حصيلة البيع في سداد ديون مستحقة، بعد أن تعثرت أرامكو في سداد قرض بقيمة 10 مليارات دولار، كانت قد حصلت عليه في العام الماضي، وطلبت في شباط/فبراير تمديد أجل السداد لمدة سنة. وتقدر قيمة صفقة خطوط الأنابيب مع الكونسورتيوم الأمريكي التي ما تزال المفاوضات بشأنها جارية، بحوالي 12.4 مليار دولار.
أما الاتجاه الثاني فيتمثل في طرح سندات وصكوك بالعملة المحلية والعملات الأجنبية من أجل توفير تمويل كاف لتغطية الاحتياجات الاستثمارية وسداد المستحقات النقدية من الأرباح على المساهمين. ومن المتوقع، أن تطرح أرامكو خلال النصف الثاني من العام الحالي عددا من الإصدارات المالية بقيمة تصل إلى 10 مليارات دولار، منها صكوك بقيمة 5 مليارات دولار، طبقا لتقارير يتم تداولها في أسواق المال، وذكرت وكالة «بلومبرغ» أن الصكوك سوف تصدر بالريال السعودي وعملات أجنبية. وكانت أرامكو قد باعت في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي سندات بقيمة 8 مليارات دولار لاجال تتراوح بين ثلاث سنوات و50 عاما، بأسعار فائدة تراوحت بين 1.1 في المئة فوق متوسط العائد على سندات الخزانة الأمريكية للسندات لأجل 3 سنوات، و 3.55 في المئة للسندات لأجل 50 عاما.
ويتمثل الاتجاه الثالث في برنامج جديد لتحفيز الاستثمار والمشاركة مع القطاع الخاص في معظم مجالات الأنشطة الصناعية. ويتم تنفيذ هذا البرنامج من خلال مبادرة «شريك» وهي مبادرة ضخمة تبلغ قيمتها 1.3 تريليون دولار (5 تريليون ريال سعودي) ويمتد العمل بها حتى العام 2030. وتسعى أرامكو من خلال مبادرة «شريك « إلى تنويع مصادر الإنتاج والاقتصاد في السعودية، بدءا من صناعات البتروكيماويات إلى كافة الصناعات الأخرى. كذلك فإن هذه المبادرة ستؤدي عمليا إلى زيادة درجة الاندماج بين شركات مملوكة لأرامكو كليا أو جزئيا مثل شركة الصناعات الأساسية «سابك» وبين القطاع الخاص السعودي.
وعلى الرغم من أن أرامكو قررت تخصيص 35 مليار دولار للاستثمار هذا العام، مقابل 27 مليارا في العام الماضي، إلا أن الاستثمارات ما تزال منخفضة بشكل كبير عما كانت عليه قبل جائحة كورونا، حين كانت تتراوح بين 40 إلى 45 مليار دولار. ومع أن انخفاض الأرباح بسبب انخفاض الأسعار وكميات التصدير أدى إلى هبوط الاستثمارات، فإن تخصيص استثمارات أقل لم ينقذ أرامكو من اللجوء إلى المزيد من القروض خلال العام الماضي، حتى ارتفعت نسبة الديون المستحقة قياسا إلى أصول الشركة لتصل إلى 23 في المئة في اذار/مارس من العام الحالي، متجاوزة سقف الاقتراض الذي كانت أرامكو قد حددته بما لا يتجاوز 15 في المئة من قيمة أصولها الرأسمالية في السوق.
توسعات قطر للبترول
استطاعت قطر، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم، أن تبدأ استثمارات كبيرة خلال فترة هبوط الدورة الاقتصادية، وانخفاض الطلب على النفط والغاز في العالم. وتمكنت خلال العام الماضي من عقد صفقات مهمة في مجالات بناء ناقلات جديدة للغاز المسال في ترسانات بناء الناقلات في كل من كوريا الجنوبية والصين، مستفيدة من انخفاض أسعار التعاقدات نتيجة انخفاض الطلب على الناقلات الجديدة. كما استطاعت أيضا إبرام عقود طويلة المدى لاستئجار منشآت لاستقبال وتخزين الغاز المسال في أنحاء مختلفة من العالم، بما في ذلك فرنسا والمملكة المتحدة وبلجيكا. وإضافة إلى ذلك فقد وقعت عددا من اتفاقيات الإمدادات طويلة المدى تصل مدتها إلى 25 عاما، توفر للغاز القطري سوقا مضمونة في المستقبل، عندما يتعافى الطلب العالمي.
ومع ذلك فإن احتياجات تمويل التوسعات في أنشطة الاستخراج، وإنتاج الغاز المسال في المرحلتين الثانية والثالثة من مراحل تطوير حقل غاز الشمال تدفع شركة قطر للبترول إلى زيادة الاقتراض من سوق الديون العالمية. وقد أشارت تقارير مالية إلى أن قطر تعتزم إصدار سندات بقيمة 10 مليارات دولار في وقت قريب، وذكرت وكالة «بلومبرغ» أنه تجري حاليا دراسة تفاصيل الإصدار بواسطة عدد من البنوك الاستثمارية المتخصصة، مثل مجموعة سيتي، وجي بي مورجان، وجولدمان ساكس. ويأتي طلب الإصدار على خلفية تصنيف ائتماني بدرجة عالية، الأمر الذي يساعد على تخفيض تكلفة الاقتراض.
دخول متعدد للإمارات
تدخل شركات الإمارات إلى سوق الديون العالمية من أكثر من قناة، منها صندوق مبادلة، والشركات الخاصة أو المملوكة للإمارات أهمها أبو ظبي ودبي. وقد دخل صندوق مبادلة إلى سوق الديون مرتين هذا العام، كانت الأخيرة في الشهر الماضي، بسندات قيمتها 1.5 مليار دولار، وكانت الأولى قبل ذلك بثلاثة أشهر بسندات قيمتها 1.1 مليار دولار، وذلك على شرائح مختلفة. كذلك فإن حكومة الإمارات طرحت في الشهر الماضي سندات بقيمة مليار دولار لأجل 7 سنوات، وكانت في اب/أغسطس من العام الماضي قد طرحت سندات بقيمة 5 مليارات دولار على ثلاث شرائح. ومن بين الشركات الأخرى التي تسعى للحصول على تمويل خارجي شركة «اتصالات» وشركة «أدنوك». وكانت الأخيرة قد باعت حصة كبيرة من خطوط الأنابيب المملوكة لها خلال العالمين الأخيرين.
مؤسسة نفط الكويت
وإلى جانب السعودية وقطر والإمارات تستعد مؤسسة نفط الكويت هي الأخرى للاقتراض من سوق المال العالمية، لتعويض النقص في الاستثمارات، وعجز الحكومة عن التمويل، في ظل تراجع الإيرادات. وتقدر مؤسسة نفط الكويت الفجوة التمويلية بنحو 6 مليارات دينار كويتي أو ما يقرب من 20 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، لكنها قررت تأجيل اتخاذ أي قرار بشأن التمويل حتى تقوم بمراجعة الموقف خلال النصف الثاني من العام الحالي. وكانت المؤسسة قد اقترضت مليار دينار كويتي (3.27 مليار دولار) في تشرين الأول/أكتوبر الماضي من بنك الكويت الوطني وبيت التمويل الكويتي لتغطية احتياجات التمويل.
شركة النفط العمانية
تسعى عمان لزيادة طاقتها الإنتاجية من أقل من مليون برميل يوميا في الوقت الحاضر إلى 1.1 مليون برميل على الأقل. لكن ذلك يحتاج إلى استثمارات جديدة لا تستطيع الحكومة توفيرها لشركة النفط العمانية بسبب العجز في الميزانية العامة للدولة، بعد أن كانت الشركة قد حصلت بالفعل على مساندة مالية من الحكومة بقيمة 8.6 مليار دولار. وقد وضعت الشركة خطة استثمارية طموحة تتكلف 7.9 مليار دولار على مدار 5 سنوات، تتضمن برنامج بيع أصول مملوكة لها، وطرح سندات للاكتئاب العام، وإصدار سندات دولية بقيمة 500 مليون دولار على الأقل.
وفي الوقت نفسه فإن الحكومة العمانية هي الأخرى دخلت سوق الديون العالمية منذ بداية العام الحالي، بالاقتراض من البنوك وإصدار سندات دولية لتغطية احتياجات الميزانية، كما بدأت أيضا في بيع حصص مملوكة لها في شركة النفط العمانية.
ويتضح من التحليل السابق أن علاقة الدول العربية المصدرة للنفط وشركاتها لم تعد علاقة تسير في اتجاه واحد فقط، بل أن شركات النفط والدول الخليجية أصبحت تتعامل مع سوق الديون العالمية كطرف مودع، وكطرف مقترض في الوقت نفسه، يتأثر بأوضاع السوق العالمية أكبر من أن يؤثر فيها.