ليبيا: معدل الجريمة الاجتماعية يرتفع ليمثل الآثار النفسية المدمرة للحرب على المواطنين

حجم الخط
0

طرابلس-»القدس العربي»: آثار عديدة خلفتها الحروب المدمرة التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية، خاصة بعد انتشار السلاح الذي أدى إلى زيادة نسبة الاجرام الاجتماعي، فضلا عن مشاهد الدماء المؤلمة والمقابر الجماعية والأشلاء، وأصوات البنادق والمدافع المستمرة والتي خلفت آثارا نفسية لدى مختلف فئات الشعب الليبي .
انتشار ملفت لمعدل الجريمة شهدته ليبيا خلال الآونة الأخيرة بين أبناء العائلات الواحدة، حيث انتشر القتل وبطرق مروعة وشنيعة، ما دعى العديد من المتتبعين للمشهد والمتخصصين في علم النفس الاجتماعي يؤكدون أن هذا الانتشار هو نتاج لسنوات من الحروب والدماء التي شهدتها الدولة .
فقد أثرت مشاهد الدماء وأصوات القنابل على الحالة النفسية للشباب بشكل خاص وعلى مستوى العدوانية لديهم، فضلا عن الأطفال الذين أصبح صوت الرصاص لا يخيفهم، بل تغيرت طريقة اللعب والتسلية لديهم، وأصبحوا يجسدون معارك كلعبة على أرض الواقع بينهم باستخدام ألعاب المسدسات والبنادق.
ومع ضعف الوعي بضرورة العلاج النفسي، فضلا عن قلة الكوادر المتخصصة في هذا الشأن بليبيا، وقلة عدد المراكز المتخصصة والتي تحصى وتعد على أصابع اليد الواحدة، تأزم الوضع في ليبيا، ولم توضع حلول ولم تتضائل حدة الأزمة والمشكلة، بل سجلت خلال الفترة الأخيرة عدة جرائم.

جريمة كاباو

اهتزت الأوساط الليبية والعربية قبل أيام إثر جريمة القتل المروعة التي راحت ضحيتها عائلة كاملة في مدينة كاباو الليبية بجبل نفوسة، والتي قتلت على مائدة الإفطار بدم بارد.
وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر أفراد العائلة وهم غارقون في دمائهم؛ أب وأم مع طفلين صغيرين، كانوا جالسين على مائدة الإفطار قبيل أذان المغرب قبل أن يلاقوا حتفهم على يد 3 شبان.
وتمكنت الأجهزة الأمنية من القبض على المجرمين، الذين من بينهم اثنان شقيقان لأب الأسرة فاضل عاشور، في الضاحية الجنوبية لطرابلس ليتحدثوا عن تفاصيل الجريمة وأسبابها التي تبين أنها تعود لأحقاد وخلافات مالية قديمة.
الجناة قالوا إنهم تزودوا بالسلاح وانطلقوا، في 29 نيسان/أبريل الماضي، من العاصمة طرابلس باتجاه جبل نفوسة حيث تقع مدينة كاباو التي تقطن بها الأسرة المنكوبة، واتفقوا على قتل العائلة بالكامل، واقتسام الأموال فيما بينهم.
وبحسب اعترافات الجناة، فقد دخل اثنان منهم إلى المنزل، أحدهما شقيق المغدور به، ليباشر قتل أخيه، ومن ثم زوجته، ولم يرض ذلك حقد الجاني فأردى الطفل سريعا، وظل يلتحق الطفلة الصغيرة التي حاولت الهرب إلا أن القاتل سرعان ما لحق بها وأنهى آخر أنفاسها؛ لينتهي وجود فاضل وعائلته في دقائق، في واقعة لم تشهد لها المدن الليبية مثيلا.
وقال أسامة عاشور المجرم الذي قتل العائلة، إن ما ارتكبه هو انتقام لوالدته التي ماتت جراء خلافات على تركة وأموال جعلتها تدخل في مشاكل صحية فقدت حياتها على إثرها، مرددا أنه حين قرر تنفيذ العملية كان «صائما» ولم يكن متعاطيا لأي مخدرات، وأنه قتل الابن والابنة انتقاما من شقيقه فاضل وزوجته، في إصرار منقطع النظير.
وأشار عدد من التربويين في ليبيا إلى أن هذه الواقعة تعد سابقة من نوعها، وأن فداحة الجريمة، والأسلوب الذي تم به إنهاء حياة أسرة فاضل عاشور يعد مؤشرا خطرا، وجرس إنذار يهدد الحياة الاجتماعية في ليبيا، لاسيما بعد كل الظروف والنزاعات التي مرت بها البلاد، ما يستدعي جهودا استثنائية على كل الأصعدة لوقف هذا الخاطر القادم.

رجل يقتل ابنته

خلال شهر رمضان المبارك، اهتزت ليبيا أيضا بجريمة أخرى وتداولتها وسائل الإعلام والمحلية والعربية، حيث كانت الضحية هذه المرة طفلة صغيرة تبلغ من العمر ثلاث سنوات فقط، بطريقة مروعة أثارت غضب الشارع الليبي، واحتجاجه .
حيث قام رجل من مدينة أجدابيا بوضع طفلته البالغة من العمر ثلاث سنوات في المياه الساخنة بحوض الاستحمام لمدة 45 دقيقة، ما أدى إلى إصابتها بحروق في كامل جسدها بنسبة 90 في المئة، وذلك بناء على تصريح لرئيس وحدة التحريات بقسم البحث الجنائي أجدابيا، محمد الفاخري.
وقد ورد بلاغ لقسم البحث الجنائي من مستشفى أجدابيا، يفيد بوصول طفلة صغيرة تبلغ من العمر ثلاث سنوات تعرضت لحروق جسيمة بجسدها، نتيجة وقوع مياه ساخنة عليها، وجرى استدعاء والد الطفلة وزوجته للتحقيق معهما ومعرفة التفاصيل الكاملة، وبحسب تصريح أدلى به الوالد بدايةً في محضر التحقيق، فإنه كان خارج المنزل أثناء وقوع الماء الساخن على طفلته في المطبخ، مع وجود زوجة الأب التي قامت بإسعافها إلى المستشفى حسب تصريحات الفاخري .
وقال الفاخري أن تفاصيل الجريمة اتضحت بشكل متوالي بعد التحقيقات الكاملة مع زوجة والد الطفلة، التي اعترفت بالتفاصيل الحقيقية والتي جاءت مخالفة للأقوال التى أدلى بها والد الطفلة في بداية التحقيق.
وفي سياق متصل قالت زوجة والد الطفلة رابحة أن الأسباب التي دفعت الوالد لارتكاب الجريمة هي إصابة الفتاة بإسهال حاد، وبسبب عدم قدرتها على الذهاب إلى الحمام، أقدم الوالد على ضربها بواسطة سوط متسبباً في عدة إصابات بجسدها، وهو ما أكده تقرير الطبيب الشرعي بالمستشفى.
ومن ثم قام والدها بنقلها إلى دورة المياه ووضعها في حوض الاستحمام وفتح الماء الساخن عليها لمدة 45 دقيقة، ما أدى إلى إصابة الطفلة بحروق في كامل جسدها بنسبة 90 في المئة، ما أدى إلى وفاتها.
وأوضحت زوجة الأب، أنه وبعد وفاة الطفلة قام الوالد بوضعها في إحدى غرف المنزل من الظهيرة إلى الساعة التاسعة ليلاً، واتفق معها بأن يخرج من المنزل وتتصل هي بأحد أقاربه لكي يتم إسعاف الطفلة إلى المستشفى، وبالفعل قام أحد أقاربه بنقل الطفلة إلى مستشفى أجدابيا، حيث وصلت متوفية نتيجة تعرضها للضرب المبرح وسكب المياه الساخنة على كامل جسدها.
وبعد مواجهة والد الطفلة باعترافات زوجته أثناء التحقيقات اعترف بارتكابه الجريمة، وبعد انتقال الجهات المعنية إلى بيته وتفتيشه عثرت أجهزة الأمن على أدوات تستخدم في تعاطي مخدر الحشيش.
وعلى صعيد الشارع الليبي فقد أغلق عدد من المواطنين المحتجين أحد الشوارع الرئيسية في المدينة، احتجاجاً على مقتل الطفلة رابحة عبد الحميد، على يد والدها، وتعبيرا عن غضبهم من هذه الجريمة الشنيعة، مطالبين الجهات الأمنية في المدينة بإنزال أقصى أنواع العقوبات بحق والدها لارتكابه هذه الجريمة.
وخلال الاحتجاجات الغاضبة التي نظمها المواطنون شاركت أم الطفلة الحقيقية، وقد انتشر مقطع فيديو لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي طالبت من خلالها بالقصاص من والدها الذي قتل ابنته بلا ذنب، ولم يرحم طفلته ولا يستحق الرحمة، ويجب إنزال أقصى العقوبات عليه.
وقالت الأم نداءً لأهل أجدابيا وليبيا «أريد حق طفلتي التي قتلت بلا ذنب على يد أبيها وأريد تسليمي بقية أولادي».
كما أدانت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا مقتل الطفلة على يد والدها مطالبة مجلس النواب بـ»إصدار قانون حماية الأسرة من العنف ومواءمة القوانين المحلية مع الاتفاقات الدولية، خصوصاً اتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة».
وفي معظم المناطق الليبية تنتشر جرائم القتل المروعة خارج إطار القانون، فضلا عن الاخفاء القسري والسجن والترهيب والتعذيب وتظل كل هذه التصرفات السلوكية المفاجئة، مجموعة من مخلفات الحرب النفسية على المواطنين التي جعلتهم أكثر عدوانية في التعامل مع كافة المشاكل التي يواجهونها في حياتهم.
مشكلة تحتاج إلى وقفة جدية من قبل السلطات المسؤولة من خلال نشر واستحداث نراكز للاصلاح والعلاج النفسي، ومحاسبة مرتكبي الجرائم وفق القانون وفي محاكم شرعية علنية ليكونوا عبرة لغيرهم.
ولكن البنية التحتية في البلاد كانت وما زالت تستبعد الاهتمام بمثل هذه المنشآت المهمة، في ظل عدم قدرة الدولة اقتصاديا على تخصيص مبالغ للمعالجة النفسية من آثار الحرب، وفي ظل حالة الصراع التي لم تتوقف إلا منذ أشهر بسيطة .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية