بغداد-»القدس العربي»: يتصاعد حراك وضغوط قوية محلية ودولية، على الحكومة العراقية وأحزاب السلطة، من أجل كشف ومعاقبة قتلة المتظاهرين والناشطين في العراق، وسط مؤشرات عن توصل لجان تحقيق حكومية، وفعاليات شعبية وسياسية، إلى نتائج إيجابية في تحديد هوية القتلة والجهات التي تقف وراءها.
وجاء تصاعد دعوات تفعيل ملف محاسبة قتلة المتظاهرين، عقب موجة الاغتيالات الجديدة، لناشطين في التظاهرات ومرشحين للانتخابات، وبعد قمع تظاهرة 25 ايار/مايو الماضي في بغداد، التي سقط فيها ضحايا جدد بنيران القوات الأمنية.
ويبدو ان هذه الدعوات والضغوط على حكومة مصطفى الكاظمي قد أتت بعض ثمارها، حيث جاء التحرك الحكومي مؤخرا، عبر إلقاء القبض على القيادي في الحشد الشعبي قاسم مصلح المتهم بالمسؤولية عن اغتيال الناشطين إيهاب الوزني وفاهم الطائي في كربلاء، إضافة إلى اعتقال آخرين متورطين بهذا الملف. وهو الإجراء الذي أدى إلى قيام عناصر من الحشد الشعبي باقتحام المنطقة الخضراء، مقر الحكومة والبرلمان والبعثات الدبلوماسية، وتهديد الحكومة لإجبارها على إطلاق سراحه رغم وجود مذكرة قبض قانونية بحقه. وعد العراقيون والمراقبون تحرك فصائل مسلحة نحو المنطقة الخضراء وتحديها للحكومة، بمثابة إقرار من تلك الفصائل بتورطها في عمليات الاغتيالات ضد النشطاء والمتظاهرين.
وفي تطور على صلة بملف الاغتيالات، قدم نواب من كتل سياسية مختلفة، طلبا إلى رئاسة مجلس النواب لعقد جلسة خاصة تستضيف فيها قادة الأجهزة الأمنية للوقوف على ملف الاغتيالات ونتائج التحقيق فيها، على خلفية استمرار الاستهدافات رغم تخفيف حركة التظاهرات الاحتجاجية. ومع ان كتلا سياسية برلمانية مؤثرة، وخاصة تلك التي لها أذرع مسلحة، يتوقع ان تعرقل هذا المسعى، أو تلجأ لتسويفه، من أجل التستر على بعض الفصائل المتورطة في تلك الجرائم، إلا ان الضغوط المحلية والدولية على القوى السياسية العراقية تزداد قوة يوما بعد يوم لكشف الحقائق.
مؤشرات عن قتلة المتظاهرين
واللافت في الأيام الأخيرة ظهور المزيد من المؤشرات لتحديد الجهات المسؤولة عن عمليات الاغتيالات، بعد ان كانت الاتهامات عامة في السابق. فإضافة إلى اعتقال الحكومة للقائد في الحشد الشعبي قاسم مصلح، المقرب من الحرس الثوري الإيراني، مع بعض أتباعه، بناء على مذكرات قانونية ضدهم، لتورطهم في قتل الناشطين إيهاب الوزني وفاهم الطائي في كربلاء، فإن المصادر تشير إلى ان لجان التحقيق الحكومية قد توصلت إلى كشف العديد من الأسماء المتورطة في الاغتيالات، وان بعضهم تم اعتقاله فعلا.
وقد بدأت الحقائق تتكشف عن جهات أخرى متورطة في هذا الملف، ومنها منظمة بدر التي انشأتها إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية ( 1980 – 1988) والتي تغلغلت في الأجهزة الأمنية الحكومية بعد 2003. حيث دعا حزب «البيت الوطني» وهو أحد الكيانات السياسية لثوار انتفاضة اكتوبر، منظمة بدر إلى تسليم المتهمين من أعضائها بقتل الناشطين، إلى القضاء، لتتضح الحقائق أمام الشعب العراقي. ودعا رئيس الحزب حسين الغرابي، القوى السياسية إلى التوقف عن التدخل في عمل القضاء والضغط عليه لعدم كشف القتلة، مشيرا إلى تصريح ورد على لسان زعيم منظمة بدر هادي العامري، قال فيه «إننا نضغط على القضاء». وخلال ندوة على تطبيق «كلوب هاوس» شارك فيها ناشطون وشهود عيان، عن عملية خطف الناشط سجاد العراقي في محافظة ذي قار جنوب العراق، أكد بعضهم انهم تعرفوا على أحد منفذي العملية، وهو شخص معروف من منظمة بدر في المحافظة.
وكان العديد من النشطاء والمتظاهرين، وجهوا اتهامات علنية إلى عناصر من التيار الصدري، بالمسؤولية عن اغتيال العديد من النشطاء وقمع التظاهرات في النجف وبغداد وواسط وأماكن أخرى، فيما أشارت مصادر أخرى إلى تورط ميليشيات أخرى ابرزها حزب الله العراق والعصائب في هذا الملف.
وفي خضم تصاعد التظاهرات الاحتجاجية، انتشرت معلومات في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، عن قيام الفصائل الولائية بتشكيل «غرفة عمليات مشتركة» لتحديد الناشطين والمتظاهرين البارزين من أجل استهدافهم وتصفيتهم، في محاولة لقمع الحراك الشعبي وإجهاض مطالبه المشروعة، وإسكات الأصوات المعارضة لأحزاب السلطة. وهذا هو السر وراء إقدام المتظاهرين وفي مناسبات عديدة بمهاجمة وإحراق مقرات الفصائل والأحزاب الولائية في جنوب ووسط العراق، لاتهامها بالتورط بقتل المتظاهرين.
ضغوط دولية لكشف القتلة
وعقب حملة انتقادات من ناشطي التظاهرات، لتقصير بعثة الأمم المتحدة في العراق «يونامي» في ملف قمع التظاهرات والناشطين، فقد أصدرت الأخيرة أحدث تقاريرها، الذي أشارت فيه إلى ان «هناك 48 حادثة أو محاولة اغتيال موثقة في العراق منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 وإلى الخامس عشر من ايار/مايو عام 2021» مؤكدة ان كل تلك الحوادث والمحاولات مرت بدون «أي عقاب» لمنفذيها.
وقال تقرير يونامي «إن حوادث إطلاق النار التي يقوم بها عناصر مسلحة مجهولة الهوية» أسفرت عن وفاة ما لا يقل عن 32 شخصا وإصابة 21 آخرين، كما ان «هناك ما لا يقل عن 20 متظاهرا ممن اختطفتهم عناصر مسلحة مجهولة الهوية» مفقودين «بدون أي جهد واضح لمعرفة مكانهم، وإطلاق سراحهم، أو الإقرار بمصيرهم».
وفي انتقاد واضح للحكومة العراقية، ذكر التقرير الأممي، «ان تلك الحوادث، شهدت اعتقالات» لكن أيا منها «لم يتجاوز المرحلة التحقيقية» مما يسمح للعناصر المسلحة المجهولة الهوية أن «تفلح في الإفلات من العقاب». كما قالت البعثة إنها ترى أن «الحكومة لم تتمكن من احترام حقوق العديد من الضحايا وعوائلهم في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة والإنصاف» بما يؤشر «عدم قدرة الحكومة على الضمان الكامل للحق في الحياة أو في الوفاء بالتزاماتها في حماية كافة الأشخاص من الاختفاء القسري».
وبدورها، حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش، لحقوق الإنسان الدولية، من ان أعمال القتل التي تقوم بها الجماعات المسلحة، وتستهدف نشطاء وصحافيين في العراق، ستلقي بظلالها على الانتخابات العراقية القادمة، لأنها تنشر مناخ الخوف في صفوف المحتجين الذين دعوا للتغيير منذ انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر 2019.
وقال المنظمة في تقرير حديث «إن عدم اتخاذ السلطات العراقية خطوات عاجلة لوقف عمليات القتل خارج نطاق القانون، سيشيع مناخ الخوف ويحد من قدرة العراقيين على المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقررة في أكتوبر المقبل».
وذكرت الباحثة في قسم الأزمات والنزاعات في المنظمة، بلقيس والي، «إن عمليات القتل استمرت على مدار العام ونصف العام الماضيين على الرغم من تراجع الاحتجاجات في العراق» مشيرة إلى تقارير المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان في العراق، عن تسجيل 81 محاولة اغتيال ضد نشطاء وصحافيين مناهضين للحكومة منذ بدء المظاهرات، وان نحو ثلث عمليات القتل هذه، وقعت منذ أن تولت حكومة الكاظمي السلطة قبل نحو عام، والتي «فشلت في ضمان أي محاسبة أو عدالة» حسب قولها.
ووصفت والي الجماعات المسلحة بأنها أصبحت «وقحة للغاية لدرجة أن المسلحين لا يخشون الاقتراب من شخص ما في منتصف الشارع في مدينة عراقية كبرى وإطلاق النار عليه من دون الخوف من أي عواقب» محذرة من مستقبل «قاتم» ينتظر العراق على اعتبار أن العديد من الجماعات المسلحة التي تقف وراء عمليات القتل الأخيرة لديها أحزاب سياسية، بعضها موجود في البرلمان.
وكانت مفوضية حقوق الإنسان في العراق، أعلنت عن حصول «أكثر من 70 عملية اغتيال طالت ناشطي التظاهرات منذ عام 2019 وحتى الآن» إضافة إلى أعداد المغيبين في التظاهرات الذي وصل لنحو 80 شخصا، عدا عن نحو 700 شهيد و25 ألف جريح من المتظاهرين المطالبين بالحقوق المشروعة.
ومن أجل تعزيز زخم الحراك لكشف قتلة المتظاهرين، شهدت العديد من دول العالم، منها الولايات المتحدة وبريطانيا والنمسا وبروكسل وغيرها، تظاهرات نظمها مغتربون عراقيون وعرب، في وقفات احتجاجية، للتضامن مع حركة الاحتجاجات في العراق، وإدانة حملة الاغتيالات ضد الناشطين وقمع التظاهرات وللمطالبة بالضغط على حكومة بغداد، للتعامل بجدية مع ملف محاكمة القتلة، كما اتهم المتظاهرون، ميليشيات تابعة لإيران، بالوقوف وراء عمليات الاغتيالات.
وهكذا فإن جميع المؤشرات عن هوية «فرق الموت» التي تستهدف المتظاهرين والناشطين في العراق، تشير إلى ارتباطها بالفصائل الموالية لإيران، التي اخترقت الأجهزة الأمنية الحكومية، وتحظى بدعم قوى سياسية متنفذة في الحكومة والبرلمان، وهو السبب وراء عجز اللجان الحكومية التحقيقية، عن إاعلان نتائج التحقيق في كل عمليات الاغتيالات التي وقعت، أو الكشف عن الجهات التي تقف وراءها، إلا ان الضغوط المحلية والخارجية المتصاعدة، قد تشجع الحكومة، (أو تجبرها) على التحرك لكشف بعض الحقائق، في ضوء الاهتمام الواسع الذي تحظى به هذه القضية الحساسة من الشعب والمرجعيات المختلفة.