تقولُ «مجموعة الأزمات الدولية» حول نفوذ إيران في العراق، في بحث نشرته في آذار/مارس 2005 عقب أول انتخابات نيابية أعقبت الغزو الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدّام حسين، إن أولوية طهران تتمثل في الحيلولة دون ظهور العراق من جديد كتهديد لها، سواء أكان ذلك في شكل عسكري أم سياسي أم أيديولوجي، وسواء أكان ذلك من خلال إخفاقه أم نجاحه. وقد ترتّب على ذلك نشوء استراتيجية ذات ثلاث شعاب معقّدة: التشجيع على ديموقراطية الانتخابات كوسيلة لإنتاج الحكم الشيعي؛ والترويج لخلق درجة من الفوضى بحيث تكون سهلة الانقياد، وذلك بإحداث اضطراب مطوّل ولكن قابل للسيطرة عليه؛ والاستثمار في سلسلة واسعة من الفاعلين العراقيّين المتنوّعين، الذين كثيراً ما يكونون منافسين، لتقليل المخاطر إلى الحدّ الأدنى في أيّة نتيجة يمكن تصوّرها.
تلك الأولوية والاستراتيجية لم تتغيّر إلى اليوم، لا بل جرى ويجري اعتمادها وتنفيذها بدقة. بين 2003 – و2014 نسج الإيرانيون علاقاتٍ متداخلةً ذات طبيعة سياسية-اقتصادية-إثنية – طائفية مع كل المكوّنات العراقية من الشيعة والسنّة والأكراد، بالتوازي مع بناء أذرع أمنية وعسكرية واستخباراتية، كان لها تأثيرها ونفوذها في المشهد العراقي. لكن ذلك تعزّز أكثر واتّخذ شكلاً جديداً بعد الـ2014 في ضوء ظهور «داعش» وفتوى المرجع الشيعي علي السيستاني حول «الجهاد الكفائي» وانخراط «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني مع الحشد الشعبي في الحرب على «التنظيم» التي أسست إلى تعاون أوسع مع الأمريكيين كان بدأ في أفغانستان، واستكان له الرجل وظَّن أنه في مأمن.
تحوَّل الحشد الشعبي، في شقّه المحسوب على الحرس الثوري، بعد هزيمة «داعش» قوة سياسية بمسمّى «فصائل المقاومة العراقية»، وهي التي تتبنى المواجهة الأمنية – العسكرية مع الوجود الأمريكي في العراق، وتقود المعركة السياسية لخروجه، رغم أن هذه الهزيمة ما كانت لتحصل لولا استعانة حكومة بغداد بالأمريكيين ونشوء التحالف الدولي لهذه الغاية. ويعيشُ العراق اليوم على وقع الصدام المتقطع بين حكومة مصطفى الكاظمي، وليدة الحركة الاحتجاجية، والفصائل المنضوية في سياق الشرعية الأمنية والخارجة عليها في آن.
إيران تُمسكُ بالفصائل، ولكنها في الوقت نفسه تصوغ علاقات متينة مع الآخرين، كل من موقعه المتخاصم مع العراق، سواء ضمن البيئة الشيعية أو مع المكوّنات الأخرى. شكّلتْ «ثورةُ تشرين» الاحتجاجية في جنوب العراق ووسطه مكمن قلق لإيران. تلك الثورة التي حصلت في البيئة الشيعية، ورُفع فيها شعار «إيران برّا برّا… بغداد حرّة حرّة» والتي انبثقت من رحم الفقر والجوع والحرمان وفقدان الأمل، وسط كمٍ هائلٍ من فساد ومحاصصة السلطة الحاكمة، ما كان يمكن أن تُترك تنمو وتُزهر، فجرى الانقضاض عليها.
يقول أحد منظري محور إيران إن عملية الاستيعاب لمرحلة الاحتجاجات التي أَحدثت خلط أوراق تاريخياً في العملية السياسية وأطاحت بالتوازنات، قادها مقتدى الصدر، وأسّس لعملية الانقضاض على مشروعية الحراك، بالتواطؤ مع إيران والحشد الشعبي. تمّت إزاحة الحراك الشعبي، الذي تمّت شيطنته واعتباره نتاجاً أمريكياً ومؤامرة، وما عاد عنصراً حاسماً في رسم المعادلة السياسية مع الانتخابات النيابية المقررة في تشرين الأول/أكتوبر، بعدما تولّت «كواتم الصوت» المهمة في تصفية النشطاء.
سيكون مقتدى الصدر رقماً صعباً وقوة سياسية أساسية لها خصوصيتها، وكذلك يتم التحضير لعودة قوية لنوري المالكي بحيث يكون «الحصان الأسود» الذي سيجمع كل القوى المتقاطعة على علاقتها المتقدمة مع الإيرانيين. وبرأي منظري إيران أنه حتى لو أدى الانقسام السياسي الشيعي إلى بروز توازنات جديدة، فإن طهران قادرة، كما مع كل استحقاق انتخابي، على أن تجد نقطة تقاطع – رغم العداوة الشرسة والشخصية بين الصدر والمالكي – على إيجاد فتوى ومصالح مشتركة لبقائهما مجتمعين، خاصة أن رئيس الوزراء الآتي من تجربة أمنية لا يملك شرعية شعبية وسياسية ليشكل حجر رحى في الانتخابات، فالرجل يستندُ بشرعيته إلى تقاطع القوى الخارجية، وتحديداً الأمريكية – الإيرانية. طهران تُدرك ملياً أنه مع الانقسام الشيعي يُصبح السنّة والأكراد أكثر قدرة على التأثير، وإن كانت هي حاضرةً عندهما أيضاً.
ما يبدو في الأفق، أن الانتخابات ستحصل على وهج مساكنة بين طهران وواشنطن في العراق، لا مصادمة، بالرغم من وتيرة الضربات التي تستهدف الأمريكيين، والتي تُدرجها إيران ضمن «الضربات التذكيرية» وسياسة الرسائل، وسط قناعة بأن إدارة جو بايدن تعمل على «خروج ناعم» من العراق والمنطقة.
على أنه في غياب عنوان خارجي تحريضي، وفي غياب اصطناع «وحش» مذهبي أو طائفي وخطر وجودي، فإن العناوين الأساسية، المتعلقة بواقع الدولة المترهل وواقع مؤسساتها وخدماتها وبناها التحتية المدمرة والمطالب الاجتماعية المزمنة وحالة الفساد المستشري، ستكون هي «عدّة الشغل». وهذا سيكون، بحد ذاته، التحدّي الأكبر أمام تلك القوى التي أمسكت، منذ الغزو الأمريكي، بالسلطة وتحاصصتها، وأوصلت العملية السياسية إلى حائط مسدود، إذ كيف يمكن أن تُشكّل حالة استقطاب للناس في عناوين اتّسمت على أيديهم بالفشل؟
يُدرك منظّرو إيران أن السيّد علي السيستاني، بما يُشكّله من مرجعية، يبقى العنصر الحاكم في المسار الشيعي العراقي وكذلك الوطني، وأنه استطاع إخضاع الإيرانيين، بشكل أو بآخر، للقواعد التي ترسمها مرجعية النجف، سواء رغبوا في ذلك أم لم يرغبوا.
يفهمُ الإيرانيون جيداً التوازنات العراقية والطبيعة السياسية والجغرافية التي تحكمها. ثمّة اقتناعٌ بأنهم يتكيّفون مع صعوبات الخصوصية العراقية، على قاعدة الحدّ من الأضرار وتنويع العلاقات مع مختلف اللاعبين وربطهم بمصالح أكبر. يُؤمّنون للكاظمي غطاءً من الدولة الإيرانية خارج إطار ولاء الحشد الشعبي المرتبط بالحرس. بالطبع هي عملية توزيع أدوار مُتقنة، ولا سيما أن الرجل – من وجهة نظرهم – نجح في أن يجعل من العراق ساحة تقاطع للمشتبكين، سواء أمريكا-إيران، أو السعودية-إيران.
ينتظرون ما سينجمُ عن الاتفاق النووي من فرص تمدّد وتكريس مزيدٍ من النفوذ، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان، تنطلق من تشخيص بأن هذه الساحات ليست جزءاً من المفاوضات الجارية مع واشنطن والتي تتناول النووي واليمن دون غيرهما. رهانهم على ما يسمونه «الفكرة الخلّاقة» المبنية على المعادلة التالية: «التعايش مع أمريكا حيث تتواجد، وضمان مصالحها حيث تنسحب». ويضربون موعداً للإعلان عن الاتفاق النووي، إنه بعد ثلاثة أسابيع من وصول إبراهيم رئيسي إلى سدّة الرئاسة الإيرانية في الانتخابات المقررة نهاية الشهر الجاري. إنها بداية حقبة جديدة سيعكسُ العراق ماهيتها ومآلاتها وتأثيرها على المنطقة برمتها.