عبد الفتاح إبراهيم وعلي شريعتي: مسؤولية المفكر التاريخية

أرسى المفكر العراقي عبد الفتاح إبراهيم (1904ـ2003) الأساس لنشأة علم الاجتماع في العراق بكتبه «مقدمة في علم الاجتماع» و»دراسات في علم الاجتماع» و»الاجتماع والماركسية» مفيدا من تخصصه في تعزيز نشاطه الفكري، فأسس جماعة الأهالي، ونشر الكثير من المقالات التي شعت منها أفكاره التحررية، وميوله التقدمية، إلى جانب ما قام به من ترجمات نُشرت في صحف ومجلات عصره كمجلة «العصر الحديث» وجريدة «الأهالي» العراقيتين.
ويعد كتابه «على طريق الهند» الذي ألفه مفتتح ثلاثينيات القرن العشرين من أولى الدراسات العربية المهمة في تحليل ظاهرة الغزو الاستعماري، وفق نظريات علم الاجتماع والسياسة والاقتصاد، متناولا أنواع الحكم السياسي كالملكية والديمقراطية والديكتاتورية، مبينا كيفية إحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي ونشر الوعي الثوري ضد المستعمرين.
وهو ما أعطى للكتاب أهمية كبيرة، حتى أن الطبعة الأولى منه والصادرة عام 1932 نفدت في مدة وجيزة، فأعاد طبعه عام 1935 مضيفا إلى الطبعة الثانية بعض المباحث الجديدة.
ولأن تاريخ الدول الحديثة يرتبط بالقوة الاستعمارية الرأسمالية، منذ القرن الثامن عشر ومن بعده، خصص عبد الفتاح إبراهيم جزءا مهما من هذا الكتاب لتتبع الظاهرة الاستعمارية في الشرق الأوسط والأدنى، محللا طبيعة النظام الرأسمالي، وكيف نما وتميز بخصائص عديدة لم يعرفها أي نظام اقتصادي سابق على الإطلاق، وأثر في تصاعد الحركات الاجتماعية وقوتها في العالم الثالث.
وممن تنبه إلى دراسة الظاهرة الاستعمارية في الشرقين الأدنى والأوسط المفكر الإيراني علي شريعتي (1930ـ1977) الذي تناول بوعي معرفي وتخصصية اجتماعية هذه الظاهرة، في كتابيه «العودة إلى الذات» و»مسؤولية المثقف» وكتب أخرى دعا فيها إلى العودة إلى الذات التي تعني عنده الثورة، والمعجزة التي يصنعها الإيمان والوعي، انتقاما من المسيطرين عبر التاريخ، الذين يريدون للقوالب القديمة أو المستوردة من أوروبا أن تظل سائدة.
ليكون الاثنان عبد الفتاح إبراهيم وعلي شريعتي مفكرين عالميين، يتجاوزان في تفكيرهما النطاق المحلي، بكل ما تعنيه العالمية من الشمول والانفتاح. وإذا كان عبد الفتاح إبراهيم قد سبق شريعتي بعقدين كاملين تفكيرا في الأدوار الاستعمارية، واتضح هذا التفكير بعد عودته من الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1930، متخصصا في علم الاجتماع؛ فإن علي شريعتي هو الآخر وطد منهجيته الفكرية، بالابتعاث للدراسة في فرنسا، متخصصا في تاريخ الإسلام وعلم الاجتماع، ليمارس بعد عودته إلى إيران عام 1959 نشاطه الفكري، باثا طروحاته التنويرية في أوساط المتعلمين والمتخصصين، إلى جانب جهوده في جمعية «حسينية الإرشاد» منذ عام 1969، فكان لكل ذلك الأثر المهم في شهرته وألمعية اسمه، مفكرا من طراز جديد. ومثلما طالت علي شريعتي المضايقات والملاحقات، فكانت سببا غير مباشر في إنهاء نشاطه الفكري بوفاته في لندن في عمر مبكر، كذلك تعرض قبله عبد الفتاح إبراهيم إلى القمع والملاحقة، بسبب فكره التحرري الذي ألبّ الحكومات الغاشمة عليه، ليكون كل ذلك إيذانا بتواري فكره التقدمي عن الساحة العراقية، لعقود كاملة حتى أن كتبه ودراساته ومقالاته حُظرت، ومن ذلك كتبه عن الفاشية، وقصة النفط والجذور الفكرية للحركة الشعبية، والمهاتما غاندي والحرب والتطور الاجتماعي.
ولعل كتابه «على طريق الهند» فريد جداً، لأنه الأول من نوعه عربيا في دراسة تاريخ الاستعمار، وتأثيره في الشرقين الأوسط والأدنى وتاريخ العراق يأتي داخله ضمنا، واعتمد في تحليلاته ومحصلاته على مصادر أجنبية، وكانت له في جزء مهم من الكتاب تنبوءات بتغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية، أثبتت الأحداث اللاحقة صحتها، لاسيما ما يتعلق بتقهقر الاستعمار، وتمادي الرأسمالية، الذي سيكون له أثر في إشاعة التغيير الاجتماعي بين الشعوب المستعمَرة، مشعلا فتيل المقاومة الثورية والتحرر الوطني. ومن يقرأ ما طرحه عبد الفتاح إبراهيم وما دعا إليه علي شريعتي من أفكار حول الاستعمار ومخاطره، فسيجد أنهما امتلكا وعيا حراً جعلهما مفكرين عالميين. الاثنان انتقدا الرأسمالية، وحذّرا من التبعية الاستعمارية، متأثرين ببعض المفكرين الغربيين، فكان شريعتي كثير الاعتداد بفرانز فانون، وإيما سيزار ويوجين يونسكو، بينما تأثر عبد الفتاح إبراهيم بدوركهايم وماركس فيبر الذي درس العلاقة المعقدة بين البنى الاقتصادية وجوانب التنظيم الاجتماعية الأخرى، مهتما بالخصائص النوعية للرأسمالية الأوروبية، التي بها دعمت نظامها الرأسمالي، ومنها تنمية أسواق جديدة تجعل الشركات الرأسمالية تتنافس في ما بينها لبيع منتجاتها، وللحصول على المواد الخام الرخيصة، واستخدام الأيدي العاملة القليلة الكلفة.

أما شريعتي فتنبأ بأن الاستعمار سيجاهد لكي يرسخ جذور هذه البيئة الراكدة، ويثبتها في أعماق المجتمعات الشرقية.

وقد وضح إبراهيم، في ذلك الوقت المبكر، أعني عشرينيات القرن000 الماضي كيف كان الرأسماليون يتنافسون بعضهم مع بعض لبيع منتجاتهم للمستهلكين، ولأن العراق في ما مضى كان ملتقى الطرق التجارية بين الشرق والغرب، وكانت البصرة من أهم مرافئ العالم، عمل الإنكليز على تحويله إلى سوق بها يحافظون على بقائهم، فكانت حملتهم العسكرية على العراق ضمانا لسلامة طريق الهند. أما ما وجده علي شريعتي فهو «أن دول أوروبا منذ منتصف القرن التاسع عشر، أخذت تنصب خيامها السياسية والاقتصادية والثقافية في دول آسيا وافريقيا، بعد غزوها عسكريا. وكان المفكرون المستنيرون والعلماء والكتاب في أوروبا يتحدثون عن الاستغلال، وكانت الحرب الطبقية والتحررية والكفاح ضد الرأسمالية مشتعلة في أوروبا الغربية والوسطى وإنكلترا» (العودة إلى الذات).
ومما وجده عبد الفتاح إبراهيم وسيهتم به علي شريعتي أيضا الدعاية كطريقة ناجعة في التمهيد للحملات الاستعمارية، من خلال بث الدعاية الواسعة للبلاد، التي أرادوا استعمارها في الشرق الأدنى، لاسيما العراق فأعادوا إلى الأذهان ذكر ماضيه المجيد، وما قامت فيه من امبراطوريات، كما بثوا بين الناس أخبار ألف ليلة وليلة وهارون الرشيد، وما ورد عن هذه البلاد في الكتب المقدسة، وفي تاريخ هيرودكس من حكايات ووقائع» (على طريق الهند).
وحلل علي شريعتي كيف أن هذه الدعاية استعمار جديد يريد محو الشخصية الثقافية للجميع، متسائلا: «إلى أي ذات نعود؟ هل نغرق في مفهوم وهمي مطلق يسمى الإنسانية أو العالمية؟ مصوراً لنا الغرب وهو يسخِّر منذ القرن الثامن عشر علماء الاجتماع والمؤرخين والكتاب والفنانين، بل الثوريين والإنسانيين فيه، لكي يفرضوا على العالم النظرية القائلة بأن الحضارة واحدة هي تلك التي صنعها الغرب، وعرضها على الدنيا ولسان حاله يقول: «إن كل من يريد أن يصير متحضرا عليه أن يستهلك الحضارة التي نصنعها» ( العودة إلى الذات).
وعبد الفتاح إبراهيم هو الذي وجد أن الصلة قديمة ووثيقة بين رجال الدين والاستعمار، فلم يكن البعد العسكري المتنامي والتدخل الاقتصادي وحدهما المعتمدين في الهيمنة، بل كان للدين دور مهم أيضا، من خلال مقدم أفواج المبشرين ورجال الدين المسيحيين إلى بلدان الشرق الأدنى، وتحدث باستفاضة عن زيارة القيصر إلى بيت المقدس، التي جعلت السلطان عبد الحميد يقوي صلته بروسيا، مؤكدا أن أغراضها كانت اقتصادية، وأن هذه الرحلة كانت فاتحة للحملة الرأسمالية الآتية على الدولة العثمانية.
وتابعه علي شريعتي فانتقد رجال الدين الذين سماهم أوصياء الفكر، كما انتقد الماركسية، مؤكدا أن بناء المجتمع ليس بناءً بسيطاً، بحيث يوضع بناء اقتصادي أسفله ثم تبنى فوقه الأخلاق والدين والفن والفقه، بل إن مجموع هذه العناصر تمزج في ما بينها لتشكل البيئة الاجتماعية، وعندها يمكن التنبؤ بالمستقبل والحدس. ورفع شعار(العودة إلى الذات) الذي هو نفسه شعار المفكرين الدينيين وغير الدينيين مثل، عمر أوزجان وكينياتا وسنغور وكاتب ياسين وجلال آل أحمد، وكلهم تأثر بهم علي شريعتي.
وركز عبد الفتاح إبراهيم على مسألة التعصب العنصري بوصفه أمض أسلحة الاستعمار، لأنه يشغل الناس عن الواقع بالأوهام، ويزيد الشرق ضعفا، منتهيا إلى حقيقة استشرف من خلالها مستقبل الاستعمار البريطاني، متنبئا بأن يكون العراق مقرا لوسائل دفاعه وميدانا للمعارك الدامية في الحرب المقبلة، يعني الحرب العالمية الثانية. أما شريعتي فتنبأ بأن الاستعمار سيجاهد لكي يرسخ جذور هذه البيئة الراكدة، ويثبتها في أعماق المجتمعات الشرقية. وإذا كانت المسؤولية الثقافية قد حملت عبد الفتاح إبراهيم على تقديم النصح للعراقيين قائلا: «حري بأهل العراق أن يفكروا في المستقبل القريب وأن ينتبهوا.. وأن يستفيدوا.. وأن يتذكروا دائما وأبدا أن خلاصهم من الاستعمار منوط بتعاون شعوب الشرق كافة» فإن علي شريعتي تأسف من منطلق مسؤوليته الثقافية أيضا، على حال المفكرين وهم يغفلون عن موضوع العودة إلى الذات، متبعين الآخر الأوروبي غير آخذين معرفتهم للعالم من خلال أنفسهم» (العودة إلى الذات) مؤكدا أن المفكر خادم للبشرية يحمل على عاتقه مسؤولية تنوير العالم، ليكون دوره دور الائمة وقادة التغيير والتبديل.

ركز عبد الفتاح إبراهيم على مسألة التعصب العنصري بوصفه أمض أسلحة الاستعمار، لأنه يشغل الناس عن الواقع بالأوهام، ويزيد الشرق ضعفا، منتهيا إلى حقيقة استشرف من خلالها مستقبل الاستعمار البريطاني، متنبئا بأن يكون العراق مقرا لوسائل دفاعه وميدانا للمعارك الدامية في الحرب المقبلة، يعني الحرب العالمية الثانية.

ولأن فكر عبد الفتاح إبراهيم عالمي لذلك ربط الاجتماع بالاقتصاد والتاريخ والسياسة والفلسفة والأديان ورأس المال تماما كما فعل علي شريعتي، وهو يؤسس لمعنى المثقف المسؤول الذي يفكر ويريد من وراء التفكير في عصره وجيله أن يحدد الدور الاجتماعي الواجب على غيره من المفكرين والمتعلمين والمثقفين في المجتمعات الآسيوية، أو الإسلامية أن يحملوه على عواتقهم. ولئن أوصلت كثير من تفسيرات عبد الفتاح إبراهيم إلى حقائق، منها أن الأهمية التاريخية للاحتكارات في المجتمع الحديث تدلل دلالة قوية على أن الصراعات السياسية والقومية لم تعد لها أهمية أمام المصالح الاقتصادية، فكذلك توصل علي شريعتي إلى حقائق منها أن الحضارة والبداوة ليستا مظاهر، فجندب بن جنادة رجل من البدو، هو أبو ذر الغفاري لكنه تحضر بفكره ووعيه ورؤيته. وقد فرق شريعتي بين العصرية التي تتحقق بالتقليد، والحضارة التي تتحقق بالتحرر من التقليد، مطلقا على من يقلد الأجانب مصطلح (متشبه عصري) ممثلا على المسألة بـ(العربي في الحيرة، والعربي في غسان، لا هو بدوي ولا هو متحضر، بل هو متشبه عصري ذاك مقلد لكسرى وهذا مقلد لقيصر) (العودة إلى الذات).
مؤدى القول إن القواسم المشتركة بين المفكرين عبد الفتاح إبراهيم وعلي شريعتي أكثر وضوحا وأشد حضورا، فكلا الرجلين عرف بنزعته اليسارية وميله إلى الإسهام المباشر في الحدث السياسي الجماهيري اليومي، وكلاهما أثّر في حركة الجماهير ونضالها ضد كل مظاهر التبعية والاستغلال، فلم يركنا كغيرهما من المفكرين إلى النأي عن حركة الجماهير، فمثلا نأى المفكر علي الوردي بنفسه عن المشاركة في معترك النضال الجماهيري، وظل يكيل جام غضبه على الأفراد والمجتمع، لا على الأنظمة، أي كان يسلط الأضواء على النتائج ويترك الأسباب. وهذا ما أوضحناه في أكثر في مناسبة تناولنا فيها فكره ودللنا عليه.
ولكل من عبد الفتاح إبراهيم وعلي شريعتي، إرث سياسي أثّر في الحركات والأحزاب السياسية، فعبد الفتاح إبراهيم مارس دورا بارزا في الحركة الوطنية العراقية بتأسيسه جماعة الأهالي، وكذلك بإشاعته تيار الشعبية الذي استمد مفرداته من الفكر الثوري الاشتراكي، إلا إنه افترق عن الفكر الماركسي ـ كما هو شأن علي شريعتي ـ فكان عالميا فكره وسابقيا تخصصه في علم الاجتماع.
ومن الطبيعي أن يكون لكتابه «على طريق الهند» تأثير في الدكتور علي الوردي وهو يؤلف كتابه «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» وفيه انصرف عن علم النفس الاجتماعي وعلم اجتماع المعرفة، متجهاً صوب دراسة التاريخ السياسي وتحليل أحداثه اجتماعياً.

كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية