سرد الحكاية وحكاية السرد في رواية «ميلاجرو»

في روايتها الأخيرة «ميلاجرو» توظف الروائية السورية ريما بالي الفلاش باك للعودة إلى بعض الأحداث للكشف عن جذور الأزمة في بلادها، التي لم تكن طفرة، بل نتيجة تراكمات لتحولات الحكم في سوريا. وتمثل الرواية إدانة للنظام الذي يقوم على الطائفية والمحسوبية، والانحدار ثقافيا واجتماعيا، وتركز الرواية على الحركة التصحيحية، وتعرج على بعض الأحداث المتعلقة بتاريخ سوريا الحديث والمعاصر؛ زمن الانتداب، الاستقلال 1941، الجلاء 1946، والوحدة مع مصر1959/1961.
إن اختيار هذه المحطات التاريخية وغيرها، جاء ليضع القارئ في سياق سياسي وتاريخي وفكري، ليقودنا إلى بعض الأنساق الثقافية المضمرة، وبعض الخطابات المسكوت عنها، التي قد تكون عنصرا من عناصر الأزمة في سوريا». التأثير الفرنسي الذي بثّته البعثات والمدارس والرهبنات، لم ينحسر رغم فكّ الارتباط السياسي والعسكري. وبقيت آثاره العميقة جلية لفترة طويلة من الزمن، خصوصا على العائلات المسيحية في حلب، التي حمّلت أولادها أسماء فرنسية، ودرّبتهم ليحلموا بفرنسا كوطن مشتهى وجنة بعيدة المنال». إن توظيف التاريخي في هذه الرواية جاء ليكشف عن خطاب مسكوت عنه وهو، أن الاستعمار والاحتلال والانتداب هو وجهة لعملة واحدة، حب السيطرة والاستغلال والهيمنة على الشعوب لأطول فترة ممكنة، وهو وإن اضطر للمغادرة، يكون قد استثمر في العنصر البشري حتى يضمن لنفسه وجودا في الزمان والمكان.
رواية «ميلاجرو» تؤرخ لمحنة سوريا من خلال تتبع حياة سيدة مسيحية تنتقل إلى إسبانيا ثم النمسا فإسبانيا، وتقع في حب رجل متزوج يكون نتاج هذه العلاقة بنتا يموت والدها قبل مولدها، وكأن هذا البنت هي رمز سوريا الأمل، سوريا بعد الأزمة، وكأن الحل سيأتي من أوروبا؛ فتتنبأ الرواية بجنيف 4 التي تحمل الأمل في تشكيل حكومة وطنية، تضم ممثلين عن النظام والمعارضة، مع المحافظة على مؤسسة الجيش السوري، وتغيير الدستور، وتجميد صلاحيات الرئيس لهذه الفترة وبعدها تجري انتخابات رئاسية في وقت مبكر برعاية الأمم المتحدة..
حاولت الرواية أن تحتفظ بمسافة بينها وبين الأطراف الفاعلة في محنة سوريا، وقدمت نفسها على أنها ضحية الحرب؛ ولذا قامت بتسجيل الوقائع وتوثيقها، والتأكيد على أن الأزمة السورية متعددة الأطراف، ولكثير من دول الجوار علاقة بتطور الأحداث، ومن ثم تدعو إيران والسعودية وتركيا وقطر وروسيا للتوقف عن تمويل أي فصيل وتسليح أي مقاتل في الأرض.
يقوم بناء الرواية على الانطلاق من لحظة وصول امرأة إلى النمسا وتوجهها إلى مركز تسيير شؤون اللاجئين، ثم تتداخل الوقائع بين الحاضر والماضي لترصد مأساة السوريين في المهجر، ومعاناة طالبي اللجوء للبحث عن وطن غير شرعي.
«حمل زميلاي ما يخصهما وتوجها إلى غرفتهما، حيث أشار لهما كريستوفر، الذي وقف ينظر إلى حقيبتي الكبيرة بحيرة قبل أن يقول:
ـ هل أحضرت كل سوريا معك؟
كنت سأقول له بعفوية:
-لا لا، هذا فقط قسم صغير جدا من ملابسي، تركت كثيرا منها في سوريا .
لكنني اكتفيت بابتسامة صامتة، وفكرت: لقد تركت أهم ما أملك في سوريا، تركت جزءا من حياتي في سوريا، وتركت سوريا، هل من حقيبة في العالم تتسع لحياة، أو لوطن؟»
إن لغة الرواية جاءت مناسبة للسرد والوصف في انسيابية وسلاسة، وكانت تنقل لنا عوالم لغوية متعددة ومتنوعة، من خلال محطات مهمة في الرحلة من سوريا إلى النمسا، وصولا إلى إسبانيا، مرورا باليونان، وصعوبة الرحلة وأهوالها ومخاطرها ومحطاتها المتنوعة لغويا، وهي إن كشفت لنا عن صعوبة المعاملة في النمسا، ورقتها نوعا ما وإنسانيتها في إسبانيا، فإنها في الواقع فضلت أن تجعل الحوار في النمسا، وفي إسبانيا بلغة عربية فصيحة، وكأنها في رأيي تصادر الحضور اللغوي المتعدد، لمّا تحدثت بدلا من شخوصها الأجانب، حرمت الرواية من حضور لغوي آخر مخالف ومتميز لوجود بشري مخالف. أشارت إلى المترجمة لتكشف عن طريقة التواصل بين الراوية والأجانب؛ «المترجمة العراقية، أضافت على لساني باجتهاد شخصي منها شيئا عن احترام النمسا لكرامة وحقوق الإنسان، كسبب إضافي لرغبتي بالاستقرار فيها، وشيئا آخر عن الظروف الاقتصادية الصعبة والبطالة في إسبانيا».
وهكذا نجد الراوية تنقل كل هذا بوساطتها، ومن دون أن تعطي فرصة للآخر بالتموقع داخل الرواية، إلا حسب الرؤية الفنية المؤطرة، وحسب استراتيجية الكتابة لديها، وقد يكون ذلك نوعا من التغييب غير الإرادي للآخر، الذي لا يحضر إلا عبر هذه الرؤية.»
– مرحبا، أنا كريستوفر.. هل يتحدث أحدكم الإنكليزية؟». قد نلتمس عذرا أو أكثر لهذا الاختيار، لكن في المقابل ألا توجد اختيارات أخرى للتعبير عن التعدد اللغوي في هذه الرواية؟ خاصة أن الراوية كانت تعرف اللغات، فما الحاجة إلى وجود مترجم أو حتى ترجمة، وهي تخبرنا في مواقع أخرى بمعرفة باللغة الإنكليزية والفرنسية لطبيعة عملها».
ـ آه حلب، أسمع عنها كثيرا في الأخبار، كيف تعلمت الإنكليزية؟ في المدرسة مثل جهاز الهضم؟
ـ الإنكليزية ّ تعلمتها بدروس خصوصية ودورات تعليمية، أما في المدرسة فقد تعلمت الفرنسية
ـ وتجيدين الفرنسية أيضا؟
ـ نعم، القليل منها، الإلمام باللغات كان ضروريا في مهنتي…»
عرفنا أن الترجمة كانت حاضرة، لكن ما اللغة التي يترجم إليها أو منها، ما اللغة الهدف، وما اللغة الوسيلة في هذه الترجمة؟ ثم إن الراوية تخبرنا في موقع آخر أنها كانت هي نفسها تترجم. «ترجمت ما قاله للطبيب الذي سجّل عنده، وسأل عن السبب، أجاب مصطفى متلعثما:
ـ لا ولا إشي ، بس من سنة تقريبا صدمتني سيارة وسببت لي الضرر بالأذن.
ترجمت ما قال، وأكمل الطبيب الأسئلة».
جاء الحوار في هذه الرواية بالفصحى وبالعامية السورية ووشح بكلمات إسبانية وجرمانية حسب الحاجة.
«ـ أنت فلسطيني أيضا؟ سأله عصمت.
ـ مو فلسطيني بس، ومن مخيم اليرموك في دمشق كمان.
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.
ـ هلكونا يا زلمة، سنتين حصار دون أكل وشرب وكهربا، كنا نخاطر بحياتنا لنؤمن للولاد كمشة طحين، وآخرتا، دخلوا داعش، هيك فجأة وبكل سهولة، وشو كان الرد؟».
إن الحوار ها هنا يضفي على الأحداث واقعية وألفة، ويجعل الخطاب يمر بسهولة ويسر، بل أكثر من ذلك قد يولد إحساسا بالانتماء، وشعورا بالمشاركة الوجدانية، ويسمح بتوطين الأحداث باللغة في الزمان والمكان، ويعطي للشخصية حرية أكبر لتعبر عن هويتها وخصوصيتها الثقافية والاجتماعية والنفسية. فقد وظفت في فصل: رؤيا1 الثنائية اللغوية بين العربية والإنكليزية، لما يدور الحوار بين الراوية والسائح النمساوي.
«كان يقف في الخارج، يبتسم بأدب ملتمسا الدخول
/ Please do come in- تفضل بالدخول
– Thank you «
تقتضي واقعية الأحداث أن يكون الحوار حسب كل شخصية وهويتها ومستواها الثقافي والاجتماعي، وحسب الوظيفة والمهنة والرتبة، «من دون استئذان، فتح باب الغرفة ودخلت امرأة ممسكة بلائحة كبيرة وهي تصرخ: إكس راي، إكس راي. قفزت من الفراش مذعورة، فأشارت لي أن أنزل خلفها. وقبل أن تخرج تذكّرت شيئاً واستدارت وسألتني وهي تشير إلى بطنها: (برغننت؟) حامل.
نو.. أجبتها، قبل أن تغادر إلى الغرف الأخرى وتتابع صراخها: إكس راي، إكس راي».

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية