عن الذئب وأصوات خرفان الغناء وتهمة إفساد الذوق العام

حجم الخط
0

عن الذئب وأصوات خرفان الغناء وتهمة إفساد الذوق العام

خميس الخياطيعن الذئب وأصوات خرفان الغناء وتهمة إفساد الذوق العام الأقمار الإصطناعية والتي تغطي العالم العربي اليوم تمطره دون هوادة بشتي الأطباق الأخلاقية والإعلامية والترفيهية وما إلي ذلك لحد أنها ،أمام إنحسار خارطة التعليم العمومي ورفع الدول العربية أيديها عن تأمين الثقافة للجميع كما تفعل في ميادين أخري إستجابة لعرائس بحر الـ ليبيرالية ، لم تصبح هذه الأقمار مصدرا اساسيا للمعرفة فقط بل فتحة علي سلم القيم الجماعي العربي أيضا حتي أن بإمكان أي باحث نفساني أن يرسم صورة العرب الأساسية اليوم من خلال ما يتلقاه الإنسان العربي. من بين هذه الأقمار الممثلة لجنس جديد من الصراع بين الدول، هناك القمر الإصطناعي المصري نايل سات . وإن مثل هذا القمر المصري (العربي) قفزة نوعية لجهة نقل التكنولوجيا وساهم بقسط وفير في تأكيد الريادة المصرية علي المنطقة بأجنحتها الخليجية والمشرقية والمغاربية وذلك بتحمله مجموعة من حزم الخطب الإعلامية ـ الترفيهية العربية، فإنه ولهذه الأسباب أصبح واجهة الإعلام العربي ومصبا لمفردات خردة هذا الخطاب…الغنائيات وتهمة تعكير ماء الوادي… هذا الخميس مساء، ستبث قناة الجزيرة حلقة من برنامج كواليس وقد خصصه الفريق المنتج للقنوات الغنائية (أو الموسيقية) العربية. وما شد إنتباهي في الإعلان عن هذا البرنامج سؤال له غلاف البراءة ولب المعرفة في حين ينطوي علي دهاء إعلامي وأفكار مسبقة. يبحث السؤال في صيغة سلبية عن علاقة هذه القنوات بـ ثقافتنا العربية الإسلامية . من الوهلة الأولي، قد يتساءل القارئ النزيه علي صيغة المثال الشعبي التونسي آش جاب شعبان لرمضان؟ ، بمعني ما علاقة هذه القنوات بالثقافة العربية الإسلامية التي منذ سنين أصبحت تحشر حشرا عسيرا في كل شيء وفي لاشيء. هذه المقاربة تشبه تلك التي تبحث في الجانب العربي ـ الإسلامي من النشرات الجوية. أليس الأمر مضحكا؟ ألئن الجمهور عربي حتي توضع مثل هذه المقاربة؟ أما أسلمة الجمهور، فقد تكون وقد لا تكون لأنه، بحسب علمي، عالمنا العربي يتضمن كذلك علي أقليات دينية. وبالتالي وحتي تستقيم المقاربة، علينا أن نعرف الثقافة العربية الإسلامية وما المفهوم منها اليوم. هل نعني بها الجانب المتحجر في مرجعيتنا أم الجانب المتفتح فينا والعامل علي إستشراف مستقبلنا؟ من هذه الزاوية، يصبح الأمر شائكا لأن مثل هذه المقاربة، إذا أريد لها نتيجة موضوعية، تفرض علي من يضعها أن يحدد المقاييس وإلا لأصبح السؤال وسيلة خبيثة لذبح الخرفان بعد إتهامها بأنها أفسدت الذوق العام الفاسد أصلا وأساسا…القمر الإصطناعي المصري الذي ترتع به جل الفضائيات الغنائية العربية محل تساؤل برنامج الجزيرة يتبع الدولة المصرية وإن به بعض الخواص بحسب بعض المعلومات. ومن هنا، سياسة فتح القنوات لا تستجيب فقط للدافع المادي الذي لا يستهان به خاصة وأصحاب القنوات هم من الأثرياء الخليجيين الذين يتوجهون أساسا إلي أبناء بلادهم حيث البعض منهم محروم من حرية زخرف الدنيا لا لسبب إلا لأنها فانية. بل هناك دوافع سياسية حتي وإن قيل بأنها غير موجودة. وإن لم تكن الدوافع السياسية موجودة، كيف نفسر إذا عدم وجود قنوات إذاعية أو تلفزية معارضة للأنظمة العربية علي ظهر نايل سات؟ إن لم يكن لهذه القنوات الغنائية العربية مردود مالي وفير وشاشاتها تتضمن في الحالات المتوسطة علي معلومات خمس في الآن نفسه كل معلومة منها مصدر لجلب المال، كيف يمكن لها أن تستمر وأن تتكاثر؟ نحن في عالم تجاري والبقاء للذي يمتلك سندا ماليا… فحتي عندما تكون الأغاني دينية وبها أناس يصلون (نهج البردة) نجد علي الشاشة معلومات تبادل رسائل الحب بين المشاهدين والمشاهدات…سوق خردة نايل سات القنوات الغنائية العربية تصل 30 قناة من بين ما يقارب الـ300 قناة المحملة لهذا القمر، مما يعني أنها لا تتعدي عشرة في المئة. كيف يمكن لمثل هذه النسبة الضئيلة أن تفعل فعلها الإنحلالي إن لم تكن القنوات الأخري جامدة وجليدية وقاتلة لكل نبض حياتي بسبب أيديولوجيا محافظة علي ما تعتبره خطأ من مكونات الهوية العربية الإسلامية . ثم ماذا نعني بالإنحلال؟ ألئن بعض الومضات الغنائية تتضمن صورا غير معهودة لشباب يعيش شبابه حتي يصرخ ممثلو المجتمعات العربية المستقرة طالبين منه أن يستمع إلي نهج البردة المذكورة سابقا (اداء مسعود كوريتي وإخراج هاني أسامة) أو أغاني سامي يوسف وغيره؟ لقد ذكرت بعض المعلومات الصحافية المصرية بأن الأغنية الدينية أصبحت هي الأخري موضة يراد منها التكفير عن الذنوب واداء الزكاة ومنها أغان لعمرو دياب ومحمد فؤاد ومحمد منير وإيهاب توفيق… بعضها أستعمل كموسيقي تيترات بعض المسلسلات مثل مسلسل متولي الشعراوي وتستعمل في الأعراس وعلي الهواتف الجوالة… (راجع كتابنا تسريب الرمل. الخطاب السلفي في الفضائيات العربية ). ومهما يكون الأمر، ففيه مغالطات كبيرة لأن الشباب العربي إن إهتم بما تبثه الغنائيات فذلك لأن مستوي العيش في جل الدول العربية (وخاصة الخليجية منها) قد تطور ولم يعد مكرسا كما بالأمس في النضال من أجل الكرامة . الشباب العربي اليوم تفتحت عيناه علي مطالب أخري غير العمل وحرية التعبير (بالمفهوم الضيق)، بل مطالب مبنية علي أسس إستهلاكية شاملة تبدأ بحرية الذوق وتنتهي بحرية الجسد مرورا بحرية الإستماع والملبس إلخ من مظاهر الحرية الفردية حتي وإن صبت كلها في خندق تشييء الفرد العربي… ذلك أن الحدود الفاصلة في السابق بين البلدان والحضارات أصبحت حدودا ورقية وشفافة وذابت الفوارق الكبيرة بينه وبين شباب ضواحي باريس ولندن ولوس أنجلس وكل المراكز الصناعية المبعثرة في العالم… فأصبحنا في عالم الشباب بمعزل عن مكوناته الخصوصية. تقييمنا للقنوات الغنائية يجب أن يأخذ بعين الإعتبار مستويات الشبه هذه. صورة واحدة لأسماء متعددة لو أردنا موضوعيا أن نقيم هذه القنوات، لا يجب أن تكون نظرتنا نظرة أخلاقية بالمعني الضيق للأخلاق كأن تغسل يديك قبل أن تأكل وتبسمل قبل أن تدخل إلخ… من مظاهر الشكليات والكليشيات الإيمانية. يجب أن ننظر إليها في خانتها، الخانة المرئية الغنائية مقارنة بنظيراتها الأوروبيات والغربيات عموما. لأ أعرف ماذا يحصل في اليابان ولا في القنوات التي تغطي العالم الآسيوي؟ قنواتنا العربيات في هذا الباب تشبه تماما أسواق الخردة الموجودة علي أبواب مدننا وعواصمنا العربية وتحديدا خردة عالمثالثية بمعني أننا أمام خليط من القيم المرئية والسمعية لا نفهم رأسه من ذيله ولنا عذرنا لأننا لم نترب علي مثل هذا ونؤيد المطرب السوري صبري المدلل الذي قال لنا مرة أنه لا يفهم شابا مرة يغني علي حصان وأخري مترجلا وثالثة وهو جالس أمام طاولة… فلو نظرنا إلي البعض القليل مما تقدمه هذه القنوات لوجدنا أن الشكل العام لكل ما يقدم مقولب بصفة تجذب الإنتباه معتمدة علي مفردات مبسطة وإن فقيرة في معناها ومدلولها البصري. كل المغنيات (ولا تستعمل المطربات) لهن إسم واحد عادة ما يشتم منه أنه مستعار مثل رنيم، دالي، رنين، أصالة، شيرين، جيتارا، نجلاء، لطيفة، وعد، روبي وغير ذلك كثير. مثل هذه الاسماء تستجيب قبل كل شيء إلي مبدأ التجارة والإستهلاك. إختيار الإسم في العملية التجارية هو من أسس الـ ماركيتينغ . ثانيا عديد المغنيات يحملن ألبسة إما هي من باب الحميمية مثل الألبسة الداخلية من ساتان وحرير ولنا المغنية وهي تتلوي علي الفراش الذي يشبه في كثير من الأحيان ذلك الموجود في بيوت الدعارة أو في ديكورات الأفلام الرومانسية وبالتالي تصب الصورة في خانة الحبيبة التقليدية أو هي من باب اللباس المعاصر (شروال وميني جوب أو فستان مفتوح من جهة الفخذ والصدر) وإن هي لا تخرج علي ما نشاهده في حياتنا اليومية، فهي عبر الحركة والإضاءة والقطع تكون لنفسها معاني أخري… في الحالتين نجد أنفسنا أمام لغة بصرية متكررة عادة ما هي في قطيعة مع كلمات الأغنية (فقر الكلمات موضوع آخر إذ بإمكان فنانين الكليبات غناء دليل الهاتف).ولو أضفنا الألوان مثل ألوان لطيفة في خليوني أو نانسي عجرم في ما كل همي إزاي أرضيه وهي من إخراج المبدعة نادين لبكي دون أن نشير إلي ألوان ألبسة شيرين وروبي وغيرهما، لوجدنا أنها تكرس نظرة إستهلاكية بمعني أنها من الغرابة التي تدفعك إلي جانب التهريج منه إلي جانب الفن. وقد يكون التهريج لدينا فنا ذلك أن الحريات العامة والفردية مرهونة في قرار مزاجي من طرف المسؤول ولا يتحكم فيها قانون. وحينما نكلل الكل بالهيئات العامة الموجودة في جل الكليبات مثل كورس الخليجيات اللواتي يلعبن بشعورهن ويتمايلن بأجساد مكتنزة لا علاقة لها بالرقص إلا من باب هز البطن والردف أو فتيات وفتيان يرقصون وهم يحتسون كؤوسا من المشروبات الغازية المسكرة ـ وهو من النفاق العام ـ أو آخرون ملثمون كما في أغنية بدي أعيش لهيفاء وهبي ومن إخراج طوني قهوجي أو هيئة إمرأة وراء القضبان في كليب من إخراج فاطمة محمد أو هلع وإستنفار جراء هزة أرضية في ومضة عن الحب الضائع أو فتيان شعورهم مطلية بزيت إصطناعي وكأننا أمام مجموعة من القنافذ… الأمكنة والفضاءات المصورة والأكسسوارات كلها تعني جغرافية إستهلاكية مصطنعة لا علاقة لها لا بالإسلام ولا بالعروبة ولا هم لها الإسلام والعروبة لأنهما ليسا اهدافها. الهدف الرئيسي والاساسي والوحيد هو الفرجة. وحينما تجتمع الفرجة والأخلاق الحميدة، فالغلبة للأخيرة. وحينما تصبح الأخلاق الحميدة مقياسا وحيدا، فعلي الحرية الفردية السلام… أن نخاف من تأثير 10 في المئة من القنوات الفضائية العربية، فذلك علامة علي فقدان المناعة… والذي فقد مناعته، الله يرحمه…جملة مفيدة: الرجل الأول الذي سيخطو علي سطح القمر سيجد صعوبات عدة لا لسبب إلا لأنه أول من يخطو علي سطح القمر . فرانك سيناترا في فيلم سادنلي الأمريكي.ناقد وإعلامي من تونس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية