■ في الرواية الشهيرة يقوم طالب طب مهوس وذكي بجامعة ركسبورك اسمه فيكتور فرانكنشتاين بإجراء تجربة على جزء من النسيج البشري، فيكتشف أنه قادر على إحيائه.. فيبدأ فيكتور بجمع أطراف وقطع طرية من جثث بشرية حديثة الدفن، ثم يخيطها بشكل غير متناسق.. التجربة تنجح في إحياء هذا المسخ، لكنه يفاجأ بأن مخلوقه الجديد غاية في القبح والضخامة والعنف ومتعطش للقتل.. يهرب مسخ فرانكنشتاين ويعيث فسادا وقتلا في سكان البلدة.. تنتهي الرواية الشهيرة بموت فيكتور في القطب الشمالي محاولا قتل مسخه الذي سينتحر ملقيا بنفسه في النيران..
الشاهد من الرواية هو اظهار قدرة الإنسان على خلق الظواهر العنفية المشوهة فكرا وفعلا، والويلات التي تسببها من حروب وقتل وأحقاد.
لا يخفى على الناظر حجم العنف الموجود في المنطقة العربية الاسلامية، الذي تنوعت أسبابه ودوافعه من عنف وإرهاب تمارسه أنظمة على شعوبها أو على فئات من شعوبها، أو العنف الممارس من الاحتلال الأجنبي على شعوب المنطقة، أو العنف الممارس من طوائف تجاه أقليات أو العكس.. وما زاد جرعات العنف هو فشل بعض ثورات «الربيع العربي» وظهور حالة ردة عن هذا الربيع.
ظاهرة «تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام» أو ما يصطلح عليه إما اختصارا أو قدحا بـ»داعش»، وما طرحه بعد توسعه وتضخمه المفاجئ لجميع المراقبين والمختصين في زمن قليل (سيطرته في أقل من سنة على ٪20من سوريا و٪40 من العراق).. شكل علامات استفهام وتعجب للخبراء قبل الناس العاديين.
السؤال إذن كيف ظهر «داعش» وما سر قوته وتوسعه؟ من أين يستمد «داعش» تمويله المادي والبشري حتى استطاع السيطرة على مساحات كبيرة تضاهي دولا وتعبر حدودا؟ وما مصدر وغاية كل هذا العنف والقتل المصور والمعولم؟ ما مستقبل «داعش» التنظيم والدولة و»داعش» الفكرة والمشروع؟
الأب غير الشرعي لـ»داعش» هو تنظيم «القاعدة» بقيادته التاريخية، أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، الذي تكون وهو يحمل في ذاته أسباب انهياره فبعد هجمات11 سبتمبر، وقصف الولايات المتحدة لمعسكرات تدريبه في أفغانستان، وقتل أو أسر أغلب قياداته وأعضائه، أصبح هذا التنظيم مجرد فكرة أو عنوان تلبسه الخلايا الجهادية في كل دول العالم، لكن الحدث الذي سيغير مجرى الأمور وسيبعث الروح في هذا التنظيم، هو الغزو الأمريكي للعراق، الذي سيشكل قبلة الحياة للفكر الجهادي والفرصة الذهبية التي سيغتنمها المؤسس الثاني أبومصعب الزرقاوي ليبايع تنظيم «القاعدة» ـ المُدمَر مسبقا – باحثا له عن غطاء ايديولوجي أو ماركة مسجلة ليمارس ويستقطب باسمها جهاديي العالم.
سرعان ما ستظهر السمات الأولى للتنظيم الجديد والتي ستصدم العالم:
الطابع الصلب والحدة الفكرية والايديولوجية للتنظيم.
تغليب الطائفية والقطع التام مع كل المخالفين ولوكانوا يمارسون العمل الجهادي نفسه.
الانقلاب على المرجعيات الجهادية ورد تعليماتها.
احتراف تصوير القتل والاعدامات بأبشع الطرق أمام كاميرات عالية الدقة والإخراج الفني.
البراغماتية والانتهازية في انتقاء الأعداء والمهادنين.
ترجع هذه الحدة والغلظة الشديدة مع المخالفين من الطائفة الشيعية، أو كما يسميهم «داعش» (الروافض طائفة شرك وردة) ومع الصحوات وقوات البيشمركة الذين يسميهم بـ (المرتدين) وباقي الجهاديين والجيش الحر (البغاة).. إلى فتاوى وكتابات منظريها وأهمهم: أبوبكر ناجي وأبوعبد الله المهاجر، فقد تأثر التنظيم بكتاب «مسائل في فقه الجهاد»، حيث كفر فيه «المهاجر» الأنظمة التي تحكم بالقانون الوضعي، وكفر معها الشعوب الراضية بهذا الحكم، ودعا إلى الغلظة وقطع رؤوس الكفار والمحاربين، لما سيؤثر في أنفس المشاهدين ويبث الخوف فيهم، حسب اعتقاده، ودعا فيه أيضا إلى احياء سنن النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب، مثل السبي أي أسر الأطفال والنساء وبيعهم أو توزيعهم على أفراد التنظيم وإحياء سنة حد الحرابة، في من يحملون السلاح ضد الدولة الاسلامية وساكنيها لأغراض إجرامية، بقطع أطرافهم من خلاف، ثم صلبهم في الأماكن العامة.
كما رأينا فإن «داعش» مرحلة جديدة في الفكر الجهادي المعاصر، خرجت من أدبيات وأساليب الجهاد الأفغاني وتنظيم «القاعدة»، ثم تجاوزته مخالَفة وتطويرا، مستفيدة من الظرفية السياسية للوطن العربي ما بعد الثورات، وللاحتقان الطائفي في منطقة العراق والشام، حيث تمددت وتضاعفت، ولكن في «المساحات الفارغة» عسكريا وسياسيا، فهذه المناطق لم تكن تعرف حركات إسلامية إصلاحية تعطي البديل السياسي والديني، وسوريا بشار الأسد أصدق الأمثلة، فقد حارب نظامها ولعقود طويلة كافة أشكال الحركات الإسلامية وعلى رأسها حركة الاخوان المسلمين والجماعات التي تشبهها، وحارب النظام الأسدي حتى «السلفية العلمية أو الإصلاحية» فكان الفراغ هو أفضل بيئة لانتشار فكر «داعش» وتمدده.
مثل المسخ فرانكنشتاين الذي أطرافه وأجزاؤه مُلصقة وغير متناسبة، كذلك «داعش» فعقله مركب من طبقات مختلفة للفكر الجهادي: أفكار سيد قطب في الحاكمية والجاهلية، وأدبيات عبد الله عزام في أممية الجهاد وتطبيقاته على الواقع وساحات الجهاد، ثم طبقة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري لتضاف إليها أدبيات فقهاء «داعش»، أبوبكر ناجي وأبوعبد الله المهاجر..
ومثل فرانكنشتاين الضخم الجسد والكبير العضلات، لكنه يتحرك بعرج واضح وترنح، فإن «داعش» جمع عضلات قوته العسكرية من مصادر متباينة سياسيا وفكريا: جنود من مجاهدين قادمين من أكثر من 80 دولة وأغلبهم في العشرينات من العمر، ليس لهم أي تجربة عسكرية، أو تكوين شرعي.. وتحالف مع أبناء العشائر السنية العراقية الساخطة على الاهمال والتهميش من حكومة بغداد الشيعية وسياساتها الطائفية.. واستقطب ضباطا وخبراء عسكريين من الجيش العراقي، وظفوا خبراتهم في التخطيط والقيادة، وحتى في تطوير الأسلحة لصالح هذا التنظيم. مثل أي تنظيم «داعش» يسير بدماء تجري في عروقه وتضخ من قلبه نحو باقي عضلاته، دماء «داعش» مثل دماء المسخ فرانكنشتاين أتت من مصادر متعددة، منها الدعم المالي الذي يتيح له تجهيز غزواته وإعداد أسلحته التي فاقت البنادق الرشاشة السوفييتية الصنع للجيش العراقي، بل وصلت إلى الأسلحة الثقيلة من دبابات ومدرعات وصواريخ مضادة للطائرات وصواريخ سكود، وحتى اعطاء أجور مالية لجنود التنظيم وتعويضات لأسر من قتل منهم.ي قف وراء هذا التدفق المالي المحكم جهاز إداري متطور، فبعد تأسيس «الدولة الاسلامية في العراق والشام» سنة 2006 تم الاعلان عن وزارته المالية الأولى أو بيت مال التنظيم، الذي يتم ملؤه من مصادر أهمها:
تبرعات وهبات أثرياء الخليج وأموال الزكاة والصدقات.
أموال الأبناك والمؤسسات المالية التي استولى عليها التنظيم خلال اجتياحه للمدن.
أموال الفديات التي تسلمها مقابل إطلاق الرهائن الغربيين.
عائدات النفط الذي يتولى التنظيم بيعه بمساعدة مافيات التهريب.
أهم ما يميز تمويل هذا التنظيم هو تعدد مصادره المالية وتعقيد وتطور جهازه الاداري الذي أتاح له مراكمة أموال ضخمة تفوق ميزانيات بعض الدول (يقدر بعض المتخصصين أن ميزانية داعش تقدر بـ 200 مليون دولار).
ينتهي مسخ فرانكنشتاين منتحرا في القطب الشمالي بعدما أذاق الناس ويلات القتل والتدمير. أما «داعش» فلن يكون مستقبله أو نهايته انتحارا عسكريا في الأجل القريب على الاقل، فكل العوامل السياسية في المنطقة ما زالت تؤشر على استمرار العنف الطائفي والعنف السياسي بين الأنظمة الحاكمة والشعوب، أو الجماعات المعارضة، وهذا العنف هو السبب الذي يعتاش عليه «داعش» ويستمد به أسباب بقائه، بالاضافة إلى إرادة الدول المؤثرة في المنطقة على استعمال «داعش» لتصدير أزماتها السياسية واستعماله كرحى حرب بالوكالة.
٭ كاتب مغربي
عبد الحميد أبوزرة