يقف الطفل بصدره العاري وبكل شجاعة أمام رتل من الدبابات الحربية المدججة بالسلاح يقارعها بكل ما أوتي من قوة، ويمر الرصاص الحي من فوق رأسه حتى يكاد أن يفقد الحياة، من دون ادنى شعور بالخوف.
الطفل ذاته عندما يكبر يخاف أن يقول رأيه لرئيس مصلحة محلية، أو أن يطالب بشيء من حقوقه المدنية، أو أن يدعو لمظاهرة سلمية ضد الغلاء وارتفاع الأسعار، أو بسن قانون ينصفه ويحميه من البطالة، المشهد السابق ليس دراما، بل حقيقة تلمسها بسهولة في المجتمع الفلسطيني، لنصل الى نتيجة هي ان الموت ليس مصدراً للخوف في فلسطين، بل ان هناك دوافع هي في الحقيقة أقل بكثير من وطأة الموت ولكنها من اهم مسبباته، إنه الراتب إنها الوظيفة إنه المستقبل الذي يوصف دائما بالغموض، ولكنه في الحقيقة اشاعة يتفاعل معها الكثيرون.
هنا تحول الخوف من شعور إنساني طبيعي تجاه خطر معين، إلى مستحضر تتم معالجته بعناية فائقة في المطابخ السياسية، مكونا من الوهم، أولا ومن الإعلام المضلل ثانيا وتفاعل المجتمع ثالثا، ليصبح مرضا معديا ينتشر بين افراد هذا المجتمع، من اجل تمكين السيطرة والإحكام على كل مكوناته وتمرير السياسات التي خلق الخوف من أجل تنفيذها.
لا يشترط ان تهيئ الشعب لحرب مقبلة مدمرة، او وباء قاتل ينتظرهم او تهيئهم لأسراب الجراد التي ستأكل محاصيلهم الزراعية او الخنازير البرية التي ستفسد زرعهم، او تشيع بأن هناك جماعات دينية متطرفة تهدف الى تدمير البلد، حتى تخلق لديهم القلق والخوف، وتشغل بالهم وتفكيرهم وتسيطر على قرارهم، فكل ما سبق ذكره في الحقيقة لا يسبب الخوف لحملة الجنسية الفلسطينية. اليوم تم تعديل الخوف وراثيا ومعالجته ونشره بالمجان ليصبح مجرد الحديث عن المستقبل، من منطلقات الخوف وخصوصا بين جيل الشباب الذين ينفرون من حولك لمجرد ان لك مطالب بالسياسة.
ان المستقبل بالنسبة للشباب هو كل شيء، ففي انتخابات الجامعات الفلسطينية كان البعض يستعمل نظرية الخوف من المستقبل ليقنع بعض الطلاب بالامتناع عن الإدلاء بأصواتهم لقوائم معينة، وهذا هو دور السياسيين، أو رجال المخابرات الذين يصنعون لهذا الجيل طرقا ضيقة السير فيها يحقق لهم المستقبل المنشود، بحسب رأيهم، والسير خارجها يعني فقدان ذلك الحلم، ليلغي الخوف من المستقبل المجهول المشاركة السياسية ويجعل منها علامة تجارية مسجله تحتكرها طبقة اجتماعية وتمارسها من خلال التخويف، حتى تحجب عقول الناس ويتم حرمانهم من تداول حرياتهم المدنية، ولو على مستوى سياسي او اداري متواضع، ويجعلهم حذرين بسبب او بدون سبب من المساهمة في السياسة او المطالبة بالحريات المدنية خوفا وليس حرصا.
وسبب الخوف اعتقاد اجتماعي سائد بان التغيير السياسي، حتى بالطرق الديمقراطية امر يأتي في قمة المستحيلات، فالقادة السياسيون الان وبفعل الخوف اصبحنا نصفهم (بالحيتان) تحصنوا اجتماعيا واقتصاديا، ولديهم الكثير مِمَن يدافع عنهم، ومقارعة تلك الدبابة أسهل بكثير من مقارعة هؤلاء، وإن تداول السلطة لا يخرج من ذلك الطوق. كما جعل الخوف المشاركة السياسية والمطلبية عملية اتكالية، وأصبحت الساحة خالية من المبادرين والمحتجين بالطرق السلمية والمنادين بالتغيير.
الحكومات تنزعج من أصحاب المطالب والمتحدثين بالحقوق والحريات السياسية، ولكنها لا تخوض المعارك السياسية معهم وتحاول التخلص منهم من خلال الضغط عليهم وإحباطهم، مستعملة باقي فئات المجتمع التي تأثرت بالخوف.
ان الخوف في المجتمع الفلسطيني ينتقل بالوراثة ومن دون عوامل خارجية، والقاعدة التي يلقننا إياها أرباب الاسر، بأن ابتعدوا عن السياسة وهمومها وعن المطالبة، وفكروا بمستقبلكم ولقمة عيشكم، اصبحت فعالة جدا ومقنعة للشباب الذين هم الآن الاكثر بعدا عن المشاركة السياسية.
والسؤال المحرج حقيقة كيف يمكن لشعب يُعتبر مصدرا للشجاعة التي تحدى فيها اعتى قوة عسكرية في المنطقة، ان يهاب من المشاركة السياسية وان يخاف من المطالبة بحقوقه المدنية.
٭ ناشط سياسي فلسطيني
حسن خلاف