علي جعفر العلاق: من اللعب بالمفردة العامية إلى «رتق جراح الماء»

حجم الخط
1

حاوره: عبد اللطيف الوراري: في هذا الحوار يتحدّث الشاعر العراقي علي جعفر العلاق، بلغته الشعرية الرقراقة المشبوبة بنباهة الصدق، عن تجربته الأولى مع الشعر، وأسرار لقائه الأول بالشعر؛ وعن طفولته التي قضاها بمحاذاة نهر دجلة الذي علّمه الشجن والإيقاع، ومع أغاني البدو والرعاة الجنوبيين الذي ارتفعوا بمخيّلته إلى مقام السمو.
هكذا، تأخذ الأسئلة، ببساطة، طابعها الاستعاديّ لمراحل مهمّة تأبى على النسيان من تكوين علي جعفر العلاق، الإنساني والشعري والنقدي المعرفي؛ منذ بدايات تشكُّل الحلم وحتى الآن. نريد من وراء الأسئلة، إذن، أن نبتعث الجوهريّ والحميم من هسيس الذاكرة ونشاط الآمال والآلام ورماد التاريخ، لتكون الملفوظات المرغوب فيها تقول جُمّاع ذلك بعفويّةٍ، ومن ثمّ تكون شهادةً، نضّاحةً ومُوجعة في آن، على عصرٍ مضى كالبرق، كالبرق الخُلّب؛ لكنه استحال زاداً نفيساً من رحلة الذّات وذاكرتها في المكان، والشعر أولاً وأخيرا.
■ دعني أسألك هذا السؤال الموجع: ما الذي جاء بك إلى هذا الوديعة الغامضة التي تُسمّى الشعر؟
□ يبدو أن الطفل، في الريف، يولد على مقربة من الشعر، أكثر من طفل المدينة. لقد وجدت نفسي في قرية مائية بامتياز، تتجاور فيها المتناقضات إلى أقصى حدّ: الطين والضوء، الفقر والغنى، الموت والماء. كنا نجلس إلى هذه المتناقضات جنباً إلى جنب، نصحبها إلى النوم، ونشمّها في غناء الأمهات. كان كل شيء في تلك القرية البعيدة يحرضني على البوح: غناء الفلاحين في مواسم الحصاد الصافية كالذهب، احتفاؤهم بالموت أو إقبالهم على الحياة، سهرهم الطويل وهم يرافقون الأنهار في تجوالها الليلي، يفتحون جرحاً مائياً هنا، أو يلحمون جرحاً مائياً هناك. كان كل شيء حولي يغنّي أو يبكي، يشكو أو يتأوه. كل شيء تماماً: الريح والنباتات، الطيور والناس، الخيول والمطر.
■ عندما كنتَ تشبُّ شيئاً فشيئاً، وتنتزع نفسك من طبع البادية وغنائها إلى ثقافة الصفّ الدراسي، متى راودك حلم أن تكون شاعراً؟
□ حدث، وأنا في الصفّ الثالث، أنّنا كنا نصطف في الصباح الباكر ويخرج أحد التلاميذ من الصفوف المتقدمة ليقرأ علينا قصيدة محددة. في أحد الصباحات قرأ أحد الطلبة قصيدة عنوانها «الربيع»، وما زلت أذكر اسم شاعرها خطاب سلمان العبيدي. كانت مفاجأة صارخة لي حين علمت من همس التلاميذ أنها من شعر أحد معلمي المدرسة، وكان حاضراً في الساحة حينئذ. انتابني شعور غريب، كيف تسنّى لهذا الرجل، وهو من لحم ودم مثلنا، أن يكتب كلاماً كهذا؟ أيكون الشعر كلام إنسان عادي يشبه الآخرين؟ هل الشاعر يشبه أي إنسان آخر سواه؟ كنت أعتقد أن الشاعر كائن أثيري، لا يمكن لمسه، أو محادثته. لذلك بقيت أنظر إلى ذلك المعلم مشدوهاً أتجاوز ملامحه المادية المحسوسة. آنذاك فقط أحسست بحلم صغير يراودني: أن أكون شاعراً، وربما حلمت أيضاً أن يقرأ الطلبة، ذات يوم بارد، إحدى قصائدي في اصطفافهم الصباحي.
لم أفهم الكثير من قصيدة الأستاذ خطاب العبيدي، ملك الاصطفاف في تلك اللحظة؛ فقد هيمنت عليّ فجأة دهشة غامرة اقتلعتني من بين الأجساد المتراصة وكأن هواء كونيّاً أذابني في ثناياه ونثرني بين غباره وطيوره وأحجار طرقاته.
كان شيء ما، عصيّ على التحديد: غيمة، أو أغنية، أو طائر خرافي يمسك بي من قلبي المنتفض، ويحلق عالياً لأطل على ذلك العالم من شرفة نائية كالأساطير لا يطالها البشر ولا تحيط بها عيونهم .قبل تلك اللحظة ما كنت أصدق أن في الإمكان أن أرى بعينيّ هاتين شاعراً من لحم ودم، يتمشى خارج مخيلتي، أعني على الأرض وبين الناس؛ لأنني لم أكن أعتقد أن الشعر يمكن أن يكتبه بشر عاديون، كنت أظنه كلاماً أثيرياً أو نعمة من نعم الخيال، كلاماً مُصفّى لم يمسسه بشر من قبل، يهطل علينا فجأة وكأنه يتطاير من تصادم غيمتين طريتين.
إنّه أجمل وأرقى من أن يدعيه إنسان بذاته، إنسان مثلنا، يأكل ويشرب، ويتثاءب ويغتاب الآخرين؛ فالقصيدة تشرق من شفتين غائمتين بالبهجة أو الأسى، أما الشتيمة فلا تخرج إلا من كهف أو كمين أو هاوية .وطوال ذلك الطابور الصباحي وأنا غائب عن نفسي، أحسست أن فضاء المدرسة كله كان مفعماً برائحة خاصة: أشرعة تمتلئ بالريح، وحقول تغسلها أمطار الليل، وغدران تحف بها الطيور الفرحة من كل صوب. وكان لي، وسط ذلك كله، طيوري الخاصة أيضاً؛ لقد كنت أتمنى أن أرى نفسي ذا يوم محوراً لمشهد صباحي كهذا، حيث رائحة الصباح تملأ روحي وأنا أخطو بين التلاميذ مزهواً لا بعصاي بل بقصيدتي.. كم طويل هو الزمن الذي لا يزال ممتدّاً بين ذلك الصباح الخريفي، وهذه اللحظة الملتهبة بالذكريات.. نهر من العشب والانفعالات والرذاذ يمتدّ بين خريفين: بين قلب كان عامراً بالجمر والأسئلة، وقلب أخذ يعلوه الشيب؛ ومع ذلك، فلا يزال ذلك السؤال القديم يتجدد كل لحظة: ما الشعر؟
■ توجّهت في بدايات مسار كتابتك الشعرية إلى الشعر الشعبي. هل كان يعني ذلك حضوراً طاغياً لهذا النوع الشعري في بيئتك، بقدرما يعود إلى اهتمامك بالفلكلور الشعبي وتأثُّر ذائقتك بالمغنّين والشعراء الشعبيين، بمن فيهم مظفر النواب؟
□ لقد حملت من قريتي الجنوبية الصغيرة، وأنا في طريقي إلى بغداد، أمشاجاً من تأثيرات كثيرة، عادات، وشعائر، وأنماطاً من السلوك الوجـداني والانفعـالي. وربما كان الشعر الشعبي، أو القصيدة العامية هي أحد تلك الانماط.
كانت تلك القرية، كأي قرية عراقية، تموج حد التوتر بكل ما يثري النفس، ويغذيها بحس الفجيعة أو فورة الفرح، وتلقائية التعبير ولوعته. وما تزال ذاكرتي تضجّ بتلك الانفعالات المنفلتة من عقالها، أيام الأعياد، أو مآسي التاريخ، والمناسبات الاجتماعية، وتقلبات الفصول والمواسـم كالحصاد، والتنادي لدرء الفيضانات، أو استعراضات القوة أو التلاحـم من خلال التجمعات القبلية.
هذه الفعاليات الكثيرة، والتي كنت أحضرها بصحبة والدي غالباً، لا يتم التعبير عنها أو تجسيدها، بغزارة استثنائية جارفة، إلاّ عبر الصوت والكلمة والإيقاع.
لقد كان الصوت، الذي هو صميم تلك الفعاليات وخيطها الموصل إلى الروح، يأخذني إلى أقصى مديات الانفعال ممثلاً بالأهزوجة المرتجلة، زغاريد النسـاء، المغنين الريفيـين، الأغاني الغجريـة، نايات القصب النائحـة، إطلاق النار في الأعـراس والمآتـم والأعيـاد.
وكان للكلمة حضورها الملهب للوجدان أيضاً، أعني القصيدة الشعبية، بإيقاعاتها العديدة، كالموال أو الزهيري، والأبوذية. وكانت الحركة التي ترافق هـذه الفعاليات جميعاً: رقصات الغجر الضاجة بتشهيات الجسد ونداءاته، وقـع الأقـدام المنفعلـة في دبكات «الجوبي»، اندفاع الأجسـاد وتراجعها وسط الغبار وحركة الريح.
ولا أنسى أبداً ما تتركه الأهزوجة الشعبية من انفعـال رجولي فـذّ، في حركـة الهازجين ووجـدانهـم، وهم يجسدون تلك اللحظات العامرة بالزهو والتباهي.
كان هـذا المزيج الحميم أو الجارح، من الإيقاعية والكلمـة والحركـة، يأخـذ طريقـه ليذوب في أعماق ذلك الطفل الذي كنته آنذاك، وينسرب إلى ذاكرته ومخيّلته اللتين ظلّتا فياضتين بالحنين واللوعة والغرابة.
■ هل يمكن القول إنّ الثراء الإيقاعي الذي نكتشفه في شعرك دائماً، يعود إلى هذا المصدر بالذّات؟
□ إلى حدٍّ كبير. وكأنني خرجت من قريتي، في لواء الكوت، بذاكرة منقوعة بالإيقـاع ومخيلة قابلة للاشتعال في أي لحظة. ولابد لي من القول إنني كنت، إلى هـذا الحـدّ أو ذاك، على صلة بمقطوعات، وأبيات من الشعر الفصيح أيضاً. لقـد كان والدي، وهـذه إحدى مفارقات طفولتي كما قلت سابقاً، يعرف القراءة والكتابة. مفارقة قد تبدو عصية على التصديق في ذلك الوقت.
■ إذن، بدأت شاعراً يكتب بالعامية، قبل أن تتحوّل إلى الكتابة بالفصحى.. ما الذي بقي من شعر العامية في قصائدك الفصيحة؟
□ كانت المفردة العامية بداية اللعبة، لعبتي مع اللغة أو لعبتي مع الشعر، لكنها لم تدم طويلاً، ثلاث سنوات أو أقل، بين الخامس الابتدائي والسنة الأولى من المرحلة المتوسطة. وكان الشاعران مظفر النواب وزاهد محمد أهمّ شهود تلك البدايات المبكرة. إنها الملامسة الحسية الأولى مع هذا العالم الذي يطفح بالسحر والإيقاع والغموض. لقد زودت هذه التجربة قصائدي اللاحقة بمجسّات إضافية، أتشمم من خلالها لوعة التراب وغيوم الذاكرة، كما أنها جنبت قصائدي الانحدار إلى لغة التجريد أو الصياغات الملساء حيث لا ظل ولا جمر ولا انحناءات روحية ملتاعة.
لم أواصل طريقي في كتابة الشعر الشعبي إلا أن ذاتي الشاعرة ما زالت مليئة بهذا الهاجس الوجداني الحميم، الذي أظنّ أنه يبعد قصيدتي عن التجريد، ويبعدها كذلك عن التهاويم التي تشكل ملامح قصائد عدد كبير من الشعراء التي هي أقرب ما تكون إلى مجال التمارين الشعرية الذهنية، والتي تجعل القصيدة الحالية خالية من أي خيال حقيقي؛ تقرأ القصيدة الآن من أولها إلى آخرها فتجدها وللأسف الشديد جافة، عابسة، لا تند منها آهة، ولا تستشعر منها نقطة بلل حقيقي. هذا هو فارق الإطار الذي يحضرني في هذه اللحظة.
■ هل تتذكّر قصيدتك الأولى؟ علاقتك بها في الاشتباك الأوّل بين جسدك وروحك، بين اكتظاظك بالمعاني والأهواء، وعجزك عن البوح بها؟
□ لا أظنّ أنّ أحداً منّا يعرف قصيدته الأولى تماماً. لكنّه يتذكّرها غائمة تارةً، وملتاعة تارة أخرى: تعطّر ذاكرته، وتوقظ في جسده نكهة غريبة تشبه، إلى حدّ كبير، رائحة مرعى مغسول، أو امرأة تسلم جسدها لأمطار النوم. رائحة ليس من السهل تحديدها، لكنّها تقع، هناك، في منطقة ما بين المخيّلة والذاكرة.
هل يمكن لنا أن نكفّ، ذات يوم، عن تذكّر تلك القصيدة التي أشاعت فينا، لأوّل مرة، هزّة داخليّة سال لها عرق قلوبنا وارتعدت أوصالنا من هول لذتها الغامضة؟ كيف يمكن للنسيان أن يقف بيننا وبين تلك الذكرى البعيدة المنعشة؟ إنّها موعدنا الأوّل مع اللغة وليل الانفعالات.
وهي قدرنا المحتوم الذي قادنا، صدفة، ربّما، إلى حافّة تلك البئر الفوّاحة بالظلام الصافي وكواكب الياقوت المتأجّجة. في فترة ما من أعمارنا، تتفتّح حواسّنا على الحياة فجأة. ندرك حينها أنّنا ننزلق، مسرعين، إلى حافّة بئر مغرية لا قرار لها. في فترة كهذه نحسّ بأنّ أجسادنا تقتادنا إلى جنونها الخاص، ذلك الجنون الحسيّ العارم الذي لا لؤم فيه. وهكذا ترتطم حوّاسنا ببعضها بعضاً، وتستيقظ قطعاننا مغتلمةً هائجة، ويتعإلى نداء المراعي.
وخلال هذا الدويّ الداخلي، تصطرع الحواسّ، وتتصادم مزبدة محتدمة. إنها يقظة الجسد، وهي استجابته الفظّة لنداءات مضبّبة تندلع من الجهات كلّها. وهي – أيضاً– الإصغاء لرعد الروح وهو يتكسّر في أجسادنا، ولأمطارنا المربكة وهي تتجمّع، هناك في قرارة البئر، لتندفع إلى الأعالي مثل ليلٍ كاسح .
أيّ جَيَشان محتدم هذا؟ لقد كانت حاجاتنا الأولى إلى التعبير ولذة البوح تزداد وعورة يوماً بعد آخر. وكعادة الكثيرين ممن تسكرهم أيّام الصبا وحماقاتها العذبة، اندفعتُ باحثاً عن نافذةٍ ما تنقذني من فوران الجسد وحيرة الروح. نافذة أهرب، من خلالها، ممّا أنا فيه من تخبّط الحواسّ، ونداءاتها العصيّة على الفهم أحياناً.
لم تكن قصائدنا الأولى قصائدنا الأولى حقّاً؛ إنّ هناك انكسارات كثيرة سبقتها ومهّدت الطريق لرعودها الجارحة: أشلاء من المعاني والانفعالات، مشاريع للبوح لم تكتمل، محاولات للاقتراب من الشرر أو الينابيع.
وقبل الوصول إلى القصيدة الأولى كان التخبّط يصل أقصاه: كان هناك رعدٌ خاص يجتاح تلك السيول المؤجلة، ويدفع بها إلى الجنون لتكتسح في طريقها كل شيء: الأحلام، والمعاني، ومفردات اللغة.
يُخيّل إليّ أنني، في بداياتي المبكرة، كنت أهرع من نافذة إلى أخرى ملوّحاً لأيّ شيءٍ عابر: غيمة كان أو جنازة أو امرأة، لألفت انتباه العالم كلّه إلى هذه المعركة المريرة التي لا يراها أحد سواي، إلى هذه الفوضى المحيّرة من المعاني، والانفعالات والكوابيس. وكم كان فرحي عظيماً حين كانت القصيدة العاميّة طريقي الأوّل إلى البوح المضني ذات يوم، لكنّني أحسست بعد فترة قصيرة أن ما بي كان أشد وعورة من أن تحتمله لهجتي العاميّة آنذاك. وهكذا كانت الريح تدفعني بعيداً: إلى الجانب الآخر من نهر اللغة تماماً.
■ هل تذكر أوّل قصيدة نُشِرت لك؟ كيف كان إحساسك وقتئذٍ؟
□ ما زلت أذكر تلك اللحظة من ذلك اليوم الخريفيّ الخاص من عام 1964، حين وجدت قصيدتي منشورة في الصفحات الأولى من مجلة «العاملون في النفط». كانت أول قصيدة فيها، مع أن العدد نفسه كان يضمّ مجموعة من الشعراء الذين كان العمر الشعريّ لبعضهم يفوق عمري الزمني بكثير. حين بعثت بقصيدتي الأولى إلى تلك المجلّة، لم يكن يخطر ببالي أبداً أنها ستُنشر وبهذه السرعة أيضاً. كانت المجلّة – على خلاف اسمها تماماً– تفتح صفحاتها لشعراء الحداثة من الشباب وكان يشرف عليها مثقّف ومبدع لامع هو جبرا إبراهيم جبرا.
كانت حدثاً شعرياً هائلاً لا أنساه بالنسبة لي، كيف أن هذا الفتى الصغير راح يعبر الجسر بين الرصافة والكرخ بعد أن أخذ مجلة «العاملون في النفط» ليكتشف أن قصيدته هي الأولى في العدد ووراءه أسماء مكرسة ومعروفة مثل مهدي السعيد، وإبراهيم الزبيدي، فواكبني إحساس شديد بالغرور؛ حتى إنني ظننت أنه ما من فتاة كانت تعبر في الشارع إلى جواري إلا والتفتت لتقول لنفسها هذا هو الشاعر علي جعفر العلاق، مع أن أحداً لم يكن قد قرأ المجلة بعد. أحسست في تلك اللحظة أن بغداد كلّها تتدافع من حولي لترى معي قصيدتي الأولى، مطبوعة على ذلك الورق الفاخر.
بغداد كلّها: غيومها الرماديّة ونساؤها الجميلات، نخيلها العالي وأزقّتها المتربة. كان أتخيّل أن الجميع يتأمّل عنوان قصيدتي «إلى صديقة مسافرة» وقد خُطّ باللون الأخضر. بينما خُطّ اسمي بلون جميل آخر، وقد كان كلاهما مكتوبين بخطّ الرقعة الجميل.
هذه هي مؤشرات البداية؛ لكنني أحب أن أشير إلى شيء، وهو أن مظفر النواب عكس ما هو متوقع زرع فيّ فهماً للشعر جميلاً، فلم يكرسني للشعر الشعبي بل أخذني إلى الشعر الفصيح، فأثر فيّ تأثيراً كبيراً جداً.
ومع إن قصيدتي تلك كانت عموديّة إلا أنني كنت فيها كمن يحاول أن يشقّ مساراً لم تألفه لغة هذا النمط من القصائد ولا بناؤها البلاغي. كنت أحاول أن أدفع باللغة إلى أقصى حالات التطرّف حتى تفارق مرجعيّتها الواقعيّة أحياناً. وكانت القصيدة تحتشد، حدّ الالتباس ربما، بالصور المفعمة بالغرابة.
وكأيّ شابٍّ يرى – لأول مرة – ثمرة صراعه مع لغته وأخيلته وعواطفه، كنت مرتبكاً حدّ الفرح. ومع ذلك – وفي الوقت ذاته تماماً – كنت أحسّ بالرهبة أيضاً: لأنّ سؤالاً جارحاً كان يكدّر عليّ فرحتي تلك: ماذا سأكتب بعد قصيدتي الأولى؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية