ماذا تعني الترجمة في عالمنا المعاصر؟… جدل حول قصيدة الأميركية أماندا جورمان

ترجمة: عبدالله الحيمر
حجم الخط
9

تغرق الترجمات، خاصة من اللغة الإنكليزية، سوق الكتاب الأوروبي كل عام. لذلك ليس من المستغرب أن تقوم دور النشر، مثل طبعة فايارد (Fayard) المرموقة في فرنسا، بانتزاع حقوق النشر لقصيدة «التل الذي نتسلقه» (الذي تولّت مغنية الراب البلجيكية – الكونغولية ماري- بييرا كاكوما ترجمتها للفرنسية. مع توطئة لمقدّمة التلفزيون الأمريكية الأشهر أوبرا وينفري) التي ألقيت من طرف الشاعرة أماندا جورمان أثناء مراسيم تعيين الرئيس الأمريكي الجديد المنتخب جو بايدن في يناير/كانون الثاني 2021.
في مواجهة التحدي المتمثل في ترجمتها إلى اللغات الأوروبية المحلية، نشأ نقاش، ناهيك من الجدل، حول اختيار المترجمين الذين اختارهم الناشرون للإعلان عن ترجمة هذه القصيدة.في هولندا فازت دار نشر مولينهوف بحق الترجمة. وهكذا، بعد الحلقة التي شهدت انسحاب ماريك لوكاس رينيفيلد من هذا التمرين، تحت الضغط، بعد أن جندها الناشر مولينهوف لتقديم نسخة هولندية، ووجه الناشر المسؤول عن نشر القصيدة بالكاتالونية الشكر لمترجمه المتمرس، فيكتور أوبيول. استجابة لإرادة دار نشر الأمريكية viking books المسؤولة عن الملكية الفكرية للشاعرة الأمريكية الافريقية أماندا جورمان، حسب هيئة الإذاعة البريطانية.
في كل مرة يكون الجدل هو نفسه: لماذا لا نختار مترجمة سوداء، ويفضل أن تكون شابة وناشطة في مجال النضال من أجل الدفاع عن حقوق الأقليات؟ تطرح محطة إذاعة فرنسا الثقافية France Culture السؤال التالي: «هل يجب أن تكون سوداء لترجمة قصيدة أماندا جورمان؟ «يتم استخدام هذا الموضوع الحدث هنا كمثال للتساؤل على نطاق أوسع حول معنى وهدف الترجمة، خاصة عندما يكون النص المعني شعريا، ما يؤدي إلى التشكيك في شرعية الشخص الذي يتعين عليه الانخراط في مثل هذا الشغل الأدبي.

الهدف من الترجمة

إذا استمر الجدل حول نظريات الترجمة في تغيير موضع المؤشر بين طرفي الأدب، حيث تقع الكلمة فوق كل الاعتبارات الأخرى، والترجمة الحرة، حيث إن جوهر النص هو المكون الضروري الوحيد، لذا فإن سؤال ترجمة النص الأدبي، هي مسألة الشعرية، يجب أن تركز على سبب وجود الشعر فقط.
في الواقع، يجب على المترجم الذي يسعى إلى التقاط الجوانب الأساسية لقصيدة ما حتى يتمكن من إعادة تركيبها، أن يفهم وظائفها الأساسية: إذا كان يسعى إلى إيصال رسالة، خاصة في وقت سياسي مثل فترة التنصيب الرئاسي، حيث «الوحدة» «يبدو أنها الكلمة الأساسية، فإن الثناء الذي انطلق بعد هذه القراءة لم يتوقف عن التأكيد على» قوة الكلمة «للقصيدة المعنية، كما يمكن أن نرى في مقال عنها في جريدة «لوموند» الفرنسية، أو في منشور قصير من ميشيل أوباما على تويتر، لأن الشعر، المعرض لخطر الوقوع في التفاهة الأكثر كلاسيكية، هو مكان المشاعر والعاطفة. يجب أن يكون هذا الشعور، هذه العاطفة، هذا الجيشان الداخلي قادرة على الاتحاد مع الكلمات حتى تصل إلى ما لديها من قوة كاملة. وكما قال الراحل إيف بونفوي، وهو شاعر ومترجم وناقد أدبي، في كتابه «الشعر والغنوص» «الشعر إنه قرار الارتباط مع اللغة».
بمجرد أن يصبح المرء متحدًا مع اللغة، يمكنه الدخول في عمل من أعمال الإنتاج والتأليف والكتابة، وأخيراً الترجمة. وكما يقول الفيلسوف والمترجم ومعلم دراسات الترجمة جان رينيه لأدميرال بتبنيه لفكرة الكاتب بروست: «الكتابة هي ترجمة ما لدينا في الرأس – باستثناء ما لدي في الرأس، إنه موجود في الرأس، وهو في رأسي الذي أملكه! وهذا يعني أنه ليس ملموسا تماما». ثم يجد مترجم قصيدة شعرية موجودة نفسه في موقع المترجم الثاني، مع اختلاف أن الأول ترجم فكرة أو تجربة داخلية. يجب على هذا المترجم الجديد أن يصنع بنفسه الجيشان الشعري للأول، لكي يسمح للإنتاج الجديد أن يكون بالقوةالشعرية نفسها وبالكثافةالأولى نفسها، وبالتأثير نفسه.

شرعية المترجم

إذا كان التنفس الشعري هو التقاء الروح والكلمات، أو بالأحرى اندماجهما، أليس فعل الترجمة بالتالي مستحيلاً؟ كان المترجم والباحث رينيه أجوستيني مهتما بشكل خاص بهذا السؤال في سياق الشعر، في عمله الصغير الذي يحمل العنوان المثير، الترجمة غير موجودة، كما أنها ليست غير قابلة للترجمة، مؤكداً: «إن ما لا يمكن ترجمته هو سر الوجود والعقل والأنفاس والصوت، لأن هناك أصواتا لم تعد فيها اللغة والكلمات تتحول إلى صيغ سحرية، والتغني بأصوات وإيقاعات لها تأثير يتجاوزأي فهم عن طريق العقل».ويجب على المترجم بعد ذلك أن يحافظ على التواضع المقاوم لأي اختبار، «الاختبار الأجنبي» لاستخدام تعبير اللغوي أنطوان بيرمان، لأنه في حالة عدم وجود غير المترجم، فإن الحقيقة ستظل كذلك، إن النص الأجنبي حتما سيعطي وقتا عصيبا.
تأتي هذه الصعوبة التي يواجهها المترجم من طبيعته كفرد له تجاربه الخاصة ولديه قلمه الخاص. هذا هو المكان الذي يطرح فيه السؤال في دراسة الحالة الخاصة بنا: هل من المشروع طلب ملف شخصي معين، أي أن المترجم لا بد أن يكون مترجمة، وعلى نحو أدق «امرأة، شابة، مناضلة حقوقية، ويفضل أن تكون سوداء؟ السؤال لا يطرح هنا على مستوى الناشطين في المجال الحقوقي، رغم أنه وجهة نظر البعض مثل الصحافية الهولندية جانيس ديول، «التي تناضل من أجل التنوع في عالم الموضة والثقافة». وفي ما يتعلق بهذه النقطة، يشير مقال في صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن هذا الجدل «أظهر عدم وجود تنوع في عالم الترجمة الأدبية» في أوروبا.
من الواضح أن الجدل الحالي هو في واقع الأمر أكثر من نظام سياسي (أو اجتماعي، على ما يبدو) أكثر من كونه أدبيا، وقد سمح هذا الموضوع لأصوات معينة بالارتفاع للمطالبة بالعدالة الاجتماعية التي طال انتظارها. وبالتالي، فإن ما قد يبدو أنه تمييز على المستوى المهني هو نقاش أكثر تعقيدا بكثير، يتجاوز العالم الأدبي، حيث يمكن اعتبار التمثيل الناقص للأقليات في حد ذاته تمييزا. لا يمكن تجاهل الافتقار إلى الرؤية لبعض الأقليات، وهو ما يتم الشعور به الآن في مناطق يفترض أنها موضوعية مثل، الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن للخوارزميات «إعادة إنتاج وتضخيم العنصرية النظامية» وفقًا لبعض الخبراء. ومع ذلك، فإن السؤال الذي يثير اهتمامنا هنا ربما يتعلق، في النهاية، بعالم مثالي يكون فيه تكافؤ الفرص حقيقة راسخة بالفعل، ثم نتساءل عمن هو الأكثر قدرة على تقديم أفضل ترجمة ممكنة للنص المعني.
ويواجه هذا السؤال مشكلة كبيرة: إذا كان بإمكان شخصية سمراء، وشابة ومناضلة فقط ترجمة كلمات أماندا جورمان، فهل يعني ذلك أن مثل هذه الشخصية وحدها التي يمكنها فهم واستيعاب الفروق الدقيقة والمختلفة؟ بمجرد طرح السؤال على هذا النحو، تبدو المشكلة واضحة: كيف يمكن قراءة للنص الذي يقرأ، أثناء التنصيب الرئاسي أن يلمس الجميع، إذا كان بإمكان «مجتمع» من هؤلاء الأشخاص ذوي التفكير المماثل فقط الوصول إلى المعنى؟ هذه الرؤية المجتمعية بمهنة المترجم تشير مرة أخرى إلى مفهوم الهوية: هل يجب أن يتطابق القلم الجديد مع النص الذي يترجمه إلى درجة امتلاكه لون البشرة نفسها حتى يتمكن من القيام بعملية الترجمة؟
أخيرا، بمجرد إطلاق مفهوم الهوية في النقاش، تظل المعادلة بلا حل، لأن المجتمع البشري يضم العديد من الهوايات مثل الأفراد،أو كما جاءت كلمات أفلاطون في بارمينيدس، التي تصر على حقيقة مفادها، أن الهوية تنطوي على اختلاف ضمني: «وبالتالي فإن الهوية ستكون متباينة، أو أنها لن تتعارض مع الاختلاف».

الإنسانية في صميم فعل الترجمة

ومع ذلك، فإن هذا المجتمع لديه قواسم إنسانية مشتركة، تربط الأفراد ببعضهم بعضاً وتسمح لهم بالاستماع إلى بعضهم بعضاً، وفهم بعضهم بعضاً وتقاسم المشاعر. ثم يغلق سؤال آخر الكرة: هل يمكننا الحكم على عمل الشخص بما هو عليه وليس بما يفعله؟ في الواقع، أنهى المترجم الكتالوني فيكتور أوبيول ترجمته، وقد حصل على أجر مقابل ذلك، لكن وفقًا له، فإن ملامحه في النهاية هي التي فشلت، كما ذكرت صحيفة «فيكارو» الفرنسية. وإذا كانت الهويات عديدة مثل عدد الأفراد، فمن يستطيع أن يدعي ترجمة النص إن لم يكن المؤلف الأول؟ سيكون الخطر في نهاية المطاف هو الحكم على الأخلاقيات المهنية للمترجم أو المترجمة، هذه «أخلاقيات اللغة» لاستخدام كلمات عالم اللغة هنري ميشونيك، كما جاء في كتابه «أخلاقيات وسياسة الترجمة» هي «الأخلاقيات التي تهم جميع أشخاص اللغة، ومواطني الإنسانية».
– ترجمة بتصرف عن موقع The conversation للكاتب أحمد مهدي.

باحث مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية