ماري أنطوانيت في قبضة قاتليها!

حجم الخط
0

لم تجد العائلتان (آل بوربون في فرنسا وآل هابسبورغ في النمسا) حلاً للخلاص من الحروب القائمة بين بلديهما إلا بالمصاهرة. خطر لهما أولا أن يتزوج الملك لويس الخامس عشر نفسه بأميرة من آل هابسبورغ، ثم أن يتزوج ابن ماريا تيريزا امبراطورة النمسا من إحدى بنات لويس الخامس عشر الثلاث، لكن ما توصلت العائلتان إليه هو زواج ولي عهد فرنسا من ماريا تيريزا، الابنة الصغرى للامبرطورة.
يصف ستيفان زفايج بكثير من التفصيل حفلات الزفاف المترفة التي أقيمت في كل من البلدين، كما مراسم الانتقال الأكثر عظمة للعروس المنتقلة من بلدها لتصير أميرة، ثم ملكة، لبلد آخر. حفلا الانتقال أقيما على الحدود، حيث احتفلت النمسا، في أول ذلك السرادق، بوداع ابنتها، لتُستقبل في آخره باحتفال فرنسي. لكن تلك الأبهة التي تنافسَ البلدان القويان في إبدائها لم تكن لتخفي هاجس الافتراق الكامل لماري أنطوانيت الشابة، إذ بين ما تنصّ عليه الأعراف أنها، بعد انقضاء ساعات الانتقال الاحتفالي، عليها أن تقطع مع كل ما سبق من حياتها. وهذا ما لم يحصل التلاعب به أبداً، إذ لم تعد إلى زيارة بلدها الأوّل طيلة العشرين سنة التي انتهت بمقتلها مقطوعة الرأس.
حتى في سنواته الأولى كان ذاك الزواج الملكي – الامبراطوري فاشلا، حسب ما يكتب ستيفان زفايج. لم يتمكن الزوجان في البداية من أن يضطجعا في سرير واحد. وحتى حين تمكنا من الإنجاب كانا متباعدين في السلوك والمزاج، ذلك يمكن أن يكون سائدا في الكثير من الزيجات، لكن ما يختلف هنا هو أن أمّتين قويتين تنتظران نجاح تلك التجربة أو فشلها. ومن مظاهر الاختلاف أيضا، أن الزوجة ماري أنطوانيت، وصفت بما يوصف به الرجل عادة في العلاقات غير الناجحة. كان زوجها متردّدا، ضعيفا، غير قادر على اتخاذ القرارات، وهذا سيؤدي إلى نتائج كارثية بعد تسلّمه التاج الملكي. أما هي فمنشغلة بالمظاهر والاحتفالات والإنفاق المبذّر، بل حتى على إقامة علاقات لم يفصح الروائي زفايج عنها صراحة في كتابه.
يشمل ذلك حتى علاقتها بذلك الشاب الوسيم والشجاع هانز أكسل دي فيرسن، التي أورد الروائي وقائعها وتفاصيلها بتحفظ. آثر مثلا أن يزيل من روايته كل ما قد يُظهر العاشقين متجاوزين الحشمة، واحترام الأعراف والأخلاق. بدا فيرسن أشبه بشخصية رومانسية. وقد غإلى الروائيّ في إضفاء ذاك الطابع على فصول الرواية الأخيرة، وذلك لتحتشد عناصر المأساة التي تضافرت على ماري أنطوانيت.
وهذا جانب في سياق تراجيدي، أراده زفايج لحياة بطلته المنتهية بقطع رأسها. هو سياق، أو مذهب في تتبّع الأحداث وتأريخها، أو إعادة تأريخها، أو اقتراح تأريخها، بما يصل بها إلى المأساة. من ذلك مثلا إعلان براءة البطلة، على الدوام، من كل نزوع نحو الشر، أو حتى من ارتكاب خطأ عن قصد.
ماري أنطوانيت ضحية، مبدئيا وفعليا. ساذجة ومحبة للحياة وإن تأتّى سيئ من أمر فعلتْه فذلك عن غير انتباه وعن غير قصد، ثم ينبغي أن لا يحيد الروائّي المؤرّخ عن عقيدته تلك. لم يجد زفايج، على سبيل المثال، ارتكابا واحدا سيئ النية في ذلك الركام من الأحداث، الذي جمعه عن حياة المرأة، وحياة البلاط الملكي والثورة الفرنسية التي أسقطته. هم الثوار، أو من اتُفق على تسميتهم بذلك، مَن قتلوا عمدا ومن أرهبوا ومن ارتشوا، ومن راؤوا وداهنوا. بين رجال الثورة وقادتها لم تكد تنجو شخصية واحدة من التهم بالفساد والميل نحو الجريمة. أما القليلون الذين أحسنوا معاملة ماري أنطوانيت في محنتها فهم الخدم المخلصون لفطرتهم.
يسعى ستيفان زفايج في روايته إلى تبرئة ماري أنطوانيت مما وُصمت به من احتقار للفقراء وجهل بأحوالهم. في الرواية، حسبه، هي شخصية تراجيدية، وفي التاريخ هي بطلة ذهبت ضحية هياج شعب. أحسب أن ستيفان زفايج كان مناصرا للارستقراطية وزمنها، والملكية والامبراطورية هما حضنها الحامي، بل ربما كان كارها للتغيّر عامة.
كتابه «عالم الأمس» الذي سبق أن نقل إلى العربية، هو احتفال بماضي أوروبا الجميل، ذاك الذي أجهزت عليه الحروب والتغيّرات المختلفة، في ما بعد القرن التاسع عشر. هو أيضا، بنفسه وشخصه، شاء أن يضع لحياته نهاية رومانسية وتراجيدية معا، لقد شاء أن ينهي حياته معانقا زوجته، بالفعل لا بالمتخّيل، فتعانقا بعد أن تناول كل منهما كمية من المخدّر السام، وظلا متعانقين حتى قضيا. كان زفايج قد ضمّ كلبه إلى تلك المأساة، حيث وُجد هذا الأخير نافقا بالسم عند مدخل غرفتهما. أما الداعي إلى ذلك فهي، حسب كاتبي سيرته، الحرب العالمية الثانية الموشكة على التفجّر والاندلاع.
رواية ستيفان زفايج «ماري أنطوانيت» بترجمة رفل جابر صدرت في طبعة ثانية عن «دار أشور» في 280 صفحة – 2020

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية