ألوان فيينا الجديدة: تضادات ثقافية واحتدام تيارات!

حجم الخط
1

بعد غياب طويل فرضه حال «كورونا» من جديد تعود (فيينا) إلى حيث كانت تتربع فوق عرشها الفني، وبعيداً عن حكايتها كمدينة فنية أوروبية، ومشهديتها حاضرة بين عواصم الفن والضوء الأخرى، فأنك كعابر طريق تتلمس هذا عن كثب في شوارعها المكتظة بالحياة، سواء دخلت أو لم تدخل إحدى دوّر موسيقاها، فإنك سوف تستشعر عبق الزمان الحالم، وأن موزارت وأقرانه يحاصرون جهاتك كلها، فلتلك الدور طقساً خاصاً، حتى إن لم يكن هناك حفل موسيقي، تترك عدداً من الشباب والشابات يرتدون ملابس فلكلورية تمثل تلك الحقب التي أُلفت فيها السمفونيات الخالدة، يوجدون حول بوابات الأوبرا والأماكن التي يرتادها السياح، وهذا ينطبق تماماً على الفن التشكيلي، فالمدينة ملجأ لكل فنان.
كانت البداية مع غاليري «Wiena Rat At» حيث أقام معرضاً مشتركاً للفن التشكيلي، شارك فيه عدد من الفنانات من النمسا وخارجها، وهذا ما أعطى المعرض زخماً خاصاً ونوعياً، لكون المشارب الثقافية والفنية للفنانات المشاركات مختلفة. وقد تبدى هذا الاختلاف اللافت بحضور الفنانة العربية العراقية أنمار مرآن المقيمة في زيوريخ السويسرية، التي نهلت علومها الثقافية والفنية من عدة مشارب وجامعات (بغداد وفنلندا والسويد وألمانيا) هذه الكثافة الثقافية أنتجت خليطاً وصدمة حداثية، يتلاقح في عدة زوايا مع فكرة اتحاد الفلسفة مع الفن، المنهج الذي اشتغل عليه فرويد لكنه يذهب في منحى آخر ليتعدى موضوعات جمالية الصورة والدلالات اللونية، شكل خطا خاصا أقرب إلى المسلك الفني الفكري الذي رسمه قبلها السوري جوان آتو، الذي درس علم الأحياء في جامعة الفرات السورية وحصل على البكالوريوس في الفن في مدرسة الفن المعاصر في لوكسمبورغ، وسماه «Errorism» داعياً من خلاله إلى أعمال تكون فيها البساطة هي العنصر الأساسي، لإفساح المجال لكل ما يمكن أن يحدث داخل الإطار ويغير المظهر، ما يظهر جوهرية الفوضى المدروسة والتناقضات التي ينفتح بموجبها العقل على مقولات جديدة، تلك الفعالية جعلت من لوحة أنمار غير متكلفة لونياً، تتكئ في معمارها الفني على نظامٍ مرئي تتلقاه بشكل حدسي، واختيار متعمد يأخذ الرائي نحو عوالم متخيلة مجهولة، تؤكد ارتباط الفنان بشكل وثيق بتلك التفاصيل الدقيقة والحساسة التي تظهر في بعضها، وتختفي عمداً في بعضها الآخر.

من أعمال الفنانة النمساوية «Nicki Heis»

هذا ما جعل المفارقة واضحة بين أعمالها وأعمال الفنانة النمساوية «Nicki Heis» التي تنحدر من أسرة فنية عريقة، والتي اعتمدت في تشكيل أعمالها على خلق كثافات لونية ساطعة في العمل الواحد، تتباين بين ألوان الماء والأكراليك، تنتج في تفاعلها تضادات إيهاميه متقنة من حيث التموضع والمساحات التي تشكلها، لكون ألوان الماء تضم في تفاصيلها حالات برود محسوسة، على عكس الأكراليك المشبع بالألوان الليفية معادة التدوير، وهذا ما جعل من أعمال «Nicki» مُركبة موضوعيا، ومُربكة قرائيا، من باب إن قراءتها تعتمد على فعالية التأويل اللوني.
وحدها الفنانة النمساوية «Sabrina La Manda» دخلت عالم الفن من خلال ما يطلق عليه «البورينغ» أو الألوان السائلة المزيجة، التي يتم تمديدها على سطح اللوحة بعدة طرق وأساليب، ابتكرت لهذا النوع من الفنون، كتعريض المزيج اللوني الكثيف إلى هواء ساخن يسهم في تحويل المادة اللونية السائلة إلى جزر فقاعية، تشكل بؤر لونية مختلفة، وهنا تتجلى مقدرة الفنان المعرفية من طريقة مزج هذه الألوان، من حيث الكثافات وقياس فعالية سطوعها، للوصول في النهاية إلى الغاية الفنية المنشودة.
تلك المقاربات والتضادات والتأويلات، تؤكد بالمطلق أن الفن لم يعد فقط مجرد وسيلة للتعبير عن مكنونات النفس بعينها، أو وسيلة مستحدثة لتحرير المشاعر.. بل أصبح طريقة حقيقية نتوسل من خلالها قراءة ما يحيط بوجودنا وتسترسل به دواخلنا.

كاتب سوري

من أعمال الفنانة النمساوية «Sabrina La Manda»

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية