صيغ التأمل عبر اللون في أعمال الجزائرية آمال بن غزالة

تستند الفنانة التشكيلية آمال بن غزالة في منجزها التشكيلي، إلى أشكال ذات صيغ تأملية، غائصة في تعبيرات يُنتجها اللون والشكل، وتتبدى فيها الرؤية والنظرات المرسلة من العين، عبر صيغ شكلية ولونية تتصل بالمادة التشكيلية، عبر تصورات تُرسخ مفهوم التأمل بصيغ شكلية في الفضاء، وفق خاصيات تشكيلية رائقة.
وتعتمد المبدعة لتسويغ هذا الخطاب أشكالا من الوجه المخفي وراء صناعة الشكل واللون وتموجات الخطوط، بشكل تراعي فيه مقاسات المادة الفنية وتوزيعها في المساحة حسب الحاجة، بإضفاءات جمالية ومسلك فني معاصر. وهو منحى سلكته لاعتبارات متنوعة، تفصح عن خلجاتها ولواعجها، تنبثق من شعورها بطريقة فنية مغايرة، وبسحر تشكيلي متعدد الرؤى والدلالات، وأشكال تعبيرية تميل إلى حد ما إلى الفصاحة والبيان، لتتوقف على مناحي فنية متعددة القراءات.

وتتسم عملية البناء في هذا المنجز بحركات تموجية تخترق مجال الألوان المتناسقة، عبر الدوائر وأنصاف الدوائر والأشكال المختلفة التي تنتج بعض الزخارف الخفيفة المتدرجة من الأشكال الأساسية التي صنعتها لتأدية معانٍ رؤيوية، وللتعبير عن سيكولوجية خفية، فتحرك سكونية الفضاء وتضع المادة كليا في موازنة بين المضامين والشكل الفني، في نطاق تراعي فيه تحولات المادة التشكيلية. فهي تعمد إلى التنويع اللوني، وضبط وحدة الشكل، مع إغلاق كل منافذ الفضاء لتتيح لعملية التأمل مزيدا من الغوص في الرؤية المشدوهة، وهو ما يعضد تشابك الشكل واللون مع بعضه، في إطار تناسقي، بأداء ينم عن التجربة المائزة للفنانة آمال بن غزالة . فالعملية الإبداعية لديها تنبني على ملمس حركي ورؤية فنية للواقع، وما يحيط بالإنسان من متغيرات، وما يفاجئه من أحداث، عبّرت عنها تشكيليا بنبضات تحولية، وهو ما تنتجه صناعة الكتل اللونية وتنوع أشكالها، ليضحى جوهر القيم والمثل لديها مادة دائمة البحث، ما يجعل مخيلتها تروم لمسات فنية، يكتنفها التناسق بين مختلف العناصر المكونة لأعمالها، من ألوان وخطوط ودوائر وأنصاف الدوائر، فضلا عن اختراق المساحة، والإجهاز الكلي على الفضاء بطرق تشكيلية ممنهجة. وإن مختلف الأشكال والوجوه المنْدسّة في الألوان والصور الشكلية التعبيرية النابعة من عمق المادة التشكيلية، تتوقف عند منتصف الخطوط التعبيرية المغلقة، تحاول المبدعة أن تقارب بها جوهر عملها وتقارب بها المادة الأساس الذي أنتجت عليها العمل كله، ولذلك تتبدى لوحاتها حمالة لأوجه من الإيحاءات والتصورات، والتخييلات المنبثقة من واقع شعوري تدل قطعا على معاني معينة، وهي في الواقع الفني إمكانات تعبيرية جالت في مخيلة الفنانة المبدعة، وغذت تصوراتها، ما يمنحنا مجالا خصبا للتفاعل مع مكنونات أعمالها، ويبين لنا تلك المرامي المتنوعة في الاستعمالات اللونية، التي تروم صياغة اللون من واقع مليء بالتأمل وبشراهة الرؤية؛ واستعماله في ثنائية متقاربة حينا، وفي تقاطعات أحيانا أخرى، وتسريب صورة العين من بؤر لونية وشكلية مختلفة، وهي تختلف في الشكل من وضع إلى آخر، إنها ترادفات تشكيلية تلعب فيها تقنيات المبدعة دورا جوهريا في التوظيف والمعالجة، بين الشكل والمعنى.

آمال بن غزالة

إن هذا المرمى التقني يساعد بشكل كبير في عملية إنجاز مادة تشكيلية خصبة تلامس الوجود الحسي والبصري بنوع من المهارة والتقنيات العالية، وإن هذا المسلك التعبيري تتوفر فيه كل مقومات العمل الفني الناضج، ما يجعل تجربتها غنية وذات بعد تفاعلي. فهي ترصد تصوراتها أثناء عملية التنفيذ، ليكون دورها فعالا في حداثة الأسلوب.
إن هذه الصناعة النوعية تكسب عملها نجاعة حين ترتبط فيه العلائق المتينة بين الأبعاد الزمانية والمكانية، التي تفسح المجال لنسج ثنائيات فنية جميلة تتمثل الشكل واللون، وبين مختلف الألوان والرموز والعلامات في تحولاتها المرتبطة بالظواهر الفنية والتعبيرية، تنجزها وفق التقنيات العالية والمهارات الكبيرة والمؤهلات الفنية الرائقة. إنه مسلك تشكيلي يمتح من الفن التشكيلي أسسه المتينة، وينسج عوالم إبداعية تقود نحو الابتكار بألوان وأشكال معاصرة. فأعمالها تتواشج على نحو من التأمل والنظر إلى الأشياء، في طرح تشكيلي لسياقات أعمالها الفنية ذات الرؤية التشكيلية الإبداعية، التي تستنطق المشاعر بمتعة الفنانة التي تصنع الأفكار والتصورات، بتحويلات فنية وجمالية، تروق عين القارئ باستعمالاتها الموتيفية وأشكالها التنوعية وتوظيفاتها اللونية وأشكالها الجمالية، فتتحول إلى سحر فني عميق الدلالة ومسلك فني معاصر.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية