أيهما أولا الحكومة أم المنظمة؟ حوارات المصالحة الفلسطينية في القاهرة فشلت قبل أن تبدأ

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

امتدت الخلافات بين فتح وحماس إلى ملفي إعادة إعمار قطاع غزة، بعد تمسك السلطة الفلسطينية بضرورة مرور أموال الإعمار من خلالها، وملف الانتخابات المؤجلة حيث تمسكت حماس بضرورة إجرائها.

بدا الأمر مدعاة للتندر من مشككين ومتوقعين سلفا لنتائج حوارات المصالحة، مرددين أن ما بدأ عام 2007 لم يزل بعيدا عن التحقق ضمن مسار سياسي حقيقي يطوي صفحة الانقسام، فيما طرف ثان اعتبر ما جرى بمثابة دليل واضح على أن الفجوة بين حركتي حماس وفتح كبيرة جدا، بل أن نتائج العدوان الأخير على قطاع عزة لم تلعب دورا في ردمها، بل يؤكدون أن ما جرى هو العكس تماما. أما الفريق الثالث فاعتبر ان ما جرى في القاهرة بمثابة «فعل لا يليق بكفاح الشعب الفلسطيني» حيث فضّ الاجتماع ما اعتبر مؤشرا على تصاعد حدة الخلاف والشقاق.
فلماذا فشلت الحوارات قبل أن تبدأ؟ وما الأسباب أو القضايا التي قادت إلى تفجر الموقف الذي قاد إلى فعل التأجيل؟ وهل من أمل في الأفق؟
بفضل ما تمتلكه مصر من تفويض دولي لإدارة ملف وقف إطلاق النار في القطاع، وبفعل دورها المحوري في إدارة ملف المصالحة الفلسطيني منذ أكثر من 15 عاما، ولرغبتها في وجود السلطة الفلسطينية في غزة من أجل إنجاح ملف الإعمار في القطاع، وتمتين التهدئة/ الهدنة المؤقتة بين فصائل المقاومة والاحتلال الإسرائيلي، وهو ما لا يتم على أكمل وجه من دون تحقق نموذج أو شكل من أشكال المصالحة التي تدفع بحلحلة كل الملفات.
وبالتالي يعتبر ملف المصالحة أو الحوار الفلسطيني – الفلسطيني ملفا أساسيا على أجندة القاهرة التي حاولت الدفع به إلى الأمام، ولأجل هذا الغرض وجهت دعوات لوفدي حماس وفتح بداية، ومن ثم دعوات لبقية الفصائل الفلسطينية، فما الذي حدث كي يعلن المسؤولون بجهاز المخابرات العامة المصري تأجيل الحوار الوطني الفلسطيني الذي كان مقرراً انطلاقه السبت الحالي؟
خطط المصريون منذ أسابيع لهذه اللقاءات، فيما قضت ترتيباتهم أن تُعقد اجتماعات تمهيدية بشكل منفصل بين وفدي حركتي حماس، وفتح بالمسؤولين المصريين كل على حدة بهدف تحقيق التوافق، وهو ما جاء بعكس ما يشتهيه المسؤولون المصريون، حيث وجدوا أن هناك صعوبة أو استحالة الخروج باتفاق رسمي يمكن توقيعه بين قادة الفصائل عقب انتهاء الاجتماعات التمهيدية.
ما رشح من مصادر رسمية فلسطينية أن التأجيل كان لوجود خلافات حول الأجندة وصعوبة اتفاق حماس وفتح حولها، وهو ما يعني أن هناك تباينا كبيرا في الموضوعات المطروحة وفي وجهات النظر حولها، وعد هذا تعبيرا واضحا عن عدم الاتفاق على المحاور التي يمكن أن تطرح على طاولة الحوار. فالأولويات مختلفة ما بين الحركتين الرئيسيتين.

ماذا تريد حماس وماذا تطلب فتح؟

ترى حماس المسيطرة على غزة والخارجة من عدوان بما يشبه النصر، أن انهاء الانقسام يبدأ من منظمة التحرير الفلسطينية وليس من مدخل السلطة الفلسطينية (أي الحكومة) ومبعث هذا الإصرار أن دخولها للمنظمة يعني فيما يعنيه حصولها على شرعية عربية ودولية.
وفي حديث سابق مع الأكاديمي المقرب من حركة حماس د. ناصر الدين الشاعر أكد لـ»القدس العربي» على أن الأمر لا يمكن أن يحل بحكومة مهما كان شكلها أو لونها، فهذا ليس باب القصيد، وإن كان في حديثه نبرة قبول بحكومة توافق وطني شرط ان يكون جهدها الرئيسي التحضير للانتخابات.
أما حركة فتح فتريد أن يكون مدخل إنهاء الانقسام عبر بوابة حكومة توافق وطني مقبولة دوليا وتشرف على إعادة الأعمار، ولاحقا يمكن فتح ملف دخول حماس إلى منظمة التحرير شريطة أن يكون ذلك باعترافات وبالتزام بالشروط الدولية التي يؤكد عليها الرئيس الفلسطيني دوما، وبنسبة تحددها فتح نفسها، وليس بناء على الواقع السياسي والنضالي الجديد الذي فرضه العدوان على غزة، أو حتى نتائج الانتخابات المؤجلة إلى حين موافقة الاحتلال الإسرائيلي على السماح بعقدها بمدينة القدس المحتلة.
إلى جانب ذلك امتدت الخلافات بين حركتي فتح، وحماس إلى ملفي إعادة إعمار قطاع غزة، بعد تمسك السلطة الفلسطينية بضرورة مرور أموال إعادة الإعمار من خلالها، وملف الانتخابات المؤجلة حيث تمسكت حماس وباقي الفصائل بضرورة إجرائها، وتشكيل حكومة من خلالها وعدم الاكتفاء بتشكيل حكومة توافق وطني.

الأسئلة المهمة

المحلل السياسي والكاتب الفلسطيني ماجد كيال يقول إن ما تفعله حماس من حشد للفصائل الموالية لها (مثل: حركة الأحرار، وحركة المجاهدين، ولجان المقاومة الشعبية وهو ما رفضته فتح بالمطلق) لا يفيد، مثلما أن شروط السلطة على حماس بالقبول بشروط الرباعية الدولية لا يفيد، «فإعادة بناء منظمة التحرير يكمن في الانتخابات، لا بالمساومات».
ويرى كيال أن سبب تعثر جهود المصالحة مرتبط «باستمرار تصرف فتح وحماس كسلطتين كل في إقليمه، إزاء بعضهما وإزاء باقي الفصائل، وبخاصة إزاء الشعب الفلسطيني» معتبرا أن الأجدى استعادة الحركة الوطنية لطابعها كحركة تحرر وطني، فهذا هو المدخل الحقيقي للتغيير السياسي الفلسطيني، وفق رؤية وحدانية الشعب والأرض والقضية والرواية التاريخية».
ويعقب كيال على أن القيادة الفلسطينية في الضفة وغزة لا تتأثر بالضغوط الشعبية، معتبرا أنه طالما مواردهما من الداعمين الخارجيين، وهما قيادتان لم تأتيا من صناديق الاقتراع، ويرتبط بهما آلاف الموظفين الذين يعيشون على الدخل المتأتي منهما، يصعب إحداث ضغط شعبي عليهما، ومع ذلك لا بد من إيجاد الوسائل للضغط على القيادتين، وإحداث تغيير سياسي فلسطيني، وهذا يحتاج بداية إلى إحداث تغيير في الوعي السياسي الجمعي للفلسطينيين في الداخل والخارج.
ويؤكد أن أسئلة كثيرة علينا أن نطرحها؛ فمسألة اشتراط فتح اعتراف حماس ببرنامج المنظمة يكون السؤال حسب كيال «ما هو برنامجها؟ هل هو اتفاق أوسلو؟ هل بات اتفاق أوسلو برنامجا للإجماع الوطني؟ وكيف تم فرضه؟» أما مسألة اعتماد الإطار القيادي ممثلا من الأمناء العامين للفصائل ليكون مرجعية فلسطينية يكون السؤال بحسب كيال أيضا: «من هي تلك الفصائل؟ وما الذي تبقى منها؟».
وفيما يبدو أن اللقاءات التمهيدية مع المخابرات المصرية بين وفدي الحركتين كشفت حجم التناقضات واختلاف الأولويات لكنها بالضرورة لم تتعامل مع تلك الأسئلة الجوهرية وهي التي يفترض أن تطرح على خيارات الحركتين وأولوياتهما، لكن ذلك لا يحدث ولو حدث فإننا سنكون إزاء ثورة حقيقية في النظام السياسي الفلسطيني. فيما يستمر التعاطي مع قضية المصالحة عبر مزيد من المساومات والتنازلات الثنائية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية