السلطة الجزائرية في معركتها مع الحراك الشعبي: رهان على إخماد المظاهرات

توفيق بوقاعدة
حجم الخط
0

كسبت السلطة الجزائرية معركة أخرى في صراعها مع الحراك الشعبي المستمر منذ 22 شباط/فبراير 2019 واستطاعت تمرير مشروعها للانتخابات التشريعية بدون مواجهة تذكر بين نشطاء الحراك، ومنشطي الحملات الانتخابية من أحزاب سياسية وقوائم مستقلة والتي قارب عددها 1500 قائمة. ولم يتحقق للسلطة ذلك إلا بعد أن عمدت إلى سلسلة من الإجراءات القانونية والأمنية للتضييق على الحراك ونشطائه في كل محافظات البلاد، ودفعت أحداث المشهد السياسي العام في الأسابيع الأخيرة المراقبين إلى إعادة قراءة ميزان القوى بين الطرفين، ومستقبل الحراك الشعبي وأدواته في تحقيق التغيير الذي ترافع من أجله منذ أكثر من سنتين.
هل انتهى الحراك؟
منذ استدعاء الهيئة الناخبة للانتخابات الرئاسية في 15 أيلول/سبتمبر 2019 من طرف الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح، ترى السلطة في البلاد أن الحراك الشعبي انتهى، وتمت الاستجابة إلى كل مطالبه، والتي يجمع عليها كل الجزائريين برأيها، وأنه وجب الانتقال إلى مرحلة البناء المؤسساتي للبلاد، والانتهاء من معضلة الفراغ الذي يشكله غياب الرئيس الشرعي. ودعت السلطة الفعلية في البلاد المواطنين للانخراط في «جهود إعادة بناء مؤسسات دستورية جديدة عن طريق الانتخاب» ومنذ تلك اللحظة ترسمت الهوة بين السلطة، وجموع الحراك في رؤيتهما لطبيعة الأزمة السياسية في البلاد.
وترى السلطة، أن الأزمة، أزمة أشخاص (عصابة) استأثروا بالحكم ومكنوا لمنظومة الفساد لاستنزاف ثروات البلاد. فيما يرى نشطاء الحراك والتيارات السياسية الداعمة، له أن المعضلة تكمن في منظومة الحكم الفاسدة، المسيطرة على الوضع منذ الاستقلال، وكرست ممارسات سلطوية لا يمكن إصلاحها إلا برحيل هذه المنظومة ذاتها والتأسيس لمنظومة حكم جديدة قائمة على الشفافية والنزاهة واحترام حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية.
وعلى الرغم من هذا البون الشاسع في رؤية الحل بين الطرفين عمدت السلطة القائمة إلى مرافقة الحراك، وتأمين المظاهرات الأسبوعية، والعمل في الوقت ذاته على استثمار تناقضاته الداخلية، لتفكيك قوته الاحتجاجية الشعبية، تارة باستدعاء الهوية الثقافية (اللعب على وتر التيار الأمازيغي) وأخرى بتخوين نشطائه وربطهم بأجندات أجنبية، ومرات بالتخويف من الخطر الخارجي المتربص بالبلاد.
وبعد أن استتب الحكم لجهة داخل النظام، والتي خاضت معارك أجنحة داخلية، حيدت فيها كل خصومها التقليديين والجدد، قررت إنهاء مظاهر الاحتجاجات الأسبوعية للحراك الشعبية. واستغلت في ذلك تراجع كثافة الاحتجاجات وعددها، وتباين الشعارات المرفوعة بين المتظاهرين، التي جنح فريق منها إلى خطاب وشعارات عنيفة تجاه رموز السلطة ومؤسساتها. وتزامن هذا المسار مع تصنيف كل من حركة «الماك»(الحركة من أجل الحكم الذاتي لمنطقة القبائل) و»رشاد» (إسلامية التوجه) منظمتين إرهابيتين، من قبل السلطات. كما لجأت لمنع المسيرات الأسبوعية دون ترخيص مسبق يحدد وقتها وشعاراتها، والمشاركين فيها.
ويتضح من هذا المسار أن السلطة قررت إنهاء الحراك بداية، ثم سعت لاستنزافه بالمعارك الهامشية، وتوسيع الهوة بين تياراته ونشطائه، وزرع ثقافة التخوين لدى القيادات، وصولاً إلى إنهائها، وهو مبتغى السلطة، لكن المتابعين للملف يطرحون تساؤلات ما إن كانت السلطة قضت على روح الحراك ومشروعه، وتعيد التأسيس لمشهد ما قبل 22 شباط/فبراير 2019.

ظل الحراك يتمدد على المشهد السياسي

يُقر مؤيدو السلطة من أحزاب وشخصيات سياسية، وكذا جموع المترشحين للانتخابات التشريعية المبكرة، أن التغيير الحقيقي الذي ينشده الشعب الجزائري، ما تزال ملامحه باهتة، والمسارات السياسية التي خطتها السلطة لحد الآن غير كافية من أجل تأسيس دولة الحق والقانون. وسعوا خلال حملاتهم الدعائية، إقناع الناخبين بضرورة استكمال بناء مؤسسات الدولة، من أجل التسريع في تحقيق ذلك.
وأعاد خطاب الحملات الانتخابية، طرح أسئلة الحراك ذاتها، التي طالما عملت السلطة على تجاوزها، والتنكر لكل من يريد طرحها، وهو مدى قدرة هذه المؤسسات على إحداث التغيير. تغيير يكون بما هو متاح أمامها من منظومة قانونية، وموارد سلطوية، لإرغام المقاومين للتغيير داخل النظام بالخضوع أو التنحي عن المشهد.
وخيبت إجابات المرشحين وعدم قدرتهم على تحديد التغيير الذي يمكن تحقيقه آمال بعض الفئات التي راهنت على بعض التغيير.
وكانت أغلب إجابات المرشحين سلبية، وتنفي قدرتها على تحقيق النتائج المرجوة، مع الادعاء أن الدستور لا يكفل لهم الأدوات الحقيقية لممارسة الحكم.
مع التأكيد أن دور المؤسسة التشريعية يظل رقابيا فقط على أداء الحكومة ومساءلتها في أحسن الأحوال، وأما صناعة السياسات العامة فالمختص بها بحكم العرف والدستور هي السلطة التنفيذية التي يقودها رئيس الجمهورية.
وتدرك النخب السياسية في الجزائر أن المؤسسة التشريعية في البلاد، تحديداً في صورتها الدستورية الحالية، ليست إلا واجهة للسلطة لتسويق صورتها الخارجية، ومكافأة المنخرطين في مساراتها.
وغابت عن خطاب الحملة الانتخابية نتيجة لذلك، الموضوعات الأساسية التي تعتبر مفاتيح لحل الأزمة مستقبلا مثل، تعديل الدستور، والحريات السياسية والعامة، وتغوّل السلطة التنفيذية، واستقلال القضاء، ودور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية. عجز النقاش السياسي العام في الانتخابات التشريعية، التطرق لهذه الموضوعات، لا يلغيها، بل ستزيد الحاجة إلى طرحها، خاصة إذا وصل نشطاء الحراك الذين اختاروا مبدأ التغيير من داخل مؤسسات الدولة، إلى البرلمان، وفي ظل معطى الأزمة الاقتصادية التي عجز الرئيس تبون وحكومته معالجة تداعياتها السلبية على يوميات المواطن.
ومن المتوقع أن تتوسع دائرة الغضب الشعبي، ويتسبب التذمر من تردي الأوضاع المعيشية، في الدفع نحو عودة الاحتجاجات القطاعية والفئوية، وبذلك يبقى الحراك الشعبي ومشروعه في تغيير منظومة الحكم، ظلاً يلاحق ويرهق السلطة، بمطالبه المتكررة، ودعوته تجاوز علّة النظام الأولى وهي استئثاره بالسلطة ومغانمها، وفتح المجال لتمكين الشعب من اختيار من يحكمه عبر انتخابات حقيقية.
كما أن سعي السلطة للقفز على الواقع لن يكون معبداً بالورود، وهي تدرك أن ما بعد حراك 22 فبراير لن يكون كما قبله.

البحث عن أدوات للحراك

ترسخت لدى أغلب نشطاء الحراك القناعة، بضرورة مراجعة المسار الذي انتهجوه في مواجهة السلطة، والبحث عن أدوات أخرى غير التظاهرات الأسبوعية التي أنهكت الجميع، بدون أن تحقق الهدف في تغيير شخوص النظام وممارساته.
كما تأكد مع الوقت أن النظام أعاد تنظيم صفوفه واستعاد أدواته، وزج بالعديد من نشطاء الحراك السجون، وتابع العشرات منهم قضائيا، فيما حرم عدد آخر من سبل العيش الكريم.
في رأي أحد النشطاء، فإن الحراك الذي كان قوة هائلة معبرة عن وعي تاريخي عميق، متطلعة نحو التغيير، لم يستطع تحويل ذلك الوعي، إلى أدوات سياسية قادرة على قيادة جموع الشعب الجزائري نحو الهدف.
ويرى أن الحراك أخطأ في قراءة المشهد السياسي بشكل كبير، وانجر أولاً وراء فخ تضخيم القوى الناقمة على الوضع في البلاد، من داخل مؤسسات الدولة، وبأنها سترافق الشعب في مسعاه للتغيير السلمي لمنظومة الحكم، واستحضر كثيرون تجارب دول كانت لها ظروف مشابهة للجزائر، مثل ما حدث في البرتغال، وبولونيا.
كما أنه أنجر وراء صخب الرفض الشعبي لكل المبادرات التي طرحت من السلطة أو من المعارضة، ووقع الجميع تحت سطوة ديكتاتورية الشارع، ولأن الحراك الشعبي كان حراك كل الجزائريين بكل اتجاهاتهم وايديولوجياتهم، فلم يستطع النشطاء تشكيل قيادة تعبر عنه وعن مطالبه، بل أكثر من ذلك وقع الجميع في مأزق التخوين، والتقليل من حجم وقدرات الآخر، مما عطل أهم أدوات الحراك لبعث رسائله، وفي الوقت الذي حسم النظام من يعبر عنه من خلال الانتخابات الرئاسية، ظل الحراك يتآكل بالتصريحات والتصريحات المناقضة بين نشطائه.
ويبحث «الحراكيون» اليوم عن بدائل حقيقية للتمكين لمشروعهم في التغيير، بعيداً عن ضجيج الشارع، ولغة التخوين، وتضخيم الذات، وذلك بمسايرة المراحل السياسية التي تم المرور بها لابتكار أدوات تتماشى وطبيعة المرحلة، وقد يجدون في الطرف الآخر من السلطة من يسهل عملية التغيير التي يطالب بها الجميع بدون أن يتفقوا على أحسن الأدوات التي تجعل ذلك أمرا واقعا، ويبقى المستقبل مفتوحا على كل السيناريوهات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية