قرأت مرة تعليقا من قارئة، أو هكذا يوحي وجودها في صفحة مخصصة للقراء، أن أكثر ما يزعجها عندي، تلك الابتسامة التي لا تفارقني.
كتبت ذلك من دون أن تعلق على النص الذي كان القراء الآخرون، يتحدثون عنه في تلك اللحظة.
حقيقة أدهشني ذلك التعليق، أدهشني جدا، ليس بسبب ذم ابتسامتي، مع العلم أنني لا أبتسم إلا نادرا جدا، وليس لدي أي ابتسامة مرسومة أو منقوشة على وجهي، أحملها معي وأبعثرها على الناس. هي انفعالات بسيطة تطرأ، في لحظة الفرح المؤقت وتذوب سريعا، ويعود الوجه إلى تقاسيمه الصارمة المعتادة، ولعل ذلك طبع متأصل، أو بسبب مهنة تحتم رعاية تفاصيل الأمراض لدى الناس، من دون أي فرصة لإبداء تفاصيل خاصة.
الذي أدهشني في الأمر هو تحويل مسار الكتابة أو التعليقات إلى درب آخر، لا علاقة له بالإبداع من قريب أو بعيد. فالابتسامة مثلها مثل التكشيرة، أو المغص الكلوي، ليست نصا إبداعيا بكل تأكيد، وأحيانا حتى لا توصف بأنها ابتسامة فرح أو انبساط، وإنما ابتسامة ألم، أو استغراب. تأتي فجأة، كمحاولة لتبني شيئا لا يعرفه الشخص أصلا، مثل أن تخبر شخصا بمرضه الخطير الذي قد لا يشفى منه، وترى ابتسامة لا يمكن تفسيرها على وجهه، مثل أن لا تنجح في امتحان ما كنت تؤمل فيه، أو تأتي إلى بيتك، فتجده يحترق، فتبتسم جزعا.
القارئ الحق لا يتقصى التعابير في صورة، وإن تقصاها فلمجرد المعرفة. هو يقرأ نصوصا لكتاب غارقين في ما لا يعرفه ولا ينصح بمعرفته، وكتاب مكتئبين، وممسوسين بالجن، وأحيانا ينتحرون بلا مبررات واضحة للناس، لكنها قطعا واضحة لديهم شخصيا وفي التاريخ الأدبي والثقافي للأمم. لدينا أمثلة كثيرة من ذلك، أنت ترى كاتبة لامعة وناجحة وصاحبة تيار مميز في الكتابة مثل فرجينيا وولف، لكنها انتحرت أيضا. ترى شاعرا قوي القصيدة، أشعل في نفسه النار، أو تجرع السم ليذهب.
المهم هي النصوص إذن، ما بها وما عليها، وأي تعليق على النصوص، سواء إن كان سلبيا أو إيجابيا، له دوره الفعال في تطوير الكتابة، لدى الكاتب المعني، أو كتاب آخرين، يتابعون ويستفيدون. ورأيي الشخصي أن أي كاتب مهما بلغت عظمته، واتساع تجربته، يمكن أن يستفيد من كلمة أو كلمتين، يجود بهما قارئ لأحد نصوصه. وأعرف كتابا كبارا لا ينشرون نصوصهم إلا بعد عرضها على أصدقاء مقربين ومهتمين بالشأن الكتابي لإبداء الرأي، الذي غالبا يؤدي إلى إضافة أو حذف شيء من النص. هذا بلا شك يشبه تحرير النصوص الذي نحتاجه بشدة، ولا يعترف به معظم الكتّاب في العربية.
أنا أعتبر أن ذم الابتسامة، أو ذم تقطيبة الوجه، أو حتى ذم الملابس التي يرتديها المبدع في ندوة يواجه بها الجمهور، فيه عنف تفكيري. أي أن القارئ أو المستمع يعتدي بتفكيره على المبدع، تاركا النصوص طليقة بلا إبداء رأي، ولعل هذا النوع من القراء، هو الذي يتفرغ لعدة أيام، يطارد الكتاب المهمين في مواقع القراءة، واضعا نجمة أمام كل عمل.
مؤكد هذا القارئ لا يعرف العمل ولا حجم الكاتب، والذي يضع نجمة لرواية «مئة عام من العزلة» لا يعرف الكتابة أبدا، وإلا ما تجاوز عن كل ذلك الخيال الأخاذ، والمجهود المضني في كتابة ملحمة كهذه. إنه مثل صديقنا الذي سمع بوفاة ماركيز منذ عدة سنوات، وجاء في ذلك اليوم يسألني: من هو الكاتب ماركو بولو الذي توفي اليوم؟
أيضا الظروف المعيشية التي قد يحياها المبدع هي من يتحكم في لبسه وسلوكه، وهنا ينبغي عدم قراءة تفاصيل ذلك المبدع، أو مظهره، والاهتمام بما يقدمه من إبداع.
وأذكر أنني في بداياتي تعرفت بشاعر عظيم، كان يتحدث شعرا، ويتنفس شعرا، وقصيدته عبارة عن صور فذة تتحرك أمامك. هذا الشاعر كان يسكن في عشة من الصفيح في سطح إحدى البنايات القديمة، ينام على الأرض في حصير من السعف، ويكتب أشعاره في الكرتون الممزق، لندرة الورق عنده، وكان يرتدي ملابس زيتية، عبارة عن سروال وقميص، وجاكيت، هي كل ما عنده. وبالرغم من ذلك يأتي إلى الندوات وهو مبتسم، تلك الابتسامة العريضة التي أزعجت القارئة، يلقي قصائده بترف، ويتغزل في الفتيات المحيطات به بعد الندوة، ويذهب إلى بيته العشوائي، لينام بلا عشاء.
ما نوع الابتسامة هنا؟
إنها أكيد ليست ابتسامة فرح أو غطرسة، تماما مثل تلك الابتسامات التي ذكرت أنها مجرد رسم على شفتين، لم يغص للعمق أبدا.
أذكر أيضا أيام المراهقة أن واحدا في حوالي الخامسة والأربعين، في ذلك الوقت يسكن قريبا من بيتنا، كان يعمل في إدارة الطرق، وكان دائم الابتسامة، يحيي الناس وهو مبتسم، وجيوبه دائما بها حلوى، يوزعها على الصغار، مع أعرض ابتسامة يمكن رسمها، وحين يزور بيتنا، يجلس مع والدي، يلقي أشعارا قديمة، يختار منها ما هو مفرح. هذا الرجل كان لديه أربعة أبناء، كلهم ولدوا بلا بصر.
أعود لمسألة النصوص ونقدها، أي التركيز على النص الذي تتم مناقشته، إن كان الشخص قارئا حقيقيا، وليس مجرد فرد بلا دراية، ينغمس وسط الذين يدرون، ليبحث عن التفاصيل الشخصية، ويتحدث عنها بما ذكرت أنه عنف في التفكير، ينبغي معالجته.
أقسى ما يرعب المبدع، أن تتقصى تفاصيله، التي لا يريد أن يتقصاها أحد، وإلا لكتبها في سيرة ذاتية، عممها على الناس.
عموما الأمر ليس بهذا السوء، لكني اعتدت التعليق على سلبيات القراءة، مثلما أعلق على ما أظنه سلبيات في الكتابة، هي أفكار أطرحها، وأناقشها باعتدال.
* كاتب من السودان