الناصرة- “القدس العربي”: تشهد الحلبة السياسية في دولة الاحتلال حدثا تاريخيا بسقوط رئيس حكومتها صاحب المدة الأطول في سدة الحكم بنيامين نتنياهو، وسط تساؤلات عن انتهاء حقبته أم هي استراحة قصيرة ثم يعود إلى مقعده.
ونتيجة حسابات كثيرة، يبدو أن الفلسطينيين في الوطن والعالم مبتهجون لسقوط نتنياهو، وهذا ما عبّر عنه حتى الرئيس محمود عباس خلال لقاء بوفد عن القائمة العربية الموحدة زار المقاطعة في رام الله الأسبوع الماضي كما أكد مصدر فلسطيني مطلع.
هو حدث تاريخي في إسرائيل رغم أن حكومتها الجديدة لا تحمل أي جديد حيال الصراع مع الشعب الفلسطيني والاحتلال والاستيطان. مع ذلك يعتبر الثالث عشر من حزيران/ يونيو 2021 يوما تاريخيا في السياسة الإسرائيلية يذكّر بأيام مشهودة منذ قيام حكومة الاحتلال الأولى عام 1949 غداة النكبة الفلسطينية، وذلك لعدة عوامل، منها سقوط نتنياهو الذي بدا حكمه بفعل طوله وكأنه حكم ملكي، فهو ينزل عن المسرح بعد رئاسة الوزراء على التوالي منذ 2009. وفي جعبة نتنياهو قبل ذلك ثلاث سنوات في سدة الحكم في ولايته الأولى بعدما تغلب في انتخابات مباشرة على رئيس الوزراء الراحل ومرشح حزب “العمل” شيمون بيريز في مايو/ أيار 1996.
سقط نتنياهو عن الحلبة، في حال لم تحصل مفاجآت اللحظة الأخيرة، ليس فقط بسبب تحالف المعسكر المناهض له من أحزاب الوسط- اليسار الصهيوني التقليدية، بل بفعل مشاركة ثلاثة أحزاب يمينية بالكامل في استبداله: “يمينا” برئاسة نفتالي بينيت رئيس الحكومة الموعود، و”إسرائيل بيتنا” برئاسة أفيغدور ليبرمان، و”أمل جديد” برئاسة المنشق عن الليكود النائب غدعون ساعر، وهذه الثلاثية كانت يوما جزءا من حزب نتنياهو “الليكود” وحلفاء له، لكنه بعنجهيته وتعامله السادي -وفق تأكيدات مراقبين إسرائيليين كثر- قد حوّل الزملاء والأصدقاء إلى خصوم وأعداء اجتمعوا من أجل التخلص منه اليوم.
ويُعتبر سقوط نتنياهو الذي يعقب سقوط حليفه الكبير دونالد ترامب بستة شهور، حدثا تاريخيا؛ لأنه رئيس الوزراء الإسرائيلي الوحيد الذي بقي في منصبه رغم توجيه لوائح اتهام خطيرة بالفساد بحقه، وما زالت محاكمته جارية، بخلاف رؤساء حكومات سابقين استقالوا على خلفيات مشابهة، منهم سلفه إيهود أولمرت، وقبلهما اسحق رابين لمجرد الكشف عن وجود حساب ممنوع قانونيا بالدولار لزوجته في مصرف أمريكي رغم عدم وجود مبالغ كبيرة فيه.
وهذه المفارقة ربما تعكس التغيرات العميقة في دولة الاحتلال التي بات قادتها مختلفين عن جيل المؤسسين من ناحية نظافة اليد وتحاشي خلط الأوراق والحسابات الشخصية والاعتبارات الحزبية والمصالح العامة العليا. كذلك تنبع تاريخية هذا التحول السياسي الكبير في إسرائيل من كون رئيس حكومتها الجديد نفتالي بينيت، رئيس حزب لديه ستة مقاعد فقط في البرلمان، بينما نتنياهو فشل في تشكيل حكومة رغم حيازة حزبه الليكود على 30 مقعدا، وهو الحزب الأكبر وبفارق 12 مقعدا عن الحزب الذي يليه “هناك مستقبل” برئاسة يائير لابيد مهندس هذه التوليفة، ورئيس الوزراء الثاني في حكومة التناوب بعد نحو عامين في حال بقيت هذه الحكومة التي تحمل الرقم 36 وتعد 28 وزيرا وهو رقم غير مسبوق، من بينهم وزير عربي، هو عيساوي فريج من مدينة كفر قاسم، عضو حزب ” ميرتس” ووزير التعاون الإقليمي.
تزداد خصوصية هذا الائتلاف الحكومي الجديد بدعم غير مسبوق وبشكل مباشر من قبل حزب عربي هو القائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية- الشق الجنوبي) مقابل مكاسب وحقوق مدنية تعِد الحكومة الجديدة بتلبيتها. ويقضي الاتفاق بأن تدعم القائمة العربية الموحدة برئاسة النائب منصور عباس هذا الائتلاف الحكومي الإسرائيلي دعما مباشرا، بينما تعارض الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة برئاسة النائب أيمن عودة، والتجمع الوطني الديموقراطي برئاسة النائب سامي أبو شحادة، بينما لم يعلن الضلع الثالث في القائمة المشتركة (العربية للتغيير برئاسة النائب أحمد الطيبي) موقفه بعد.
يشار إلى أن بعض القوائم الانتخابية عربية الشكل وإسرائيلية الجوهر، قد شاركت في حكومات الاحتلال الأولى في الخمسينيات والستينات من القرن الماضي وكانت صنيعة الحزب الصهيوني الحاكم “مباي” برئاسة دافيد بن غوريون، الذي أراد من خلال تلك القوائم العربية الاستحواذ على أكبر عدد ممكن من أصوات أصحاب حق الاقتراع العرب وقتذاك.
كما حال خمسةُ نواب عرب دون سقوط حكومة رابين بعد انتخابات 1992 وذلك بتوجيه سري من قبل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي استعان به حزب “العمل” من أجل تثبيت حكومة توقع على اتفاق كان يعد خلسة، هو اتفاق أوسلو. وقتها دعمت الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة برئاسة الراحل توفيق زيّاد، والحزب الديموقراطي العربي برئاسة النائب السابق عبد الوهاب دراوشة، من خلال توفير ما يعرف بـ”الكتلة المانعة” مما يعني دعما غير مباشر (مقابل تلبية حقوق مدنية أيضا) بعكس الدعم المباشر للائتلاف الحالي عام 2021. وعلى خلفية ذلك يتواصل الجدل داخل أراضي 48 بين مؤيد ومعارض لدعم القائمة العربية الموحدة للائتلاف الجديد، وهناك من يتفق مع موقف عباس الداعي للمشاركة في اللعبة الإسرائيلية وعدم البقاء بدور المتفرجين عليها مقابل تسوية تحديات ومشاكل ملحّة كمكافحة الجريمة ووقف هدم البيوت العربية والاعتراف بقرى عربية في النقب وغيرها.
في المقابل، هناك من يوجه الاتهام للموحدة بأنها تنازلت عن الموقف السياسي وعن الرواية والهوية الفلسطينية مقابل حقوق مدنية ليست كاملة، بعضها سيبقى وعودا وبعضها تم تحصيله في السابق، علما أن استطلاعات رأي تشير لوجود أغلبية من فلسطينيي الداخل تؤيد الاندماج وترجيح كفة التأثير مقابل التمثيل السياسي للنواب العرب في البرلمان الإسرائيلي رغم حالة المد الوطني الحالية، وهذا ربما تعبير عن ضعف الوعي السياسي للأجيال الشابة نتيجة تردي عمل الأحزاب العربية وعوامل أخرى محلية وفلسطينية وعربية ودولية، وفق تأكيد عدد من الباحثين.
وتتجلى تاريخية هذا الائتلاف الحكومي الذي أعلن قادته رغبتهم الانشغال بقضايا التعليم والصحة وإشفاء الأمراض الداخلية وسط تجاهل كامل للقضية الفلسطينية والاحتلال، بأن حكومة بينيت- لابيد ستكون تحت رحمة أحد نواب العربية الموحدة الأربعة أو غيرهم، لأنها تقوم على أغلبية صوت واحد (61 نائبا من بين 120 نائبا في الكنيست) إلا إذا انضم حزب جديد لها.
وعلى خلفية هذه المعطيات الاستثنائية، يشبه سقوط نتنياهو سقوط بيريز بعد تفوقه هو عليه عام 1996 بعكس كل التوقعات، وربما بسبب تراجع الناخبين العرب عن التصويت لبيريز أو العزوف عن صناديق الاقتراع بعدما تورط في مجرزة قانا خلال عدوانه على لبنان في حملة “عناقيد الغضب” في ربيع 1996.
كما يشبه سقوط نتنياهو الدراماتيكي سقوط حزب العمل عن سدة الحكم للمرة الأولى عام 1977 بعدما فاز مناحيم بيغن برئاسة الوزراء، مثلما يشبه سقوطه الأول عام 1999 عندما استعاد “العمل” الحكم للمرة الأولى بعد خسارة بيريز، وذلك بعدما تغلب عليه إيهود باراك بفارق كبير وبدعم نسبة كبيرة من الناخبين العرب الذين سرعان ما خاب أملهم في العام التالي يوم أمر باراك بإطلاق الرصاص على المتظاهرين العرب في هبة القدس والأقصى في مطلع الانتفاضة الثانية عام 2000.
لذلك اختارت بعض الصحف العبرية عنونة صفحاتها الأولى بالقول إن عصر نتنياهو ينتهي بعد 4456 يوما في الحكم، لكن نتنياهو لم يسلم بالخسارة ويرفض حتى الآن المباركة للناجحين، بل لم يعلن استعداده بعد لمرافقة رئيس الحكومة الجديد في فترة انتقالية يرشده فيها وينقل له مفاتيح الحكم بسلاسة وبشكل محترم، ويبدو أنه ترك لهم سلسلة من القنابل الموقوتة والألغام السياسية التي من شأنها تفجير الحكومة الجديدة، أقربها “مسيرة الأعلام” الاستفزازية التي من شأنها إحراج القائمة العربية الموحدة، مقابل مشاهد اقتحام البلدة القديمة من القدس وربما الحرم القدسي الشريف.
وبدون هذه التحديات، تنتظر الحكومة الجديدة تحديات كثيرة أخرى لأن مكوناتها غير متجانسة أيديولوجياً وسياسياً، وهناك رواسب ومرارة شخصية لدى بعضهم بسبب استحواذ “يمينا” على الكثير من المكاسب، بالإضافة لرئاسة الوزراء رغم كونه حزبا صغيرا جدا.
وقبيل تنصيب الحكومة الجديدة، بدت هذه التحديات والمخاطر بإعلان إيلي أفيدار أحد نواب “إسرائيل بيتنا” عن رغبته بالانشقاق عن حزبه وتشكيل كتلة خاصة به احتجاجا على منصب اعتبره مهينا له وهو وزير داخل وزارة المالية التي سيشغلها ليبرمان رئيس الحزب نفسه، ولذا هناك من يصف الحكومة الجديدة بالشاحنة التي انطلقت بسرعة فائقة في منعطفات ومنحدرات حادة وقاسية. وهناك من يقول إن المشهد يبدو أقرب للحلم منه للعلم، وللخيال أكثر منه للواقع.
وعلى خلفية كل ذلك، تبدي بعض أوساط “الليكود” تململا متزايدا من عدم تنحي نتنياهو جانبا وتصميمه على البقاء في الصورة رئيسا للمعارضة، ومحاولة تفكيك حكومة التغيير والدفع نحو انتخابات خامسة علّها تعيده لمنزل رئاسة الوزراء. لكن المعارضة الداخلية في حزبه ما زال صوتها خافتا، خاصة أنها تخشى قيامه بالانتقام من كل المشاركين في معارضته كما دللت تجاربه في الماضي.