صفعة ماكرون وعصا القذافي… زياد الرحباني وكبسة زر المقاومة… وأيمن زيدان يعيب الزمان الأحمق

حجم الخط
2

محيّر فعلاً حرص إعلام الأنظمة الديكتاتورية العربية على إدراج فيديو صفعة ماكرون، ضمن عناوينها الإخبارية. وإذا تحدثنا عن نظام بشار الأسد خصوصاً، ستصفعنا الرسائل المتضاربة؛ أهي شماتة بماكرون، أحد أطراف المؤامرة الكونية على النظام السوري؟ هل هي تغن بـ «دمشق الآمنة أكثر من نيويورك» حسب عبارة شهيرة لكاتبٍ من عظام رقبة النظام؟ أم مدّ لسان السخرية للديمقراطية الغربية والمآلات التي يمكن أن تقود إليها؟!
قد يكون السبب أبسط من ذلك بكثير، وهو أنه لا يمكن تجاهل خبر ذاع على مواقع التواصل الاجتماعي بسرعة الضوء، بل قد يكون في تجاهله رسالة من يضع نفسه (وخدّه) في ميزان المقارنة. إذاً كان لا بدّ من تمرير الخبر والفيديو، فالأسوأ بالنسبة للنظام قد صار وراءه، ومن لم ينفذ بجلده من عقاب ما بعد الكيميائي والبراميل العشوائية المتفجرة لن يهزّه فيديو صفعة.

يستحيل أن يجرؤ مواطن على صفع رئيسه، ستجده يرقص (ولو مذبوحاً) عند مرور موكبه، وقد يقبّل البسطار ويضعه على رأسه، مع أن رغبته العميقة، إن أتيح له التحرر من الذعر، ليس أقل من عصا القذافي.

أما المشاهد العربي فليس له إلا أن يمدّ بدوره لسان السخرية لحاله، فهذا مواطن شاب يصفع رئيسه على مرأى من كل رادارات العالم، والنتيجة ليست سوى سجن أربعة شهور. الأمر الذي كان يمكن أن يودي بمواطن عربي (ولأسباب أقل من ذلك بكثير) إلى ما لا يمكن أن يبلغه ذباب أزرق، هو وعائلته وقبيلته كلها، والمدينة التي جاء منها.
لا مناص من الاعتراف بأن الصفعة لم تكن ممكنة إلا بسبب فائض الديمقراطية في هذه البلاد، وهي لذلك اعتداء بغيض (استنكره حتى أشد خصوم ماكرون) على تلك المساحة التي تمنحها القيم الإنسانية النبيلة والعدالة واحترام حقوق الإنسان. هنا يمكن القول إنه حين تحكم الديمقراطية والعدالة الحقة لا بدّ أن تجد نفساً أمارة بالسوء تعمد إلى تلويثها، وهذا عكس القاعدة التي أطلقها رسولٌ عن عمر بن الخطاب « حكمت فعدلت فأمنت فنمت». أتحت سقف الأنظمة المتوحشة التي لم تعرف العدل يوماً، يستحيل أن يجرؤ مواطن على صفعة، ستجده يرقص (ولو مذبوحاً) عند مرور موكب الرئيس، وقد يقبّل البسطار ويضعه على رأسه، مع أن رغبته العميقة، إن أتيح له التحرر من الذعر، ليس أقل من عصا القذافي، تلك التي جعلت مصير الزعيم الليبي المقبور فريداً قد لا يتكرر إلا في مخيلات المقهورين.

نعيب زماننا!

إلى أي حدّ من اليأس بلغ متابعو الفنانين السوريين، الذين ينتظرون كلمة منهم لتفسيرها على أنهم مع الناس لا في صف الطغاة، حين يعمدون إلى تفسير مثل عبارات أيمن زيدان التالية على أنها تعني بشار الأسد: «كيف صيّرنا هذا الأحمق أشخاصاً لانتقن إلا رثاء الأيام الغابرة. كيف تصحرّت أرواحنا ودخلت أحلامنا في غيبوبة قسرية؟». أم لعلها ألعاب يقصد فيها توريط الفنان في مواقف ليست له! عندما يعود المرء إلى ما كتبه الفنان على صفحته في فيسبوك سيكشف أن النص اجتزئ من مقطع أطول، وأن العبارات المجتزأة مسبوقة بعبارة: «كيف وصلنا الى زمن خائب كهذا؟». أي أن الأحمق المقصود هنا هو الزمن، وهذا جلّ ما يقدر عليه الفنان؛ هجاء الزمن، مثلما سجّل من قبل هجاءه للتخلف والفقر، العائق الأكبر للديمقراطية وللإرادة الانتخابية.

رامي مخلوف أغلق باب المعارضة وراءه، فمَنْ يريد أن يسجّل أنه انشقّ عن النظام أو نطق بالحق متأخراً عن رامي مخلوف!

المتابع لمسيرة أيمن زيدان ومواقفه، وليس أولها تصريحه: «كيميائي بالوطن ولا بارفان بالغربة» ولا آخرها إعلانه في مقابلة تلفزيونية عزمه على انتخاب بشار الأسد، سيعرف عن ظهر قلب أن الرجل لا يمكن أن يكون معارضاً، وبالمناسبة، نحسب (إنْ تحدّثنا عن النخب من وجوه معروفة من فنانين وكتّاب واقتصاديين ورجال نظام بارزين، أما الناس فهم دائماً مصدر أمل لا ينفد) أن رامي مخلوف قد أغلق باب المعارضة وراءه، فمَنْ يريد أن يسجّل أنه انشقّ عن النظام أو نطق بالحق من بعد رامي مخلوف!

كتاب القواعد

يقارن فيديو لـسي أن أن بين أداء بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب إثر انتهاء ولاية كل منهما، ليصل إلى المطابقة بين موقفيهما؛كل منهما اعتبر أن الانتخابات مزورة، بل باعتبارها «أكبر تزوير انتخابي في تاريخ البلاد» المذيعة قالت أيضاً إن نتنياهو بدا كما لو أنه «يمزق صفحة من كتاب قواعد اللعب الخاص بصديقه ترامب عندما ظهر على شبكة يمينية تشبه بشبكة فوكس، ليشتكي من تعامل بقية وسائل الإعلام». ومثل صديقه ترامب قدّم نتنياهو نفسه كضحية ووعد بإسقاط الحكومة المقبلة.
الفيديو ختم بنقل تصريحات قادة إسرائيليين حذّروا من أن هذا الصنف من التصريحات العنيفة يمكن أن يؤدي إلى عنف في الواقع.
هذا التطابق المذهل في التعاطي مع نتيجة الانتخابات ليس فقط مرشح للاستمرار وللاستخدام مرات لا تحصى، إنه بالضبط خلاصة استخدام متكرر مرات لا تحصى. ذلك أن كتب القواعد تأتي بعد الخبرة والتجربة لا قبلها.

ترميم الجنازات

حسب نقاد، يعتبر فيلم المخرج الأوكراني سيرغي لوزنيتسا الوثائقي «جنازة رسمية» تحفة تسجيلية، حيث العمل هو ترميم صور وفيديوهات وأصوات لجنازة ستالين العام 53. المقاطع الترويجية تشي بالكوميديا السوداء التي تلفّ الفيلم.
لا يخطر في البال سوى الأمل بوثائقي مبدع مماثل حقيقي عن جنازة حافظ الأسد، بل بكمّ الوثائقيات الهائل الذي سيتاح عمله في هذا البلد البكر.
كم من الكوميديا والتراجيديا والعبث والسيريالية… سيفرج عنها سقوط النظام في هذا البلد!

كبسة زر المقاومة

حسب موقع «الميادين» يحضّر زياد الرحباني لحفلتين في مدينة صيدا الجنوبية اللبنانية دعماً لغزة، صمودها ومقاومتها. ظهور لزياد بعد غياب يدهش محبيه قبل الآخرين. تستحق غزة بالطبع كل التضامن، كل الأغاني، وما أمكن من فعاليات التضامن، لكن لا شك أن الاستهجان لا يخفى؛ هل يعقل أن كل ما حدث في السنوات الأخيرة الحافلة بالأحداث الموجعة، وعلى رأسها ثورة لبنان نفسه، والتي تستحق أيضاً وقفات تضامن، هل يعقل ألا تستفز الفنان!
هذا ما يدفع للقول إنه التضامن السهل، أو ربما المزيف، التضامن المنجز بكبسة زر.

 كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية