السيرة الذاتية النسوية نوع سردي له سماته وموجباته، وأهمها افتراقه عن الرواية التي لها قالبها الأجناسي، الذي هو أرسخ وأقوى من أن تضاهيه السيرة التي هي بمختلف أشكالها أضعف وأرخى من أن تكون جنساً مستقراً بمفردها. إلى جانب تشاكل السيرة مع التاريخ من عدة نواح ومنها ناحية حسن النية في قول الحقيقة والبحث عن الصدق، وما يترتب على هذا التشاكل من كشف للأسرار، واستعادة للغائر منها في الدواخل النفسية.
وما بين سحر المخيلة السردية وقول الحقيقة التاريخية، تبقى السيرة كما يرى اندريه موروا على الدوام شكلا فنيا صعبا، فالبطل السيري لا يوجد إلا في إطار ما يرسمه هو نفسه عن نفسه، أو ما يرسمه شهود عيان عنه من تخطيطات قليلة، ولا يكون بمقدوره مغادرة دواخله ليراها من خارجه، وهو ما يستطيعه الروائي الذي بوسعه رؤية بطله من أكثر من وجهة نظر في آن.
وليست كتابة السيرة عموما والسيرة الذاتية تحديدا ككتابة الرواية، إذ أن كل روائي يمكنه أن يكون كاتبا سيريا، لكن ليس كل كاتب سيري يمكنه أن يصبح روائيا، فما يحتاجه كاتب السيرة ليس أكثر من ذاكرة مرنة تسترسل متدفقة في أي وقت يشاؤه، وفي أي مكان يرصده فلا تتلكأ ولا تستعصي، ما دام العقد المبرم بين المؤلف والسارد يفترض أن عملهما واحد ضمن ميثاق أدبي، فيه الشخصية مجسدة لهما، فهي محور الكتابة السردية ومن هنا تدرج السيرة الذاتية في خانة الأدب الشخصي الذي مرجعه خارج نصي.
وهذا الخارج النصي هو أساس التطابق بين المؤلف والسارد والشخصية مما يسميه لوجون (ميثاق السيرة الذاتية). وهنا ينتفى حضور التخييل بينما يتأكد حضور التوثيق والتسجيل، ولا يغدو هناك فاصل بين ذات التلفظ وذات الملفوظ، اللتين تتكلمان بضمير الأنا نفسه، ولن تبقى الصيغة على الشكل (أنا الموقع أسفله) بل تصبح (أقسم بأن أقول الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.. إنها شهادة إضافية على الصدق).
ويؤكد أندريه موروا، أن أكثر صعوبات عد السيرة رواية، تكمن في الفرق بين الكائن الخيالي والكائن البشري، نافيا أن يكون الكائن السيري كائنا ثالثا بين الاثنين، بسبب حياته المحفوفة بالمخاطر. وتفاوتت تعريفات السيرة الذاتية، فسارة غامبل تعرفها بأنها (كل جهد نظري أو عملي يهدف إلى مراجعة واستجواب، أو نقد أو تعديل السائد في البنيات الاجتماعية). ويعرفها فيليب لوجون بأنها (حكي استعادي يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة).
وإذا كانت السيرة الذاتية نوعا سرديا أساسه مرجعي لا يقبل التخييل؛ فإن السيرة الذاتية النسوية نوع سردي أساسه مرجعي، فيه المؤلف امرأة تبوح ولا تتخيل. وهو ما لم يقف عنده أندريه موروا، وكأن لا موجب للتفريق بينها وبين السيرة الذاتية الذكورية، أو لأن هذه الأخيرة هي الطاغية والأكثر إنتاجا، أو لأن الكائن البشري كائن أرضي لا جنوسية فيه، فيجوز أن يكون المؤلف رجلاً أو امرأة ومع ذلك يبقى العمل موصوفا بأنه سيرة ذاتية بلا تخصيص.
وبالطبع ليس صعبا عندها أن نفرق بين سيرة ذكورية وسيرة نسوية، غير أن الأمر سيكون في صالح الأولى، فتبدو الثانية تابعة لها وكائنة في أعقابها. وهنا نتساءل أليس من حق المؤلفة أن تؤكد سيرتها، وأنها هي المجموع النسوي الذي تختصره في عملها كـ(سيرة ذاتية نسوية)؟ وما الضير الذي يصيب السيرة الذاتية (التي هي في العموم تدلل على الذكورية) في أن تُصنف المرأة كتابتها السيرية بهذا الوصف؟ وكم هي درجة الاقتناع عند المرأة الكاتبة نفسها بهذا الوصف، أو لا اللاقتناع بالمطلق، لأن البوح والتصريح، يبقيان حقا مشروعا للجميع، ومن دون الحاجة إلى التمييز الجنوسي؟
إن الغالب في كتابة السيرة الذاتية، أن صاحبتها إما أن تصنفها بوصف إنشائي لا مقصدية جنوسية فيه، وإما أن تجنسها بأنها رواية بالعموم كما فعلت ليلى بعلبكي في (أنا أحيا) أو ترى فيها مزاوجة إبداعية بين الرواية والسيرة فتصفها بـ(رواية سيرية) كما فعلت حياة الرايس في (بغداد وقد انتصف الليل فيها) أو تسحب السيرة إلى منطقة الرواية فتلحق ما هو أكبر بما هو أصغر وتسميها (سيرة روائية) كما فعلت عالية ممدوح في (الأجنبية) أو تدرك أن السيرة الذاتية التي مقصدها تاريخي هي عبارة عن مقاطع من السيرة الذاتية، كما فعلت رضوى عاشور في (أثقل من رضوى). لكن يبقى التحدي الأكبر كامنا في عامل التخييل، وكيفية توظيفه في هذا النوع السردي، فهل يحق للكتابة السيرية التي فيها وجهة النظر واحدة، أن تجعل للتخييل مكانا؟ وما درجة الصدق التي بموجبها تتحكم الكاتبة في تعشيق التخييل بالتدوين السيري؟
وعادة ما تتجه السير الذاتية النسوية هذه الوجهة ما بعد الحداثية، ولا نكاد نجد سيرة نسوية ذاتية إلا وهي تناهض القوالب الجاهزة، وتتمرد على الذكورية التي هي في الأساس تمثل العنف الرمزي الذي يصفه بورديو بتشكيلة اجتماعية، أو جماعة معينة، أو أعضاء المجموعة العائلية يحكمها نظام من علاقات القوة.
فرَّقت الناقدة رضوى عاشور بين السيرة التي فيها يكون التخييل عنصرا لا يمكن التنازل عنه، بما يجعل السيرة نوعا سرديا، وكتابة المذكرات واليوميات التي لا تخييل فيها، ومن ثم تعد كتابتها أقرب إلى التاريخ منها إلى السرد، تقول في الفصل الثالث والعشرين من سيرتها (أثقل من رضوى) «أعي.. أنني أجمع فيه بين السيرة الذاتية والمذكرات، وهما نوعان مختلفان من الكتابة، وإن اشتركا في التاريخ للذات وتقديم التجربة الشخصية وتصنيفها وتأملها والتعليق عليها، باسترجاع مراحل العمر بشكل متسلسل زمنيا، أو يخلط بين الأزمنة. وأعي أنهما أعني السيرة والمذكرات على تشابههما يختلفان في أن المتوقع غالبا من الشكل الأول هو حكاية العمر بمختلف مراحله. أما المذكرات فغالبا ما تركز على مرحلة بعينها، أو تجربة بالذات من تجارب حية ممتدة، لكن ما جد عليّ دون سابق نية، أو إعداد، هو النقل المباشر لحدث يومي أسجل بعض تفاصيله ومشاعري تجاهه، وهو ما يدخلنا في نوع ثالث من الكتابة أقرب لليوميات التي قد تدونها سين أو صاد في مفكرة تحمل أعلى كل صفحة منها تاريخ اليوم، أو في دفتر تضيف إليه التاريخ بخط يديها تعنون به الكلام او تذيله».
وبالطبع لا تشير عاشور إلى ما يميز السيرة الذاتية، حين تكون كاتبتها أمرأة، ولماذا هذا النوع أقل بكثير من السير الذاتية الذكورية.. بيد أن تشديدها على تاريخية المذكرات واليوميات، يؤكد مقصديتها في أن تكون كتابة ذكرياتها متشكلة في شكل مقاطع سردية بلا ضابط تاريخي لها في انتقالاتها من واقعة ما، إلى غيرها مع زج الميتاسرد في تضاعيف كل مقطع سردي.
والفارق بين العبور والتداخل شاسع، ليس لأن العبور يفترض ذوبان حدود النوع وتلاشيها في حدود الجنس، بينما يفترض التداخل التعالق أو التناص أو الاندماج في حدود الاثنين بعضهما ببعض، فلا يغيِّب أحدهما الآخر وإنما لأن في العبور اعتدادا بالجنس وحده، وهو ما لا وجود له في التداخل الذي فيه الاعتراف قائم بنصية الحدين المتداخلين، ولا أهمية بعدها إن كان أحدهما جنس، والآخر نوع، بل المهم أنهما نصان إبداعيان وكفى.
أما محاولة توصيف السيرة الذاتية النسوية بأنها رواية سيرية فيأتي من باب الإحساس بأن السيرة الذاتية لا تفي بمقصد المؤلفة في تصعيد قول الحقيقة. تلك الحقيقة، التي لن يتعارض معها توظيف التخييل كعنصر من عناصر الكتابة السردية. وهو ما فعلته حياة الرايس في (بغداد وقد انتصف الليل فيها) التي من بدايتها تتأكد مقصديتها في التأرخة لحياتها تأرخة سردية (هل كان المذيع يؤرخ للحظة فارقة في حياتي؟ هل كان يكتب بدلا عني تاريخ مستقبلي؟ أنا المعلقة بين فضاءين، أتارجح على حافة الزمن أحاول أن أتماسك لكي لا أسقط في مفارقة اللحظة، وأن أستجمع طرفي الزمن في كفي). وفي هذه السيرة كثير من التناصات التاريخية والشعرية المتعلقة بالملاحم والفلسفة والأديان والفنون، وجميعها تأتي بصيغتي الكولاج والتناص.
إلى جانب ما يتمتع به العمل أعلاه من سمة نسوية، تجعله مندرجا في السرد ما بعد الحداثي، فالمؤلفة دائمة الرصد للمواقف والوقائع التي فيها تعلن تمردها على التابعية وشغفها في امتلاك الاستقلالية، سواء وهي تتحدث عن أمها وجدتها ونساء مدينتها، أو تسرد مغامراتها التي فيها تريد خلع رداء التبعية، وإثبات حضورها المركزي في السرد، وبنزوع جينالوجي تستعيد عبره تاريخا كاملا من الإقصاء والمصادرة (أمي بية التي لم تدخل مدارس، ولا تعرف شعارات الحركات النسوية، ولم تشارك في مظاهرات المساواة وحقوق الإنسان، هي فقط كانت تنصت إلى صوت قلبها على الفطرة الأولى امي بية كانت تؤمن بي، لأنها تؤمن بنفسها كأنثى).
وتمجد المؤلفة صاحبة الحانة سيدوري وهي تشفق على جلجامش الذي أنهكته رحلة البحث عن عشبة الخلود.. بينما تتألم لحالة المرأة التي نسيت هذا العمق الجينالوجي داخلها (أنا أتابع في هلع كيف تتحول المرأة إلى كائن غيري لم يعد يعيش لنفسه بل يعيش للاخر). وترفض القول الذكوري بأن (وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة ) قائلة: «إنها تزعجني وتربكني ولا تضعني في مكاني الصحيح، كما أنها لا تنصفني فلا تقنعني.. ألا يمكن أن أكون عظيمة أنا أيضا؟ هل العظمة خاصية رجالية؟).
وعادة ما تتجه السير الذاتية النسوية هذه الوجهة ما بعد الحداثية، ولا نكاد نجد سيرة نسوية ذاتية إلا وهي تناهض القوالب الجاهزة، وتتمرد على الذكورية التي هي في الأساس تمثل العنف الرمزي الذي يصفه بورديو بتشكيلة اجتماعية، أو جماعة معينة، أو أعضاء المجموعة العائلية يحكمها نظام من علاقات القوة. وبمناهضة السيرة الذاتية النسوية للعنف تكون النسوية رأسمالا ثقافيا أي ثروة ثقافية هي أكبر من أن تخضع لنموذج ثقافي تعسفي.
كاتبة عراقية