ربما من السهل على القارئ، والمعنيّ بمفهوم العنوان ودلالته، أن يعثر على ما يلغي المسافة الصوتية المباشرة بين الشاعر ومجموعة شِعرية له، تأكيداً على أنه يترجِم جانباً مما يشعر به تجاه موضوع، وفي موقف ما وزمان ما، بصُوَر شِعرية خارج أي سياق سردي. سوى أن الوضع مغاير بالنسبة إلى الرواية: محتوى ومساراً. ثمة سرد يواجهه ويلزِمه بجعْل المسافة ملموسة بين ما يريد قوله، أو يسطّره، بصدد أي موضوع يتهيأ لإبرازه روائياً، لأن هناك كائنات حيّة ثلاثية الأبعاد كثيراً، تتنفس في مجتمعه الروائي المتخيَّل.
سمّها قواعد متَّبعة، سوى أنها لا تحُول دون طرْح سؤال مباشر وحدّي عن مرجعية هذه القواعد، ولعل أهمها هي في مسعى التأكيد على أن «المعمول» الروائي هذا أو ذاك قد تَشكَّل من ذات كاتب ليس لها أي دعوى مباشرة به، حيث يكون الآخر الأقصى لما هو في الحياة.
لهذا، نقرأ عناوين اسْمية، أو بصيغة جُمَل اسمية، أو فعلية لا أثر لصوت مباشر حيث يتشارك فيها كتّاب وكاتبات، كما في روايات نجيب محفوظ، الطيب صالح، نوال السعداوي، غادة السمان، الطيب صالح، حنا مينه، سحر خليفة، عبد الرحمن منيف، الطاهر وطار، رضوى عاشور، غسان كنفاني، ليلى العثمان، غائب طعمة فرمان، ورجاء العالم…الخ.
ضمناً، نتلمس استثناءات قليلة (خجولة؟) تعبيراً عن خوف ذات يرتد اجتماعياً – ربما- من ذات لا تريد التورط في التوقيع على نص روائي يُسمّي شخصاً لا شخصية، أي ما يواجَه بذات المخاطب روائياً: «لا أنام» لإحسان عبد القدوس، و»أصابعنا التي تحترق» لسهيل إدريس، رغم أنها تحتفظ بخاصية سِيرية، لها تصريف جمالي سيميائي مختلف!
وقد أتجرأ على القول إن محاولة عبور هذه الحدود «الملغومة» قواعدياً، تسمّي الكاتبة أكثر، رغم الواقع المسربِل عليها بذكوريته، ومقارنة بالتجربة الكتابية، وما في ذلك من إشهار ذات لطالما جرى التشهير في مرجعيتها الاجتماعية وخصوصيتها. لنتذكر صنعة «أنا أحيا» لليلى بعلبكي. ماذا كان يجري لو العنوان أجيزَ جملة اسمية كسابقاتها؟ أو العنوان الاستثناء بين روايات السعداوي «كانت هي الأضعف»، وحنان الشيخ في «أكنسُ الشمس عن السطوح»، وليلى العثمانفي «خذها لا أريدها»؟ وما يكون أقرب إلى الذات دون تأكيد جنسية الدال، حال مي منسيّ في «أنتعل الغبار وأمشي»، وإلهام منصور في عنوان تخاصمي «أنا هي أنت» أو «تركت الهاتف يرن»، أو هدى بركات في « سيّدي وحبيبي»…الخ.
طبعاً، ومن باب التوضيح، أو ما ينبغي النظر فيه، وهو أن ليس الذي أفصِح عنه يضع سوراً استحكامياً على من ذكرتُ وخلافهم، وهم اليوم بمئات ومئات، إنما يشمل أسماء كتاب وكاتبات غرب وخلافهم، حيث الجملة الاسمية تظهر عرّابة الإقرار بسلامة العنوان، وبشعور آخر بالإعفاء المتخيَّل لدى هذا/ هذه/ أو ذاك/ تلك، من ضريبة المساءلة.
العنوان المدشّن جملةً اسمية، أو فعلية ينتفي فيها حضور المتكلم مباشرة، يسهل تداوله، بمقدار ما ييسّر تهجّيه، دون أن يتملك المتهجي شعور داخلي، وهو أمام آخرين، أو في وسطهم.
ما ينتقل مسمّياً ناطقه أو متهجّيه، لا يخفي دَيْناً رمزياً مرسوماً في الحال، والمعني أقدر على توصيف ذلك، أو بالنسبة إلى مستمعه، أو قارئه، حين يتهجاه، ليكون في نطاق «ملْكيته» ولو في المدَّة التي تستغرقها تهجئة العنوان. فالعنوان موقع متحرك، ومؤثراته تتناسب وبنية تكوينه.
لنأخذ مثالاً لنص أجنبي له نكهته السحرية: «مملكتي ليست من هذا العالم « لأليخو كاربونتيه. إن كل من يقبل على قراءتها أو إسماعها للآخر، أو حتى بينه وبين نفسه، يثير في نفسه شعوراً مصاحباً، لأن البدء منه يكون!
ذلك يحتاج إلى المقابلة بين كل من الذهنية الثقافية الفاعلة في كل من الحالتين الأوليين: الاسمية والفعلية، وكيفية التقابل بينهما. أي حين تكون الجملة الاسمية، كما لو أنها في وضعية حياد تامة، وأن كل ما يمكن لقارىء عنوان منتسب إليها، وبصورة ما، إنما، تكون من خلال تحرّي ظلال لها في متن النص الروائي، دون الجزم بحقيقة المسمَّى هنا. إنها تسميته هو لا الروائي، بما أنه ليس من نقاط استناد مباشرة، بالعكس، هناك مساحة فاصلة لا تعد بالأمان في التسمية.
ذلك ما يكون في حالة الجملة الفعلية، أي حيث يتراجع ظل الجملة الاسمية من هناك، ويتشكل إشعارٌ ما لمَا يستبقي ظل الروائي، أو بعضاً من ذاته، وجعْل النص نزيل العنوان أكثر.
لا أتحدث هنا عن الانعطافة الطارئة على عنوان النص الروائي مقارنة بالأمس القريب، حتى في مضمار الجملة الاسمية، وإنما ما يجعل الرواية أقرب ما تكون إلى ملحمة الشخص ذاته، وفي ذاته، مرجعاً لمجتمعه وليس العكس، في ضوء متغيرات العصر والأدب عينه. ومن يتابع ذلك، فليس في مقدوره وضع مفهوم قاعدي، أسلوبي، معرفي محدد، والنظر في ضوئه إلى هذا المستجد راهناً، لعدم وجود دعامات هذا التوجه.
في رواية «ما تبقَّى لكم» لغسان كنفاني، يكون المستمع/ القارىء إزاء المخاطِب، وما في هذا العنوان من حصر الانتباه في هذا المتبقى والذي لن يبوح بحقيقة أمره، إلا بعد قراءته، وهو السرّ المحرّض، بما أنه ينوّه ضمناً إلى أن مسمّي العنوان يعرف المتبقى لمن يخاطبهم، وهذا يدفع بالفضول النفسي للإقبال على قراءة الرواية لإراحة قارئه.
في رواية «رسمتُ خطاً في الرمال» لهاني الراهب، وهي الوحيدة التي تسمّيه باسمه، وليس بمعنى أنها تحيل مقروء النص إلى ذاته الشخصية، يوجد هذا الحراك المنطلق من السارد المتكلم، والذي ما أن يقبل عليه قارئه، حتى يتنحى الآخر جانباً، ويكون معطى للقارىء.
ومن المؤكد أن البعد الدلالي لجملة طويلة نسبياً يتشارك كلٌّ من الاسم والفعل فيها عنواناً، كما في رواية باكورية لواسيني الأعرج «وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر»، يكون مختلفاً لأن ليس من متكلم مباشر، ليس من مخاطب مباشر، وإنما تيمة مستقاة مما هو حكائي، ومعالج فنياً. فالذي يشغل واعية القارىء هو من يكون هذا الرجل الذي يؤمُّ البحر، وأي قرابة رمزية تكون في الحالة هذه، بينه وبين مبتدعه: الأعرج. وهي في المبتدأ والمختتم حيلة الروائي نفسه، حيث لا نجد أي مثال من هذا القبيل في قائمة رواياته الكثيرة والذائعة، إلا في سيرته الذاتية وهي تتجاوزه كاسم شخص، أي «سيرة المنتهى …عشتها، كما اشتهتني! تجليات الموريسكي الأخير»، وبما أنها سِيرية فإنها تتموضع في مكان مختلف في سياق المثار هنا بدورها.
وربما كانت تجربة رشيد الضعيف مع العنوان لها ميزتها، وهي تصل ما بين العامي، والفصيح، بين الاسم الأجنبي، والفعل المسطور أجنبياً، حيث لكل عنوان ذائقته، كما في «أنسي يلهو مع ريتا»، «عزيزي السيد كواباتا»، «ليرننغ أنغلش»، «تصطفل ميرل ستريب»، «معبد ينجح في بغداد»، «أوكي مع السلامة»…الخ. إنها مائدة «الأفلاطوني» الحسية متعدية الحدود هنا.
وأرى في تجربة التعامل مع العناوين، من لدن عبد الفتاح كيليطو ما يستحق التسمية، وهي تجربة تقوم أساساً على نقده المفتوح للسرد العربي في ضوء انهمامه بتقنياته الغربية (الفرنسية، بجلاء) خصوصاً، وأنه، كما هو معلوم لقارئه، مقروء فرنسياً قبل أن يكون مقروءاً عربياً.
فما انشغل به أدبياً وفي الرواية حصيلة خبرته تلك، وأنا أشير إلى روايته الشذراتية، وما فيها من قواسم مشتركة تتداخل مع كتابات نقدية له، أي «أنبئوني بالرؤيا». هناك تحدّ، وليس مجرد طلب ممن يخاطَبون، دون أن يُعرَفوا، فكأن قارئه ما أن يستلم منه عنواناً حتى يكون هو القائل.
فالنص الروائي الكيليطوي لا يقرأ إلا بتركيز شديد، لأنه نص ثقافي، فيه من المحلّق بالخيال، ما فيه من المعلَّق بالتعبير الأدبي المحتسب على كتابته السردية. ولا غرابة حين يستهل، مثلاً روايته هذه بهذه الكلمات (أحب القراءة في الفراش. عادة مكتسبة منذ الطفولة، لحظة اكتشاف ألف ليلة وليلة». وفي أكثر من مقال له، يصرّح على أنه مدمن قراءة « ألف ليلة وليلة « وهاهوذا يصرّح بلسان سارده الروائي حيث يكون هو، وما لا يكونه فنياً، بما يكون محط اهتماماته النفسية.
أتراه ليله الذي يؤرقه، فيجد في نص انتشر مشرقاً ومغرباً، ما يستنير به، في ليل ليس هو ليل شهرزاد بالتأكيد، إنما ليله الذي ينتظر نهارَه، لأن النبوءة مخاض ليل ووليدة نهار؟
العنوان الذي يشير إلى صاحبه، وإن لم يكنْه حرْفياً، إنما يظل متحركاً على تخومه، وفي محمية القول الذي يُبقي صورة الكاتب ماثلة أمام النظر.